في حقِّ الزوجة على الزوج في النفقة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 13 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 23 فبراير 2024 م



الفتوى رقم: ١٣١

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ الحقوق الزوجية ـ الحقوق المنفردة

في حقِّ الزوجة على الزوج في النفقة

السؤال:

زوجي لا يُقدِّر مسؤوليَّةَ الحياةِ الزوجيَّةِ التي على عاتِقِه حقَّ قَدْرها، فهو مُهْمِلٌ لأولاده، مُقصِّرٌ في النفقة، بل تكاد تنعدم، ويظلُّ ـ طيلةَ وقته ـ حبيسَ المقاهي والقمار ونحو ذلك إلى غايةِ منتصف الليل، ويتغافل عن وجودي معه باعتباري زوجتَه وأُمًّا لأولاده، ولم أَجِدْ مِنْ سلاحٍ أُواجِه به هذا الموقفَ سوى الفراش، فأصبحتُ أنام على البلاط وهو ينام على السرير، وبعد مُضِيِّ أَزْيَدَ مِنْ رُبعِ قَرْنٍ أصبحتُ لا أُطيقُ العيشَ معه في هذه الحياة الزوجيَّة، فأرجو أَنْ تُقَدِّم لي نصيحةً ترفع معنويَّاتي، وما الموقفُ الذي يُمْلِيهِ عليَّ الشرعُ باعتباري زوجتَه؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ الزوجَ الذي لا يقوم بكفاية زوجته، أو يتركها بدونِ النفقة الواجبةِ عليه بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، أي: أَنَّه لا يُوفِّر ما تحتاج إليه مِنْ طعامٍ ومسكَنٍ وخِدمةٍ ودواءٍ وما إلى ذلك ـ وإِنْ كانت غَنِيَّةً ـ فلها تُجاهَه أحَدُ الأمرين:

ـ إمَّا أَنْ تطلبَ مِنَ القاضي إلزامَ الزوجِ بالدفع، ويُجْبِره متى تَحَقَّقَتْ صِحَّةُ دعواها.

ـ وإمَّا أَنْ تأخذ مِنْ مالِه ما يكفيها وأولادَها بالمعروف ـ إِنْ كانت رشيدةً تُحْسِنُ التقدير ـ مِنْ غيرِ إسرافٍ في الأخذ وإِنْ لم يعلم الزوجُ؛ إذ لها الحقُّ فيما هو واجبٌ عليه: تأخذ حقَّها بيدها إِنْ قَدَرَتْ عليه، ويدلُّ على ذلك ما أخرجه الإمامان البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها قالت: إِنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ»، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ»(١).

غيرَ أنَّه يجدر التنبيهُ إلى أنَّها تستحقُّ النفقةَ بشرطِ أَنْ تُسلِّم نَفْسَها إلى زوجها بحيث تُمكِّنهُ مِنَ الاستمتاع بها؛ أمَّا إذا امتنعَتْ ونامَتْ لوَحْدِها، وابتعدَتْ عنه كلَّما طَلَبَها؛ فهي آثِمَةٌ ـ مِنْ جهةٍ ـ وغيرُ مُسْتَحِقَّةٍ للنفقة ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ وذلك لانتفاءِ سببِ الاحتباس، وقد تزوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بعائشة رضي الله عنها، ودَخَلَ بها بعد سنتين، ولم يلتزم بنفقتها لِمَا سَبَقَ إلَّا مِنْ حينِ دَخَلَ بها.

غيرَ أنَّ نفقةَ الأبناءِ الصغارِ تبقى قائمةً في ذمَّةِ الزوج.

هذا، وحقيقٌ بالذِّكْرِ ـ أيضًا ـ أنَّ ما تُعانِيه هذه المرأةُ مع زوجها هو غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ داخِلَ هذا المجتمع؛ إذ إنَّ أَكْثَرَ الأزواجِ غافلون عن أمورِ دِينهم، ومُقَصِّرُون في أعمالهم، والناسُ يختلفون في أخلاقهم وأَمْزِجَتِهِم، والكَيِّسَةُ الفَطِنَةُ في مِثلِ هذه المَواقفِ هي مَنْ تُؤدِّي حقوقَ زوجِها الواجبةَ عليها وطاعتَه في المعروف، وعليها الاستعانةُ ـ بعد الله تعالى ـ بِمَنْ يسمع له ويُؤثِّر فيه مِنْ أقاربِه ورجالِ حَيِّهِ؛ ليُقَوِّمُوا ما فيه مِنِ اعوجاجٍ وانحرافٍ، ثمَّ لْتَعْمَلْ على تحصيلِ المودَّة والرحمة وتحقيقِ السعادة باتِّخاذ سبيلِ الفوز والنجاح، المتمثِّلِ في الاحتمال والعفو والصبر والصفح؛ هذا ما أَرْشَدَ إليه ـ سبحانه وتعالى ـ: ﴿فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓ[البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ٣٤[فُصِّلت]، وقال ـ سبحانه وتعالى ـ: ﴿وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠[الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ٤٣[الشورى]، ولعلَّ في هذه الآياتِ البيِّنات ما يرفع المعنويَّاتِ، وينبغي على هذه المرأةِ إخلاصُ صَبْرِها لله تعالى حتَّى تَنالَ الأجرَ والثوابَ كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ: ﴿وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ[الرعد: ٢٢].

فإنَّ العسر سببُ الكرب، وكُلٌّ منهما مُفْتَقِرٌ إلى الصبر، وثَمَراتُ تَحمُّلِه النَّصْرُ والفَرَجُ واليُسْرُ، قال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا»(٢)؛ كُلُّ ذلك مِنْ فضله ورحمته ـ سبحانه وتعالى ـ حيث قال ـ عزَّ وجلَّ ـ: ﴿سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا ٧[الطلاق]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا ٥ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا ٦[الشرح].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣ رمضان ١٤١٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٤ جانفي ١٩٩٧م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النفقات» باب: إذا لم يُنْفِقِ الرجلُ فللمرأة أَنْ تأخذ بغير عِلْمِه ما يكفيها وولدَها بالمعروف (٥٣٦٤)، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٤)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٢) أخرجه الخطيب في «التاريخ» (١٠/ ٢٨٧)، والديلميُّ (٤/ ١١١ ـ ١١٢)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه؛ وأخرجه أحمد في «مسنده» (٢٨٠٣)، والطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (١١٢٤٣)، والحاكم في «مستدركه» (٦٣٠٤)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٣٨٢) وتحقيقَ «المشكاة» (٥٣٠٢) كلاهما للألباني.