في حكم تأخير دفع الزكاة عن وقتها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 8 شوال 1439 هـ الموافق لـ 22 يونيو 2018 م



الفتوى رقم: ١١٧٧

الصنف: فتاوى الزكاة

في حكم تأخير دفع الزكاة عن وقتها

السؤال:

رجلٌ وجَبَتْ عليه زكاةُ مالٍ كثيرٍ وحانَ وقتُ إخراجها، فهل يجوز له ـ شيخَنا الكريم ـ توزيعُها على أقساطٍ، علمًا بأنَّ هذا قد يستغرق شهورًا؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا ثَبَتَ في ذِمَّةِ المكلَّفِ وجوبُ إخراجِ الزكاة حالَ توفُّر شروطها وانتفاءِ موانعها فإنه يَلْزَمُه ـ حالتئذٍ ـ المبادَرةُ إلى إخراجها للمُسْتحِقِّين لها مِن غيرِ تأخيرٍ لها؛ لأنَّ الزكاة داخلةٌ في عموم العبادات والخيرات، وقد جاء في التنزيل ما يدلُّ على هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[الحج: ٧٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[آل عمران: ١٣٣]، وقولِه تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ[البقرة: ١٤٨؛ المائدة: ٤٨]. ولا يخفى أنَّ الأمر بالمُسارَعةِ إلى المغفرة واستباقِ الخيرات دليلٌ ظاهرٌ على وجوب المُبادَرةِ إلى إخراج الزكاة لأنها مِن العبادات والخيرات، وقد كَرِهَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن أصحابه تأخيرَ ما أمَرَهم به مِن النحر والحلقِ يوم الحُدَيْبِيَةِ(١)، ولو لم تكن المُبادَرةُ إلى الامتثال واجبةً لَمَا كَرِهَ ذلك منهم، ولأنَّ المُبادَرةَ بالزكاة أَحْوَطُ للدين وأَبْرَأُ للذِّمَّة، وهي ـ بلا شكٍّ ـ عونٌ ماليٌّ قويٌّ للمُسْتحِقِّين مِن الفقراء والمساكين والمحتاجين يَسْتحِقُّونه عند حلوله ليُحصِّنوا أَنْفُسَهم مِن مدِّ أيديهم للناس بالتطلُّع والتكفُّف فهُمْ أَوْلى مِن المكلَّف بالانتفاع بالزكاة، فضلًا عن أنَّ المُبادَرةَ إلى إخراج الزكاةِ دون تأخيرٍ أَسْلَمُ مِن خَطَرِ التأخير الذي يجرُّ آفاتٍ على صاحِبِه ويقتضي ـ مِن ورائه ـ تَراكُمَ الواجبات؛ الأمرُ الذي قد يُوَرِّثُه عجزًا عن النهوض بها، وقد يخترمه الموتُ قبل الوفاء بها إلى المُسْتحِقِّين.

لذلك كان واجبًا على صاحِبِ المالِ أَنْ يبذل جهدًا في تبرئة ذِمَّتِه منها بإيجادِ الطُّرُقِ الكفيلةِ بإخراج زكاته مِن غيرِ تأخُّرٍ، سواءٌ بنفسه أو بمن يُكلِّفُه بالإخراج نيابةً عنه، وإذا كانَتِ الأقساطُ كثيرةً يُخشى التفريطُ بعدم أدائها في وقتها الشرعيِّ، أو تَعذَّرَ وجودُ المُسْتحِقِّين في ذلك الوقتِ؛ فله ـ والحالُ هذه ـ أَنْ يُعجِّلَها أو يُعجِّلَ بعضَها قبل حلول وقتها ليُوَفِّيَها في وقتها، كتعجيلِ قضاءِ الدَّيْنِ قبل حلول أجَلِه، أو أداءِ كفَّارةِ اليمين بعد الحَلِفِ وقبل الحِنْثِ، وقد روى أبو داود وغيرُه عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه «أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ؛ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ»، قَالَ مَرَّةً: «فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ»(٢)، وفي روايةٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ»(٣).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ ربيع الثاني ١٤٣٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٩ فبراير ٢٠١٥م


(١) أخرجه البخاريُّ في «الشروط» (٥/ ٣٢٩) باب الشروط في الجهاد، والمصالحةِ مع أهل الحرب، وكتابةِ الشروط (٢٧٣١، ٢٧٣٢)، مِن حديث المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود في «الزكاة» (١٦٢٤) بابٌ في تعجيل الزكاة، والترمذيُّ في «الزكاة» (٦٧٨) بابُ ما جاء في تعجيل الزكاة، وابنُ ماجه في «الزكاة» (١٧٩٥) بابُ تعجيل الزكاة قبل مَحِلِّها، مِن حديث عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. وصحَّحه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد» (٢/ ١٤١)، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ٣٤٧) وفي «صحيح أبي داود» (١٤٣٦).

(٣) أخرجه أبو عُبَيْدٍ في «الأموال» (١٨٨٦) مِن حديث عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ٣٤٦).