في حُكم التَّأخُّر عن العمل بسبب الصَّلاة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 16 ربيع الآخر 1442 هـ الموافق لـ 02 ديسمبر 2020 م

الفتوى رقم: ١٢٣٠

الصنف: فتاوى المعاملات المالية ـ الإجارة

في حُكم التَّأخُّر عن العمل بسبب الصَّلاة

السؤال:

أنا مديرٌ بمتوسِّطةٍ في إحدى ولايات الجزائر، يدرِّس ـ عندي ـ أستاذٌ يأتي ـ دائمًا ـ في الفترة المسائيَّة إلى العمل مُتأخِّرًا ببِضعِ دقائقَ، ولمَّا استفسرتُ منه ـ كتابيًّا ـ عن تأخُّرِه أجابَ أنه بسببِ أداءِ صلاة الظهر في المسجد جماعةً، فهل تأخُّرُه جائزٌ شرعًا؟ وهل عليَّ أَنْ أَقتطِعَ تأخُّرَه مِنْ مُرتَّبِه، أم ماذا عليَّ أَنْ أفعل؟ أفيدونا، جزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصل المُقرَّرُ في الوظائف ذاتِ العِوَضِ دخولُهَا في باب الإجارة الخاصَّة المُقدَّرة بزمنٍ؛ إذ الأجيرُ الخاصُّ هو مَنْ قُدِّرَ عِوَضُه بزمنٍ مُقابِلَ المُعوَّض، وهذه الوظائفُ معدودةٌ مِنْ جملة الأمانات التي اؤتُمِنَ عليها المُكلَّفُ، وهو مأمورٌ بإيصالِ كُلِّ ما اؤتُمِنَ عليه إلى أصحابه؛ ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا[النساء: ٥٨]، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في تفسيره لهذه الآية: «يُخبِرُ تعالى أنَّه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها .. وهذا يعمُّ جميعَ الأمانات الواجبةِ على الإنسان، مِنْ حقوق الله عزَّ وجلَّ على عباده مِنَ الصَّلَوَات والزَّكَوَات والكفَّارات والنُّذورِ والصِّيام، وغيرِ ذلك ممَّا هو مُؤتمَنٌ عليه لا يَطَّلِعُ عليه العبادُ، ومِنْ حقوق العباد بعضِهم على بعضٍ كالودائع وغيرِ ذلك ممَّا يَأتمِنُون به بعضَهم على بعضٍ مِنْ غيرِ اطِّلاعِ بيِّنةٍ على ذلك؛ فأَمَر اللهُ عزَّ وجلَّ بأدائها، فمَنْ لم يفعل ذلك في الدُّنيا أُخِذَ منه ذلك يومَ القيامة»(١).

فوقتُ العمل المُثمَّن ـ إذن ـ هو مِلكٌ للمُستأجِر وليس مِلكًا للأجير، بل هو أمانةٌ على عاتِقِه يجب عليه أداؤُها إلى مَنِ ائْتَمَنَه عليها، وبالوجه المطلوبِ والأكملِ، مِنْ غيرِ إضاعةِ شيءٍ مِنْ حقوقِ غيرِه المُرتبِطةِ بعمله؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»(٢)، فلا يجوز للأجيرِ أَنْ يَبْخَسَ النَّاسَ أشياءَهم بإنقاصِ وقتِ غيرِه لمَنافِعِه الخاصَّةِ أو مصالحه الخارجةِ عن نطاقِ وظيفته إلَّا بسببٍ شرعيٍّ مُرخّصٍ له، أو عذرٍ يُقِرُّهُ النِّظامُ الوظيفيُّ.

هذا، ولا يخفى أنَّه لا يجوز ـ شرعًا ـ تأخيرُ الصَّلاةِ عن وقتِها؛ لأنَّ لها وقتًا مُحدَّدًا لا يجوز تَجاوُزُه إلَّا مِنْ عُذرٍ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣[النساء]؛ وقد جاء الوعيدُ الشَّديد لمَنْ ضيَّع الصَّلاةَ، وأخَّرها عن أجَلِها المُحدَّدِ، ولم يأتِ بها على الوجه المأمورِ به، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ‌ۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩[مريم]؛ لذلك كان الواجبُ أَنْ يحرص المسلمُ على أداء الصَّلاة في وقتها وفي المسجد على أرجحِ أقوالِ أهل العلم، ولا يُقْدِمُ على تأخيرها إلَّا مِنْ عذرٍ، هذا مِنْ جهةٍ.

