في حكم الرَّجعة بالفعل الحِسِّي | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 2 جمادى الأولى 1443 هـ الموافق لـ 06 ديسمبر 2021 م

الفتوى رقم: ١٢٥٤

الصنف: فتاوى الأسرة ـ انتهاء عقد الزواج ـ العِدَّة.

في حكم الرَّجعة بالفعل الحِسِّي

السؤال:

طَلَّق رجلٌ زوجتَه طلاقًا رجعيًّا، وفي أثناء العِدَّة كان يستمتع مِن زوجته باللَّمس والتقبيل، فهل يُعَدُّ اللَّمس والتقبيل بشهوةٍ رجعةً أو لا؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا خلاف بين العلماء أنَّ المرأة المدخول بها إذا طُلِّقت بتطليقةٍ أو تطليقتين وهي في العِدَّة أنَّ زوجها أحقُّ برجعتها حتى تنقضيَ عِدَّتُها(١)، وهو حَقُّ الزَّوج لا يملك إسقاطه ولا يقبل التنازل عنه، ولا اختيارَ للمرأة فيه سواء رَضِيَت بذلك أم لم ترض قولًا واحدًا، قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ: «إنَّ الرَّجعة لا تفتقر إلى وليٍّ، ولا صَدَاقٍ، ولا رضى المرأةِ ولا علمِها بإجماع أهل العلم»(٢)، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ[البقرة: ٢٢٨]، ولقوله تعالى: ﴿فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ[الطلاق: ٢].

هذا، والرَّجعة تصحُّ بالقول الدَّال عليها بغير خلافٍ(٣)، سواء كانت الرَّجعة باللَّفظ الصَّريح أو الكنائيِّ.

أمَّا الرَّجعة بالفِعل الحِسِّي أو المَادِّيِّ فهو موضعُ خلافٍ بين أهل العلم(٤)، وأصحُّ الأقوال ـ في تقديري ـ أنَّ الرَّجعة تحصل بجماع الزَّوج مُطلَّقتَه الرَّجعية فقط دون مُقدِّماته سواء نوى الرَّجعةَ أو لم ينوها، وهو قولُ الحسنِ وابنِ سيرين والزُّهْرِيِّ وعطاءٍ وطاووسٍ والثوريِّ والأوزاعيِّ وهو المشهور عند الحنابلة(٥)؛ ذلك لأنَّ الرَّجعة استمرارٌ لعقد الزَّواج القائم، وقطعٌ لمُضيِّه إلى البَينونة، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه ابتداءُ النِّكاح مِن صِيغةٍ قوليةٍ وغيرها، أي: أنَّ استدامته لا تتوقَّف على القول بل يدخل الوطء الدَّال على ارتجاع مُطلَّقته دلالةً ظاهرة، وبه تحصل الرَّجعةُ مِن غير توقُّف على النِّية، فأَشْبهَ انقطاعَ التوكيل في طلاقها بمجرَّد الوطء مِن غير حاجةٍ إلى النِّية، وقد عَلَّل ابن قدامة ـ رحمه الله ـ صِحَّةَ هذا المذهب بقوله: «لأنَّ هذه مُدَّةٌ تُفضي إلى بينونةٍ، فترتفع بالوطء، كمُدَّة الإيلاء، ولأنَّ الطَّلاق سببٌ لزوال المِلك ومعه خيار، فتصرُّف المالك بالوطء يمنع عملَه، كوطء البائع الأَمَةَ المبيعةَ في مُدَّة الخيار»(٦).

وأمَّا مُقدِّمات الجِماع مِن لَمْسٍ وتقبيلٍ بشهوةٍ وغيرها فلا تصحُّ بها الرَّجعة؛ لأنَّها ليست بمنزلة الوطء ولا تدخل في معناه، إذ لا يترتَّب عليها ما يترتَّب على الجِماع مِن أحكامٍ كإيجاب العِدَّة والمهر ونحوهما.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٣ جمادى الأولى ١٤٤٢هـ
المــــوافــق ﻟ: ٠٧ يـنــايــر٢٠٢١م



(١) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٩٩)، قال ابن حزم في «مراتب الإجماع» (٧٥): «اتَّفقُوا أَنَّ مَن طَلَّق امْرَأَتَه الَّتِي نَكَحَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا طَلَاقَ سُنَّةٍ وَهِي مِمَّن يَلْزمهَا عِدَّةٌ مِن ذَلِك فَطلَّقهَا مرَّةً أَو مَرَّةً بعد مَرَّةٍ فَلهُ مراجعتُها شَاءَت أَو أَبَت بِلَا وليٍّ وَلَا صدَاقٍ مَا دَامَت فِي العِدَّة، وأنَّهما يتوارثان مَا لم تنقضِ العِدَّةُ».

(٢) «المغني» لابن قدامة (٧/ ٢٨٢).

(٣) المصدر السابق (٧/ ٢٨٤).

(٤) ـ ذهب الحنفية إلى أنَّ الرَّجعة تحصل بالجِماع ومُقدِّماته سواء نَوَى أو لم ينوِ. [انظر: «المبسوط» للسرخسي (٦/ ١٨)، «بدائع الصنائع» للكاساني (٣/ ٢٦٧)، «الاختيار» لابن مودود (٣/ ١٤٧)].

ـ وذهب المالكية إلى حصول الرَّجعة بالجِماع ومُقدِّماته كاللَّمس أو التقبيل بشهوةٍ بشرط أن ينويَ الرَّجعة. [انظر: «التفريع» لابن جلاب (٢/ ٧٦)، «الكافي» لابن عبد البر (٢٩٢)، «القوانين الفقهية» لابن جزي (٢٢٧)].

ـ وذهب الشافعية وابن حزم إلى أنَّ الرَّجعة لا تحصل إلَّا بالقول، لا بالوطء ولا بمقدِّماته. [انظر: «الأم» للشافعي (٦/ ٢٤٤)، «مغني المحتاج» للشربيني (٣/ ٣٣٧)، «المحلى» لابن حزم (١٠/ ٢٥١)].

ـ وذهب أحمد في روايةٍ إلى أنَّ الرَّجعةَ تحصل بالجِماع إذا نوى به الرَّجعةَ واختاره ابن تيمية. [انظر: «المغني» لابن قدامة (٧/ ٢٨٣)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ٣٨١)، «اختيارات ابن تيمية» للبعلي (٢٢٩)، وقال: ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «هذا أعدل الأقوال وأشبهُها بالأصول»].

(٥) انظر: «المغني» لابن قدامة (٧/ ٢٨٣).

(٦) المصدر السابق (٧/ ٢٨٣).