الإعلام في شعيرة الأذان | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 18 صفر 1441 هـ الموافق لـ 17 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١٢٥

الصنف: فتاوى الصلاة - الأذان

الإعلام في شعيرة الأذان

السؤال:

المؤذِّن في فرنسا يؤذِّن من داخل المسجد بدون مكبِّر صوتٍ، يسمعه أهلُ المسجد، وقد لا يبلغ نداؤه من هو خارجَ المسجد، فهل هذا الأذان معتبرٌ شرعًا؟ علمًا أنه قد لا يتمُّ المقصود منه وهو الإعلام الخارجي، وهل نعدُّ أنفُسَنا غيرَ قادرين على إظهار شعائر ديننا إذا منعت السلطات الفرنسية رفْعَ الأذان إلى خارج المسجد، وبالتالي يختلُّ شرطٌ من شروط جواز الإقامة في بلاد الكفر؟ أفيدونا -جزاكم الله خيرًا-.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأذان هو التعبُّد لله بألفاظٍ توقيفيةٍ فيها ذكرُ الله لإعلام الناس بدخول وقت صلاةٍ مفروضةٍ، فهو يختصُّ بالصلوات الخمس المفروضة، ومعدودٌ من فروض الكفاية على الصحيح، وهو من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة وأشهر معالم الدين، وقد جعله النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم علامةً على الإسلام، فقد صحَّ عن أنسٍ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا، لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ»(١)، لذلك لا يجوز تعطيله بحالٍ.

ومن شروط المؤذِّن إعلامُ الناس بدخول وقت الصلاة ليتحقَّقَ المقصود من الأذان -وهو الإعلام- برفع الصوت أو استعمال مكبِّر الصوت؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه مرفوعًا: «لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»(٢)، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ»(٣).

هذا، واعلم أنَّ الأذان في عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأبي بكرٍ وعُمَرَ رضي الله عنهما كان على باب المسجد(٤)، والمراد أنَّ مَحَلَّه على سطح المسجد عند بابه، وهو المكان المرتفع الذي يرقى عليه المؤذِّن، وقد جاء حديث عائشة رضي الله عنها مبيِّنًا لوصف الرُّقِيِّ على شيءٍ مرتفعٍ، قولها رضي الله عنها: أَنَّ بِلاَلاً كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ»، قَالَ القَاسِمُ: «وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلاَّ أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا»(٥)، ويؤيِّده حديث النوَّار أمِّ زيد بن ثابتٍ رضي الله عنها، قالت: «كَانَ بَيْتِي أَطْوَلَ بَيْتٍ حَوْلَ المَسْجِدِ، فَكَانَ بِلاَلٌ يُؤَذِّنُ فَوْقَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا أَذَّنَ إِلَى أَنْ بَنَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْجِدَهُ، فَكَانَ يُؤَذِّنُ بَعْدُ عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ»(٦).

وعليه، فإن أمكن للمؤذِّن أن يرقى على سطح المسجد فيرفعَ أذانه -ولو بصوته الطبيعي- فإنه يكون موافقًا للمشروع ومحقِّقًا للإعلام، فإن تعذَّر ذلك لموانعَ إداريةٍ فأمكن للمؤذِّن أن يرقى على شيءٍ مرتفعٍ داخلَ المسجد عند باب المسجد أو نافذته؛ ليُعْلِم بأذانه دخولَ وقت الصلاة ويُسْمِعَ به غيرَ الحاضرين؛ فإنه بذلك يكون مُظهرًا لهذه الشعيرة بحسَبِ الإمكان.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٦ صفـر ١٤٣٢ﻫ
الموافق ﻟ: ٣١ ديسمبر ٢٠١١م


(١) أخرجه البخاري في «الأذان» باب ما يُحقن بالأذان من الدماء (٦١٠) من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه البخاري في «الأذان» باب رفع الصوت بالنداء (٦٠٩) من حديث أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه.

(٣) أخرجه أبو داود في «الصلاة» باب رفع الصوت بالأذان (٥١٥)، والنسائي في «الأذان» رفع الصوت بالأذان (٦٤٥)، وابن ماجه في «الأذان والسنَّة فيه» باب فضل الأذان وثواب المؤذِّنين (٧٢٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصحَّحه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٢٨)، وفي «صحيح الجامع الصغير» (١٩٢٩).

(٤) انظر: «الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة» للشيخ الألباني (١٨).

(٥) أخرجه البخاري في «الصوم» باب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يمنعنَّكم من سَحوركم أذانُ بلال» (١٩١٨)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٦) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٨/ ٣٠٧) وقد عدَّه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٣٢) شاهدًا لحديث أبي داود (٥١٩): ولفظه: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ: كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ بِلاَلٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الفَجْرَ فَيَأْتِي بِسَحَرٍ فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إِلَى الْفَجْرِ، فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ وَأَسْتَعِينُكَ عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ» قَالَتْ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ، قَالَتْ: وَاللهِ مَا عَلِمْتُهُ كَانَ تَرَكَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً -تَعْنِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ-، وفي ما أورده ابن سعدٍ تسمية المرأة من بني النجَّار.