في حكم ابتكار آلةٍ قد تُستعمَل في الفساد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 1 ربيع الأول 1444 هـ الموافق لـ 27 سبتمبر 2022 م

الفتوى رقم: ١٣٠٥

الصنف: فتاوى متنوعة

في حكم ابتكار آلةٍ قد تُستعمَل في الفساد

السؤال:

أنا طالبٌ جامعيٌّ أصْلي مِنَ الجزائر، حاليًّا أُقيمُ في اليابان وأدرس في جامعةٍ يابانيَّةٍ لأنالَ شهادةَ الدكتوراه.

هدفُ البحث الذي أقوم به هو فهمُ الآليَّة التي يستعملها العقلُ للتَّحكُّم في العضلات؛ وإذا تمكَّنْتُ مِنْ إنهاء هذا البحثِ سيصبح مِنَ المُمكِن التحكُّمُ بذراعٍ آليَّةٍ بدِقَّةٍ، وذلك باستعمال العقل فقط؛ ويمكن استعمالُ نتائجِ هذا البحثِ في مساعدة المُعاقين وفي فهمِ عقل الإنسان أَحسنَ، إلَّا أنَّه يمكن ـ أيضًا ـ استعمالها في التحكُّم بآليَّاتٍ عسكريَّةٍ فتُستعمَل للقتل والتدمير.

فهذه الأفكار لا تفارق بالي، وأخشى أَنْ يكون بحثي إثمًا جاريًا يَصِلُني وِزرُه حتَّى بعد موتي.

انصحوني جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمِنَ المعلوم أنَّ «الوسائل لها حكمُ المَقاصِد»، وتنشئةُ وسيلةٍ إذا كان الباحثُ عنها يريدها لمَقصِدٍ طيِّبٍ ومسعًى حَسَنٍ يستخدمها فيه فإنَّ ذلك جائزٌ، ولكنَّه لا يترك المجالَ مفتوحًا ـ إذا استطاع ـ لمَنْ يستعملها في أمور الفساد والإفساد، وهذا القول يجري على كُلِّ الوسائل التي يستعملها الآدميُّ: كصناعة السكاكين ـ مثلًا ـ فإنَّ المؤسَّسة المصنِّعة لها نِيَّتُها صحيحةٌ في إنتاجها لأغراضٍ منزليَّةٍ وأخرى حاجيَّةٍ داخلةٍ في إطار المُباح، غير أنَّ مَنِ اشتراها ليستخدمها في ما لا يُرضي اللهَ مِنَ القتل والسَّطو والتخريب ونحوِ ذلك، فيُعَدُّ ذلك محرَّمًا على الفاعل لا على المؤسَّسة المُنتِجة لها؛ لكِنْ إِنْ عَلِمتَ أنَّ فلانًا مِنَ النَّاس أو جهةً معيَّنةً تستخدمها في غرضٍ آثمٍ فإنَّه لا يجوز التعاملُ معها عملًا بمبدإِ سَدِّ الذَّريعةِ؛ وكذلك القولُ في العِنَب، فإنه يجوز للمرء أَنْ يزرعه تقصُّدًا للتفكُّه به وبيعِه وأكلِ ثمنه، لكن إِنِ اتَّخذ منه مَنِ اشتراه عصيرَ خمرةٍ للسُّكر، فإنه يَحْرُم على الفاعل لا على المُنتِج له والبائع، ما لم يعلم المُنتِجُ أو البائع أنَّ مَنْ تعاقد معه يستعمله لأغراضٍ محرَّمةٍ، فتُسَدُّ الذريعةُ إلى ذلك لعدمِ جواز التعاونُ على الإثمِ والعُدوانِ؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰ‌ۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ[المائدة]، وفي الحديث: «لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ: بِعَيْنِهَا، وَعَاصِرِهَا، وَمُعْتَصِرِهَا، وَبَائِعِهَا، وَمُبْتَاعِهَا، وَحَامِلِهَا، وَالْمَحْمُولَةِ إِلَيْهِ، وَآكِلِ ثَمَنِهَا، وَشَارِبِهَا، وَسَاقِيهَا»(١)؛ ولا يخفى حديثُ آكلِ الرِّبا ومُؤكِلِه وكاتبِه وشاهدَيْه؛ والأمثلةُ المذكورة في الحديثين تنبيهٌ على ما هو مِنْ جِنسها.

فالحاصل ـ إذن ـ: أنَّ مبدأ سدِّ الذرائعِ المباحةِ إذا كانت هذه الذرائعُ تؤدِّي إلى مفسدةٍ أو محرَّمٍ ـ غالبًا ـ فتُمنَع، وأمَّا إذا كانت تؤدِّي إلى مفسدةٍ أو محرَّمٍ ـ قطعًا ـ فتُمنَع وتُسَدُّ مِنْ بابٍ أَوْلى، لكِنْ إذا كانت تؤدِّي ـ عادةً ـ إلى جائز، أو كانت تُفضي إلى مفسدةٍ قد تقع نادرًا فإنه ـ والحالُ هذه ـ يجوز فتحُ الذرائع ولا يجوز سدُّها عملًا بالغالب؛ لأنَّ الغالب يقوم مَقامَ الكُلِّ، و«مُعظَمَ الشيءِ يقوم مَقامَ كُلِّه».

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٥ ذو القعدة ١٤٣٩ ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٧ أغسطس ٢٠١٨م



(١) أخرجه ابنُ ماجه في «الأشربة» باب: لُعِنَتِ الخمرُ على عَشَرةِ أَوْجُهٍ (٣٣٨٠)، وبنحوه أبو داود في «الأشربة» باب العِنَب يُعصَر للخمر (٣٦٧٤)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥٠٩١).