في تحقيقِ صفة الإكراه الذي يقع به الطلاقُ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 16 ذي الحجة 1441 هـ الموافق لـ 06 أغسطس 2020 م

الفتوى رقم: ١٢٣٤

الصنف: فتاوى الأسرة ـ انتهاء عقد الزواج ـ الطلاق

في تحقيقِ صفة الإكراه الذي يقع به الطلاقُ

السؤال:

أخٌ مِنْ فرنسا له زوجتان، هدَّدَتْه الأولى بقتلِ نفسِها إِنْ لم يُطلِّقْ زوجتَه الثانية، وأخذَتِ السِّكِّينَ في حالةٍ هستيريَّةٍ وهمَّتْ بأَنْ تطعن نَفْسَها، فلم يستطع إيقافَها إلَّا بأَنْ قال لها ـ تحت طائلةِ التهديد ـ: «قد طلَّقْتُها، قد طلَّقْتُها»، ولكِنْ ـ كما صرَّح هو ـ لم يكن قلبُه يوافق لسانَه حين تَلفَّظ بذلك، فهل يُعتبَرُ ـ في هذه الحالة ـ مُكرَهًا، وهل تُحتسَبُ له طلقة على الزوجة الثانية؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا صَرَف المُطلِّقُ نِيَّتَه بالطلاق إلى امرأةٍ أخرى أجنبيَّةٍ لا يملك عليها طلاقًا فطلَّقها فإنه لا يقع الطلاقُ أصلًا؛ لعدَمِ مُصادَفةِ مَحلِّه؛ فلا عبرةَ ـ حالتَئذٍ ـ بقوله، ولا يُعتَدُّ بطلاقه؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «.. وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ»(١).

وإِنْ كان المُطلِّقُ صَرَف نِيَّتَه إلى زوجته التي يكون بينه وبينها عقدُ زواجٍ صحيحٌ فيبقى التحقيقُ ـ في الصورة المسؤولِ عنها ـ في اكتسابه صِفةَ طلاقِ المُكرَه بغير حقٍّ، أم أنه ينتفي الإكراهُ في حقِّه أصلًا؟

والظاهر ـ عندي ـ أنه لا يكتسب صفةَ المُكرَه بغيرِ حقٍّ؛ لأنَّ له قدرةً على الامتناع، وطاقةً على الإقدام والإحجام، أو قدرةً على صرفِ نِيَّتِه إلى امرأةٍ أجنبيَّةٍ؛ وقد أبانَ ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ شروطَ الإكراه الذي لا يقع به الطلاقُ ـ وليسَتْ متحقِّقةً في مسألتنا ـ حيث قال ما يلي: «ومِنْ شرط الإكراه ثلاثةُ أمورٍ:

ـ أحَدُها: أَنْ يكون مِنْ قادرٍ بسلطانٍ أو تغلُّبٍ كاللِّصِّ ونحوِه ...

ـ الثاني: أَنْ يغلب على ظنِّه نزولُ الوعيد به إِنْ لم يُجِبْه إلى ما طَلَبه.

ـ الثالث: أَنْ يكون ممَّا يستضرُّ به ضررًا كثيرًا، كالقتل والضربِ الشديد والقيدِ والحبسِ الطويل؛ فأمَّا الشتمُ والسَّبُّ فليس بإكراهٍ روايةً واحدةً، وكذلك أخذُ المالِ اليسير»(٢).

وعلى هذا يقع طلاقُه طلقةً واحدةً رجعيَّةً إِنْ كان دَخَل بها، وله إرجاعُها في عِدَّتِها.

أمَّا بخصوصِ زوجَتِه فإنه لا يجوز لها أَنْ تطلب مِنْ زوجها أَنْ يُطلِّق زوجتَه الأخرى لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا»(٣)، هذا مِنْ جهة.

فإِنْ لم يستجب لها فأَضرَّتْ بنفسها ـ مِنْ جهة أخرى ـ فإنها تأثم دونه إِنْ كان مُنكِرًا لصنيعها؛ ولا يترتَّب عليه أيُّ ضمانٍ، سواءٌ طلَّق أم لم يطلِّق؛ عملًا بقاعدةِ: «الجَوَازُ يُنَافِي الضَّمَانَ».

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٩ رمضان ١٤٤١ﻫ
المـوافـق ﻟ: ٠٢ مـــاي ٢٠٢٠م



(١) أخرجه الترمذيُّ في «الطلاق واللعان» بابُ ما جاء: لا طلاقَ قبل النكاح (١١٨١)، وابنُ ماجه ـ بجملة الطلاق فقط ـ في «الطلاق» باب: لا طلاقَ قبل النكاح (٢٠٤٧)، وأحمد في «مسنده» (٦٧٦٩، ٦٧٨٠)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما. قال الترمذيُّ: «وفي الباب عن عليٍّ، ومعاذ بنِ جبلٍ، وجابرٍ، وابنِ عبَّاسٍ، وعائشة؛ حديثُ عبد الله بنِ عمرٍو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهو أحسنُ شيءٍ رُوِي في هذا الباب؛ وهو قولُ أكثرِ أهل العلم مِنْ أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وغيرِهم». وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٥٤٨).

(٢) «المغني» لابن قدامة (٧/ ١٢٠) بتصرُّف.

(٣) أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب: لا يبيع على بيعِ أخيه، ولا يسوم على سَوْمِ أخيه، حتَّى يأذن له أو يترك (٢١٤٠) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.