في حكم تسديد الضرائب بالأموال الربوية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 20 صفر 1441 هـ الموافق لـ 19 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٢٠

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - القرض والصرف

في حكم تسديد الضرائب بالأموال الربوية

السؤال:

ما حكمُ تسديدِ الضرائب بأموالٍ ربويةٍ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالذي ينبغي أَنْ يُعْلَم أنَّ إيداعَ الأموالِ في البنوك لا يجوز شرعًا بسبب المساهمة مع نشاط البنوك في المعاملات الربوية المحرَّمة بالنصوص الشرعية الدالَّة على تحريم الرِّبا، منها: قولُه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩ [البقرة]، وقولُه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗ [آل عمران: ١٣٠]، وقولُ جابرٍ رضي الله عنه: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ»، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ»» الحديث(١)، وغيرُها مِنَ الآيات والأحاديثِ المرهِّبة مِنْ هذا التعاملِ المحرَّم.

فإِنْ تولَّدَتْ مِنْ أمواله المُودَعة في البنك زيادةٌ ربويةٌ فالواجبُ أَنْ يتوب مِنْ ظُلْمِه بأكله أموالَ الناس بالباطل، وتتوقَّف توبتُه على التخلُّص مِنَ المال الحرام الذي ليس له ولا للبنك صفةُ المالكِ له، وإنما المالُ الحرام مالٌ عامٌّ يُرْجَع فيه إلى المرافق العامَّة ومنافعِ المسلمين ومَصالِحِهم أو إلى الفقراء والمساكين ومَنْ في حكمهما مِنْ ذوي الحاجات، بالنظر إلى عدمِ معرفة الأشخاص الذي ظُلِموا في هذه المعاملاتِ الربوية وأُخِذَتْ منهم زياداتٌ ربويةٌ.

ولمَّا كانَتِ الزياداتُ الربوية مالًا عامًّا يملكه عمومُ المسلمين فلا يستطيع بمِلْكِ غيره أَنْ يسدِّد الضرائبَ التي فُرِضَتْ عليه شخصيًّا، جائرةً كانت أم عادلةً؛ لِمَا فيه مِنَ الاعتداء على مِلك غيره والإضرارِ به؛ لأنَّ «الضَّرَرَ يُزَالُ بِلَا ضَرَرٍ»، و«الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ» كما تقضي به القواعدُ العامَّة؛ ما لم يكن فقيرًا أو مسكينًا فأُعْطِيَ له مِنَ المال الحرام بقدرِ حاجته؛ فإنه يجوز له أَنْ يتصرَّف فيه بالصدقة وتسديدِ ديونه ودفعِ الضرائب المفروضة عليه؛ لأنَّ المال المدفوعَ إلى الفقير أو المسكين يصير مِلْكًا حلالًا طيِّبًا له؛ لأنَّ المال الحرام لا يجوز إتلافُه وتضييعه؛ فلم يَبْقَ إلَّا صرفُه في مصالح المسلمين أو على ذوي الحاجات مِنَ الفقراء والمساكين، وفي هذا المعنى قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «وإذا دَفَعه إلى الفقير لا يكون حرامًا على الفقير، بل يكون حلالًا طيِّبًا، وله أَنْ يتصدَّق به على نفسه وعيالِه إذا كان فقيرًا؛ لأنَّ عياله إذا كانوا فُقَراءَ فالوصفُ موجودٌ فيهم، بل هم أَوْلى مَنْ يتصدَّق عليه، وله هو أَنْ يأخذ منه قَدْرَ حاجته لأنه ـ أيضًا ـ فقيرٌ»(٢).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ مِنَ المحرَّم ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ فبراير ٢٠٠٦م

 


(١) أخرجه مسلمٌ في «المساقاة» (١٥٩٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٢) «المجموع» للنووي (٩/ ٣٥١).