في حكم التعامل مع مَنْ مقبوضُه فاسدٌ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 6 ذو الحجة 1439 هـ الموافق لـ 17 أغسطس 2018 م

الفتوى رقم: ١١٨٠

الصنف: فتاوى المعاملات المالية

في حكم التعامل مع مَنْ مقبوضُه فاسدٌ

السؤال:

ما حكمُ التعامل مع مَنْ حَصَل على آلاتٍ عن طريق ديوان تشغيل الشباب بواسطة البنوك الربوية؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا قَبَضَ المتعامِلُ آلاتٍ مع البنك الربويِّ بعقدٍ فاسدٍ(١) يَعتقد صِحَّتَه باجتهادٍ أو بتقليدِ غيرِه ممَّنْ يَثِقُ في فتواهُ، أو يتعامل بجهلٍ: لا يَعلم أنَّ ذلك رِبًا محرَّمٌ؛ فإنَّ صاحِبَ العقد الفاسد إذا عَلِمَ بتحريمه ثمَّ تاب بعد حصول التقابض فيه واعتقادِ صِحَّتِه فإنَّه يملك ما قَبَضه، والأصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ[البقرة: ٢٧٥]، أي: فمَنِ انتهى عن تَعاطي الرِّبَا وانزجر عن فِعْلِه بعدما جاءه وعظٌ وتذكيرٌ وترهيبٌ فإنَّه يُباحُ له ما قَبَضَهُ مِنَ المُعامَلاتِ التي أَجْرَاها قبل أَنْ تبلغه الموعظةُ؛ جزاءً على الْتزامِه بتركِ مقتضى النهي وقَبولِه للنصيحة.

أمَّا إذا قَبَضَ الآلاتِ مع البنك بعقدٍ ربويٍّ فاسدٍ مُجْمَعٍ على تحريمه أو مُخْتَلَفٍ فيه، وتَعمَّدَ التعاملَ بالرِّبَا وهو يعلم حُرْمتَه؛ فما قَبَضه بمُوجَبِ ذلك العقدِ ـ بعد توبته ـ لا يملكه القابضُ لبطلان العقد ـ شرعًا ـ ووَجَبَ على المتبايِعَيْنِ فسخُه والتَّرادُّ، أي: يرجع المتعاقِدان إلى حالةِ ما قبل التعاقد عند الإمكان؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٢)، ويَبْطُلُ كُلُّ ما تَضمَّنَه العقدُ مِنْ شروطٍ وقيودٍ حكمًا؛ عملًا بقاعدةِ: «إِذَا بَطَلَ الشَّيْءُ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ».

وشرط إمكان الفسخ: بقاءُ المعقود عليه على ما كان قبل القبض، ويَمْتنِعُ الفسخُ إذا تغيَّرَ ـ مثلًا ـ شكلُ المعقود عليه أو هلك أو استُهْلِك بحيث لم يَبْقَ على حالته الأولى، ومِنْ شرط إمكان الفسخ ـ أيضًا ـ: عدمُ تعلُّقِ حقِّ الغير به؛ فلو تَصرَّفَ فيه المشتري بالبيع أو بالهِبَة وتمَّ قبضُه مِنَ الموهوب له امتنع الفسخُ.

ومِنْ جهةٍ ثالثةٍ: إذا تَعذَّرَ فسخُ العقد الفاسد عن طريقِ أحَدِ المتعاقِدَيْن أو بحكم القاضي كما في صورة إباحة القوانين الوضعية السارية المفعولِ العقودَ الربوية وإجبارِ المتعاقِدَيْن على الوفاء بها؛ فليس ـ والحال هذه ـ للمتعاقِدِ التائب مِنَ العقد الفاسد إمكانيةُ إلغاء العقد أو فسخِه، وليس له القيامُ بإتلافِ ما بيده ممَّا قَبَضه؛ لنهي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن إضاعة المال(٣)، وليس له مِنْ سبيلٍ في التخلِّي عنه أو التصدُّق به؛ لحاجته إليه أوَّلًا، ولمطالَبة البنك له بتسديد الزيادة أو التهديد له ثانيًا؛ فلم يَبْقَ ـ في تقديري ـ إلَّا القولُ بأنَّ ما قَبَضه عالمًا بحرمته ثمَّ تاب منه: فإنَّه يتملَّكه ضرورةً لا دِينًا؛ بالنظر لغياب السلطة الشرعية الكفيلة بفسخ العقود الربوية.

أمَّا ما قَبَضه البنكُ بمُوجَبِ العقد الربويِّ مع إقراره بتحريمه فهو فيه فاسقٌ مُتَعَدٍّ على مالِ غيرِه؛ حيث يَعلم أنَّ ما قَبَضه لا يملكه؛ فتجري ـ في حقِّه ـ أحكامُ الغصب في ظِلِّ شريعة الإسلام.

وبناءً على ما تَقدَّمَ فإنه يصحُّ التعاملُ مع مَنْ حَصَلَ على الآلات عن طريق تشغيل الشباب إذا ما انتهى عن فِعْلِه وتاب منه؛ لامتلاكه ما قَبَضه ـ على التفصيل السابق ـ بخلافِ مَنْ لم تَنفع معه الموعظةُ وبقي مِنْ غيرِ توبةٍ فلا يصحُّ التعاملُ معه ولا التعاون ولا المصاحبة لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢[المائدة]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ»(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ المحرَّم ١٤٣٧
الموافق ﻟ: ٢٦ أكتوبر ٢٠١٥م



(١) انظر: «قاعدةً في المقبوض بعقدٍ فاسدٍ» في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٩/ ٤١١)، و«كسب الزانية إذا قبضَتْهُ ثمَّ تابَتْ» في: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٧٧٨).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٣) انظر الحديثَ الذي أخرجه البخاريُّ في «الاستقراض وأداء الديون» بابُ ما يُنْهى عن إضاعة المال (٢٤٠٨)، ومسلمٌ في «الأقضية» (٥٩٣)، مِنْ حديثِ المغيرة بنِ شعبة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه أبو داود في «الأدب» بابُ مَنْ يُؤمَرُ أَنْ يجالِس (٤٨٣٢)، والترمذيُّ في «الزهد» بابُ ما جاء في صحبة المؤمن (٢٣٩٥)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه. والحديث حسَّنه البغويُّ في «شرح السنَّة» (٦/ ٤٦٨)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٣٤١).