في حكمِ إقامةِ جُمُعتين في مسجدٍ واحدٍ لظرفٍ طارئٍ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 1 ربيع الأول 1444 هـ الموافق لـ 27 سبتمبر 2022 م

الفتوى رقم: ١٣٠٧

الصنف: فتاوى الصلاة ـ الجمعة

في حكمِ إقامةِ جُمُعتين في مسجدٍ واحدٍ لظرفٍ طارئٍ

السؤال:

ما حكمُ إقامةِ جُمُعتين في مسجدٍ واحدٍ ببلاد الكفر، نظرًا لضِيقِ مكانِ الصَّلاةِ وعدمِ اتِّساعِه للمُصلِّين؛ ولأنَّ المُتخلِّفين مِنَ المُصلِّين عن أوَّلِ وقت الجمعةِ لا تَسمحُ لهم السُّلُطات في هذا البلدِ بالصَّلاةِ خارجَ حيِّزِ المسجدِ، فضلًا عن أنَّه يتعذَّر عليهم إقامةُ الجُمُعة في مكانٍ آخَرَ أو إقامتُها في بيوتِهم، علمًا أنَّ الإقبالَ على هذا المسجدِ كثيفٌ لكَثرةِ المُصلِّين فيهِ بالقياس إلى عددِ المساجدِ وطاقةِ استيعابها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصلُ المقرَّرُ أَنْ تُقامَ ـ في مسجدٍ واحدٍ ـ جُمُعةٌ واحدةٌ في الأسبوعِ، ولا أَعلمُ تعدُّدَ الجُمُعةِ في مسجدٍ واحدٍ مرَّتين، غير أنَّه قد تصحُّ إقامةُ جُمُعةٍ ثانيةٍ في مِثلِ هذه الظُّروفِ الطَّارئة والحَرِجةِ ـ استثناءً منَ الأصلِ المَعهودِ ـ لِئلَّا تتعطَّل الجُمعةُ في حقِّهم أو تُضيَّع، لَكِنْ بقيدين احتياطيَّيْن:

الأوَّل: أَنْ تكون الجُمُعةُ الأُولى في وقتها الأَوَّل وهو قَبل الزَّوال، وتُقامَ الجمعةُ الثَّانية بعد الزَّوال في وقتها الثَّاني، لجوازِ إقامتِها في هذين الوقتَين، علمًا أنَّ إقامةَ الجمعةِ قبلَ الزَّوالِ هو مذهبُ أحمدَ واختيارُ الشَّوكانيِّ(١) بناءً على الأحاديث الواردة في ذلك: كحديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما، وقد سأله محمَّدٌ الباقر بنُ عليِّ بنِ الحسين: «مَتَى كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟» قَالَ: «كَانَ يُصَلِّي، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ»(٢)، وجرى عليه عملُ الصَّحابة رضي الله عنهم فعن عبدِ اللَّه بنِ سِيدانَ السُّلَمِيِّ، قال: «شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْنَا مَعَ عُمَرَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ تَنَصَّفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْنَا مَعَ عُثْمَانَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ زَالَ النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ»(٣).

القيد الثاني: يُستحَبُّ أَنْ يكونَ خطيبُ الجُمُعةِ الأُولى غيرَ خطيبِ الجُمُعة الثَّانية، حتَّى تقعَ نيَّةُ المَأمومِ مُوافِقةً لِنِيَّةِ الإمامِ في الفَريضةِ خروجًا مِنَ الخلافِ، لكِنْ إِنْ صلَّى بِهم الخطيبُ الأوَّلُ بنِيَّةٍ مُبايِنةٍ صَحَّتِ الصَّلاةُ ـ أيضًا ـ على أرجح القولين؛ ولهما أَنْ يَخْطُبا الخُطبةَ نَفْسَها في الموضوع نفسِه تفاديًا لاجتماع النَّاس عند خطيبٍ دون آخَرَ، غير أنَّ الأحوطَ للمُصلِّين أَنْ يُصلُّوا مع الخطيب الأوَّل ـ إِنْ أَمكنَ ـ في حدودِ طاقةِ المسجدِ حتَّى لا نتعدَّى قَدْرَ الحاجة.

ويجدر التَّنبيهُ إلى أنَّ هذا كُلَّه إذا لم يُمكِن للمتخلِّفين عن الجمعة الأولى إقامةُ الجُمُعة في بيوتهم أو في مَحَلَّاتٍ يجتمعون فيها لعدمِ توفُّرِ النِّصاب وهو رَجلان: خطيبٌ ومأمومٌ على الصَّحيح، أو لعدمِ تيسُّرِ استقبالِ رَجلٍ في البيت لضِيقه أو نحوِ ذلك(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٥ جمادى الأولى ١٤٤٣هـ
الموافق ﻟ: ٢٩ ديســــمبـــر ٢٠٢١م



(١) انظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٦٤)، «السيل الجرَّار» (١/ ٢٩٦) و«نيل الأوطار» (٣/ ٣٠٩) كلاهما للشوكاني.

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الجمعة» (٨٥٨).

(٣) أخرجه عبد الرزَّاق (٥٢١٠)، وابنُ أبي شيبة (٥١٣٢)، والدارقطني (١٦٢٣).

(٤) انظر الفتوى رقم: (١٢٣١) الموسومة ﺑ: «في حكم الجمعة في الأبنية حالَ العجز عن أدائها في المسجد الجامع» على الموقع الرسميِّ.