في حكم الصلاة في مسجدٍ أُقِيمَ في قاعةِ أفراحٍ مؤقَّتًا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 29 ربيع الثاني 1439 هـ الموافق لـ 16 يناير 2018 م

الفتوى رقم: ١١٩٦

الصنف: فتاوى الصلاة

في حكم الصلاة في مسجدٍ أُقِيمَ في قاعةِ أفراحٍ مؤقَّتًا

السؤال:

باشر القائمون على مسجدنا ـ في هذه الأيَّام ـ أعمالَ إعادةِ بنائه مِنْ جديدٍ بغرضِ توسعتِه، وبحكمِ أنَّ إعادة بناء المسجد ستستغرق وقتًا طويلًا قَرَّرُوا الانتِقالَ إلى قاعةِ أفراحٍ ـ تَوقَّفت عن العمل ـ بغرض إقامة الصلاة فيها خلالَ تلك المدَّة ريثما يصير المسجد مهيَّئًا للصلاة فيه؛ فما حكم الصلاة في هذه القاعة، علمًا أنَّهم لم يجدُوا مكانًا غيرَها وأنها ستعود ـ بعد تمام المسجد ـ إلى ما كانَتْ عليه مِنْ قبلُ مِنْ إقامة الأفراح مع ما فيها مِنْ مخالفاتٍ للشرع؟ وجزاكم الله ـ عنَّا وعن المسلمين ـ خيرَ الجزاء.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصل جوازُ الصلاة في أيِّ مكانٍ مِنَ الأرض لكونها كُلِّها مسجدًا؛ كما ثَبَت ذلك في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، ...»(١)، إلَّا أنه يُستثنى مِنْ هذا العمومِ الأماكنُ المنهيُّ عنها بالنصِّ: كمَعاطِن الإبل ومَبارِكها(٢)، والمقبرةِ والحمَّام(٣)؛ فهذه الأماكنُ لا تصحُّ الصلاةُ فيها على الصحيح مِنْ أقوال العلماء، إمَّا لكونها مأوًى للشياطين أو للنجاسة، وإمَّا لسدِّ ذريعةِ عبادة القبور والتشبُّه بالكُفَّار.

كما تُستثنى أماكنُ أخرى منهيٌّ عنها لعلَّةٍ، ولكِنْ تصحُّ الصلاةُ فيها مع الكراهة؛ لعدم ورود النصِّ بالنهي عن الصلاة فيها: مثل مواضع الصُّوَر والتماثيل كما هو حالُ معابد المشركين مِنَ النصارى وغيرِهم، فقَدْ جاء في «صحيح البخاريِّ» قولُ عمر رضي الله عنه: «إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ»، «وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي البِيعَةِ إِلَّا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ»(٤)، أو مواضعِ الخسف والعذاب فإنه «يُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ»(٥)، أو أماكنِ الفجور والعصيان لِمَا يحدث فيها مِنَ المنكرات: مِنْ مزامير الشيطان، وما يصحبها مِنْ رقصٍ واختلاطٍ ومَفاسِدَ أخرى، فضلًا عن تزكيتها بالحلول والصلاة فيها؛ لذلك فالأَوْلى سدُّ الذريعة إليها، إلَّا للمُضطرِّ أو إذا تحوَّلَتْ هذه الأماكنُ نهائيًّا عن أصلها إلى مساجدَ أو مُصلَّيَاتٍ؛ فتنتفي ـ والحالُ هذه ـ الكراهةُ والمنع لانتفاءِ سببها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ مِنَ المحرَّم ١٤٣٩هـ
الموافق ﻟ: ١٢ أكتوبر ٢٠١٧م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «التيمُّم» (٣٣٥)، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥٢١)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٢) لحديثِ جابر بنِ سَمُرَة رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟» قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ»، قَالَ: «أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟» قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ»، قَالَ: «أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟» قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟» قَالَ: «لَا»: أخرجه مسلمٌ في «الحيض» (٣٦٠).

(٣) لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ»: أخرجه الترمذيُّ في «الصلاة» بابُ ما جاء أنَّ الأرضَ كُلَّها مسجدٌ إلَّا المقبرةَ والحمَّام (٣١٧)، وابنُ ماجه في «المساجد والجماعات» باب المواضع التي تُكرَهُ فيها الصلاةُ (٧٤٥). وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٧٦٧).

(٤) علَّقهما البخاريُّ في «الصلاة» باب الصلاة في البِيعة (١/ ٥٣١). والأوَّل وَصَله عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» (١٦١٠، ١٦١١)، والثاني وَصَله عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» (١٦٠٨)، والبغويُّ في «الجعديات» (٢٣٥٣، ٢٧٩٩).

(٥) علَّقه البخاريُّ بصيغة التمريض في «الصلاة» باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب (١/ ٥٣٠). ووَصَله البخاريُّ في «التاريخ الكبير» كما ذَكَره غيرُه أيضًا، انظر: «تغليق التعليق» لابن حجر (٢/ ٢٣١).