في ثُبوتِ صِفَةِ الوَجهِ صفةً حَقيقيَّةً للهِ تَعالَى | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 19 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 27 مايو 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٤٤

الصنف: فتاوى العقيدة ـ الأسماء والصفات

في ثُبوتِ صِفَةِ الوَجهِ صفةً حَقيقيَّةً للهِ تَعالَى

السؤال:

فسَّر بعضُهم الوجهَ في قوله تعالى: ﴿‌كُلُّ ‌شَيۡءٍ ‌هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥ[القَصص: ٨٨] بالذَّات؛ قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «والمُرادُ بالوَجهِ: الذَّاتُ؛ والعربُ تُعبِّرُ بالأشرفِ عن الجُملة»(١)، وقال في موضعٍ آخَرَ: «والمُرادُ بالوجهِ: الذَّاتُ؛ وتوجيهُهُ: أنَّهُ عَبَّرَ عن الجُملةِ بأشْهَرِ ما فيها»(٢)، فهل هذا التفسير ـ أحسنَ اللهُ إليكم ـ صحيحٌ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالوجهُ صفةٌ حقيقيَّةٌ ذاتيَّةٌ خبريَّةٌ للهِ تعالى ثابتةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ، والمرادُ بالصِّفاتِ الذَّاتيَّة هي: القائمةُ بذاتِ الله تعالى المُلازِمةُ لها؛ والمتعلِّقةُ بها أزلًا وأبدًا، لا تنفكُّ عنها بحالٍ، ولا تعلُّقَ لها بالمشيئةِ والاختيارِ؛ كالحياةِ والعلمِ والقدرةِ  واليدين ونحوِها، ولا سبيلَ إلى إثباتِها إلَّا بالسَّمعِ أو الخبرِ عن الله تعالى أو عن رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم لأنَّ العقلَ ليس له سبيلٌ إلى ذلك؛ فكما أنَّ للهِ ذاتًا لا تُشبِه الذَّوَاتِ فكذلك له وجهٌ لا يُشبِه غيرَه، وقد دلَّ الكتابُ على صفةِ الوجهِ في آياتٍ كثيرةٍ منها: قولُه تعالى: ﴿‌وَمَا ‌تُنفِقُونَ ‌إِلَّا ‌ٱبۡتِغَآءَ ‌وَجۡهِ ‌ٱللَّهِ[البقرة: ٢٧٢]، وقولُه تعالى: ﴿‌وَٱلَّذِينَ ‌صَبَرُواْ ‌ٱبۡتِغَآءَ ‌وَجۡهِ ‌رَبِّهِمۡ[الرعد: ٢٢]، وقولُه تعالى لنبيِّه: ﴿‌وَٱصۡبِرۡ ‌نَفۡسَكَ ‌مَعَ ‌ٱلَّذِينَ ‌يَدۡعُونَ ‌رَبَّهُم ‌بِٱلۡغَدَوٰةِ ‌وَٱلۡعَشِيِّ ‌يُرِيدُونَ ‌وَجۡهَهُۥ[الكهف ٢٨]، وقولُه تعالى: ﴿‌وَمَآ ‌ءَاتَيۡتُم ‌مِّن ‌زَكَوٰةٖ ‌تُرِيدُونَ ‌وَجۡهَ ‌ٱللَّهِ[الروم: ٣٩]، وقولُه تعالى: ﴿‌كُلُّ ‌شَيۡءٍ ‌هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥ[القَصص: ٨٨] على قولٍ(٣)، وقولُه تعالى: ﴿‌وَيَبۡقَىٰ ‌وَجۡهُ ‌رَبِّكَ ‌ذُو ‌ٱلۡجَلَٰلِ ‌وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧[الرحمن] على قولٍ ـ أيضًا ـ، وقولُه تعالى: ﴿‌وَمَا ‌لِأَحَدٍ ‌عِندَهُۥ ‌مِن ‌نِّعۡمَةٖ ‌تُجۡزَىٰٓ ١٩ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٠[الليل]، فقَدْ أَثبتَ اللهُ لنفسِهِ ـ في هذه الآياتِ ـ وجهًا يَليقُ بجلالِه؛ وَصَفَه بالجلالِ والإكرامِ، وحَكَمَ لِوجهِه بالبقاء، ونَفَى الهلاكَ عنه.

كما دلَّتِ السُّنَّةُ ـ أيضًا ـ على هذه الصِّفة، فمِنْ ذلك: حديثُ سعدِ بنِ أبي الوقَّاصِ رضي الله عنه: قال: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟» قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً»(٤)، وحديثُ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما في الثَّلاثةِ الَّذين حُبِسُوا في الغارِ، فقالَ كُلُّ واحدٍ مِنهم: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنّا ما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذِهِ الصَّخْرَة..»(٥)، وحديثُ أبي موسى رضي الله عنه قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ ـ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ ـ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»(٦)، وغيرُها مِنَ الأحاديث الصحيحة، وهذا الحديث الأخيرُ وما كان نحوَه ليس مُحتمِلًا للتأويلاتِ باللَّوازمِ المذكورةِ فنُثبِتُ صفةَ الوجهِ ونُثبِتُ اللوازمَ الصحيحةَ ـ أيضًا ـ دون ما ليس لازمًا.