وعقدُ الإجارة ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ لا يُخوِّلُ له الجمعَ بين الصَّلاتين؛ لانتفاءِ الحَرَجِ والعذر المُبيحِ للجمع بينهما؛ والمعلومُ أنَّ الجمع بين الصَّلاتين مِنْ غيرِ حَرَجٍ أو عُذرٍ تلاعُبٌ بالشَّرع يعقبه إثمٌ ووعيدٌ لا يخرج عن معنَى إضاعة الصَّلاة الواردِ في الآية السَّابقة؛ لذلك نصَّ العلماءُ على أنَّ زمن الطَّهارة وأوقاتَ الصَّلوات ـ وهي مِنْ حقِّ الله على عباده ـ مُستثناةٌ ـ شرعًا ـ مِنْ مُدَّةِ عَقْد الإجارة؛ والقيامُ بها على الوجه الصَّحيح لا يُعَدُّ إخلالًا بالعقد المُتَّفَقِ عليه، كما أنَّه ليس على الأجير الخاصِّ ضمانٌ في مدَّةِ عَقْد الإجارة ـ على أرجحِ قولَيِ العلماء ـ ولا تنقص مِنْ أُجرَتِه شيئًا.

ويدخل في ذلك ـ أيضًا ـ إذا ما اشترط الأجيرُ على المُستأجِرِ شرطَ الصَّلاةِ في المسجد.

ومِنْ نصوص العلماء في استثناء الصَّلوات وشروطِها ولواحقها مِنَ الإجارة لِعملِ مُدَّةٍ قولُ ابنِ مُفلِحٍ ـ رحمه الله ـ: «"ولا ضمانَ على الأجير الخاصِّ" نصَّ عليه، "وهو الذي يُسلِّم نَفْسَه إلى المُستأجِر" أي: يقع عليه العقدُ مُدَّةً معلومةً يَستحِقُّ المُستأجِرُ نَفْعَها في جمعها، سوى فعلِ الصَّلوات الخمسِ في أوقاتها بسُنَنِها، وصلاةِ جمعةٍ وعِيدٍ، ولا يَستنيب؛ وسُمِّيَ خاصًّا لاختصاص المُستأجِرِ بنفعه تلك المُدَّةَ»(٣).

وقال زكريَّا الأنصاريُّ ـ رحمه الله ـ: «"زمن الطَّهارة و"الصَّلاة "المكتوبة ولو جمعةً، والرَّاتبة مُستثنًى في الإجارة" لِعملِ مُدَّةٍ، فلا تنقص مِنَ الأجرة شيء»(٤).

وعليه، فإِنْ أَذِن المُستأجِرُ للأجير أَنْ يُصلِّيَ في المسجد إِنْ لم يلحقه ضررٌ فهذا أَوْلى، ولا يحتاج إلى استئذانه إذا ما شَرَطه في العقد؛ فإِنْ كان عليه ضررٌ ولم يأذن فعلى الأجيرِ أَنْ يُصلِّي في مُؤسَّستِه جماعةً إِنْ تَيسَّر ذلك وخاصَّةً صلاة الظُّهر؛ لمكانِ حديثِ فَضَالةَ رضي الله عنه: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ فِيمَا عَلَّمَنِي: «وَحَافِظْ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ»، قَالَ: قُلْتُ: «إِنَّ هَذِهِ سَاعَاتٌ لِي فِيهَا أَشْغَالٌ؛ فَمُرْنِي بِأَمْرٍ جَامِعٍ، إِذَا أَنَا فَعَلْتُهُ أَجْزَأَ عَنِّي»، فَقَالَ: «حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ»، وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا، فَقُلْتُ: «وَمَا الْعَصْرَانِ؟»، فَقَالَ: «صَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا»»(٥)؛ فدلَّ على أنَّه إذا شَغَله شاغلٌ: فله أَنْ يُصلِّيَ في مكانِ شُغْله سوى الصُّبحِ والعصر، ولا يجوز له الذَّهابُ إلى المسجد إلَّا بإذنِ المُستأجِرِ أو بشرطٍ في عقد العمل ـ كما تقدَّم ـ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٧ صفر ١٤٤١ﻫ
الموافق ﻟ: ١٦ أكتوبر ٢٠١٩م



(١) «تفسير ابن كثير» (١/ ٥١٥) بتصرُّف.

(٢) أخرجه أبو يعلى في «مُسنَده» (٤٣٨٦)، والطبرانيُّ في «المُعجَم الأوسط» (٨٩٧)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (١٨٨٠).

(٣) «المُبدِع شرح المُقنِع» لابن مُفلِح (٥/ ٤٦).

(٤) «أسنى المطالب في شرح روض الطالب» لزكريَّا الأنصاري (٢/ ٤٣٦).

(٥) أخرجه أبو داود في «الصلاة» بابٌ في المحافظة على وقت الصلوات (٤٢٨). وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣١٢٢).