في الصبي إذا قتل عمدًا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 6 شوال 1442 هـ الموافق لـ 18 مايو 2021 م

الفتوى رقم: ١٢٤٩

الصنف: فتاوى الحدود والديات ـ الديات

في الصبي إذا قتل عمدًا

السؤال:

تركت أمٌّ بنتين لها تلعبان بالرمل المحيط بالمنزل.

البنت الأولى تبلغ من العمر ست سنوات، بينما الثانية تبلغ أربع سنوات. فأطعمت البنت الكبرى البنت الصغرى الرَّمل حتى امتلأ فمها به فصعب عليها التنفس إلى أن ماتت.

فهل يترتَّب على البنت أحكام القتل العمد؟ وهل يتعلَّق بالوالدين شيءٌ من الأحكام جراء ما حدث؟

نرجو من شيخنا حفظه الله أن ينوِّر الوالدين بما يزيل عنهما الحيرة والإشكال.

وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلم أنَّه مِنْ شَرْطِ قتلِ العمد أن يكون المحكوم عليه بالغًا عاقلًا، فلا قِصاصَ ولا حدَّ على الصبيِّ والمجنون ولا تكليف عليهما باتفاق، وهما غيرُ آثمين إذا ما ارتكبا جريمةَ قتلٍ، ولا قصاصَ عليهما ـ كما أسلفت ـ لأنَّ القصاص عقوبةٌ وهما ليسا من أهل العقوبة، إذ العقوبة لا تجب إلَّا بالجناية والاعتداء، وفعلهما لا يوصف بذلك، قال ابن قدامة رحمه الله: «لا خلافَ بين أهل العلم أنَّه لا قِصاصَ على صبيٍّ ولا مجنونٍ، وكذلك كلّ زائلِ العقل بسببٍ يُعذر فيه، مثل النائم والمُغمى عليه ونحوهما، والأصل في هذا قولُ النبيِّ صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ»(١)، ولأنَّ القِصاص عقوبة مغلَّظة فلم تجب على الصَّبيِّ وزائلِ العقل كالحدود، ولأنَّهم ليس لهم قصد صحيح فهم كالقاتل خطأً»(٢).

هذا، وإذا كان عمد الصَّبيِّ في حكم قتل الخطأ فتجب ـ في ماله ـ الكفَّارة عند جمهور العلماء من باب خطاب الوضع أي من جهة ربط الأسباب بمسبَّباتها خلافًا لأبي حنيفة فلا تجب ـ عنده ـ الكفَّارة على الصَّبيِّ(٣)، والعمل بمذهب الجمهور أحوط للدِّين وأبرأ للذِّمَّة.

وتتمثَّل الكفَّارة الواجبة في عِتق رقبةٍ مؤمنةٍ، فإن تعذَّر وجودها فيلزمه صيام شهرين متتابعين لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَ‍ٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَ‍ٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا٩٢[النساء: ٩٢]، فإن كانت هذه الحادثة وقعت سابقًا، وأصبح المعنيُّ بالأمر بالغًا فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، وإن كان لا يزال صبيًّا فينتظر حتى يبلغ، خلافًا للشافعي الذي يرى أنه يُجزِئه عن كفَّارته إذا صام الصبيُّ المميِّز شهرين متتابعين عند عدم المال أو تعذُّرِ وجودِ الرَّقبةِ، وفي الأمر سعة فأيَّهما فعل حصل به المقصود وتبرأ به الذِّمَّة، فمن لم يستطع انتظر القدرة.

أمَّا الإطعام فلا مدخلَ له في كفَّارة القتل على الراجح من قَوْلَيْ أهل العلم، وهو مذهب الجمهور وأحد قولَيِ الشافعيِّ، وهو ما رجَّحه النَّووي(٤).

وأمَّا وجوبُ الدِّيَة فإنَّما تجب مخفَّفةً على العاقلة، أي: عصبتِه أو أوليائِه الأغنياء، ولا تجب الدِّيَة في مال الصَّبيِّ إلَّا على أحد قولَيِ الشافعيِّ فهو عنده في حكم العمد تجب الدِّيَة في ماله، والصحيح أنَّ الأحكام المختصَّة بالعمد إنَّما هي الإثم والقصاص وهما لا يتعلَّقان بفعل الصَّبيِّ فصار كقتل الخطأ الذي تجب فيه الدِّيَةُ على العاقلة لا على ماله(٥).

هذا، وإذا عفا أولياء الميت عن الدية كُلِّيَّةً فلا شيءَ على العاقلة، وإن اصطلحوا على مبلغٍ وَوُفِّيَ إليهم بَرئت ذِمَّتُهم منها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٥ المحرم ١٤٤٢هـ
الموافق ﻟ: ١٣ سبتمبر ٢٠٢٠م



(١) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا: (٤٤٠٢)، وأبو يعلى في «مسنده»: (٥٨٧)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى»: (٢٢٢١٧)، من حديث عائشة رضي الله عنها. قال ابن حجر في «فتح الباري»: (١٢/ ١٢٤): «له شاهد وله طرق يقوي بعضها بعضًا»، وصحَّحه النووي في «الخلاصة»: (١/ ٢٥٠)، وأحمد شاكر في تحقيقه لـ: «مسند» أحمد: (٢/ ١٨٨)، والألباني في «الإرواء»: (٢٩٧).

(٢) «المغني» لابن قدامة (٧/ ٦٦٤)، وانظر: «الكافي» لابن عبد البر (٥٨٨)، «بدائع الصنائع» للكاساني (٧/ ٣٤٦).

(٣) انظر: «شرح مختصر الطحاوي» للجصَّاص (٦/ ٧٦)، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنَّ الكفَّارة عبادةٌ لله تعالى، والصِّغار والمجانين لا تلزمهم العبادات، كالصوم والصلاة والحجّ، وقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» [سبق تخريجه]».

(٤) انظر: «الكافي» لابن عبد البر (٥٩٥)، «روضة الطالبين» للنووي (٩/ ٣٨٠)، «رؤوس المسائل» للعكبري (٥/ ٥٥٩).

(٥) انظر: «الكافي» لابن عبد البر (٥٩٤)، «بدائع الصنائع» للقاساني (٧/ ٣٧٣)، «بداية المجتهد» لابن رشد (٢/ ٣٩٦)، «مغني المحتاج» للشربيني (٤/ ١٠)، «رؤوس المسائل» للعكبري (٥/ ٤٤٩).