هذا، وقد أَجمعَ السَّلفُ ومَنْ تَبِعَهم على الإيمانِ بصفةِ الوجهِ كغيرها مِنْ صفاتِ الله تعالى وإثباتِها على ما يليقُ باللهِ عزَّ وجلَّ؛ قال ابنُ خزيمةَ ـ رحمه الله ـ: «فنحنُ وجميعُ علمائِنا مِنْ أهلِ الحجازِ وَتِهامةَ وَاليمنِ، والعراقِ والشَّامِ ومِصرَ، مذهبُنا: أنَّا نُثبتُ للهِ مَا أَثبتَهُ اللهُ لنفسهِ، نُقِرُّ بذلك بألسنتِنا، وَنُصدِّقُ ذلك بقلوبِنا، مِنْ غيرِ أَنْ نُشَبِّهَ وجهَ خالِقِنا بوجهِ أحَدٍ مِنَ المَخلوقينَ، عَزَّ ربُّنا عن أَنْ يُشْبِهَ المخلوقِينَ، وجَلَّ ربُّنا عن مَقالةِ المُعطِّلينَ، وعَزَّ أَنْ يَكونَ عَدَمًا كما قالهُ المُبطِلُونَ»(٧).

غيرَ أنَّه ـ وبالرَّغمِ مِنْ ثُبوتِ هذهِ الصِّفةِ الخبريَّةِ بصريحِ القرآنِ وصحيحِ السُّنَّة، وفي بعضها ما لا يحتمل التأويلَ ـ إلَّا أنَّها أشكلَتْ على كثيرٍ مِنَ الخَلَفِ، قال ابنُ القيِّمِ ـ رحمه الله ـ: «وجهُ الرَّبِّ جلَّ جلالُه حيثُ ورَدَ في الكتاب والسُّنَّةِ فليسَ بمجازٍ بل على حقيقتِه، واختَلفَ المعطِّلونَ في جهةِ التَّجوُّزِ في هذا، فقالت طائفةٌ: لفظُ «الوجهِ» زائدٌ، والتَّقديرُ: ويبقى ربُّكَ، إلَّا ابتغاءَ ربِّه الأعلَى، ويُريدونَ ربَّهم. وقالت فرقةٌ أخرى مِنهم: الوجهُ بمعنى الذَّاتِ، وهذا قولُ أولئِكَ وإنِ اختَلفوا في التَّعبيرِ عنه، وقالت فرقةٌ: ثوابُه وجزاؤُه، فجعله هؤلاء مخلوقًا منفصِلًا، قالوا: لأنَّ الَّذي يُراد هو الثَّوابُ، وهذه أقوالٌ نعوذ بوجهِ الله العظيمِ مِنْ أَن يَجعلَنا مِنْ أهلِها»(٨).

وأمَّا تفسير الوجه بالذَّات؛ فيختلف حكمُه باختلاف المعنى المرادِ تقريرُه؛ وهو:

ـ إمَّا أَنْ يكون المرادُ بتفسير الوجه بالذَّات هو التَّعبيرَ عن صفة الوجه على أنها مِنْ صفات الذات مع إثبات حقيقة الوجه، أي: أنَّ لله وجهًا حقيقيًّا هو مِنْ ذاته، فهذا لا مانعَ مِنهُ ولا محذورَ فيهِ.

ـ وإمَّا أَنْ يكون المرادُ هو تفسيرَ الوجه بالذَّات مع نفي حقيقة الوجه، فإنَّ هذا مِنَ التأويل المذموم الذي حقيقتُه تحريفُ الكَلِم عن مواضعه، مخالفٌ لقواعد أهل السُّنَّة والجماعة، بل هو مذهبُ الجهميَّةِ والمعتزلة ومتأخِّري الأشاعرة مِنَ المعطِّلة ونُفَاةِ الصِّفات.

ولا يخفى أنَّ  إثباتَ هذه الصفةِ يَلزَمُ منه إثباتُ اللَّازمِ وهو الذَّاتُ، ولا يجوزُ أَنْ يوصفَ اللهُ تعالى أنَّه أبعاضٌ أو أعضاءٌ أو أجزاءٌ لأنَّ هذا مُمتنِعٌ، فاللهُ تعالى هو الواحِدُ الأحَدُ، فيكونُ معنَى الآيةِ: ﴿‌كُلُّ ‌شَيۡءٍ ‌هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥ[القَصص: ٨٨]، فيبَقى وجهُ اللهِ تعالى ويُنفَى الهلاكُ عنه؛ ويَلزَمُ منه بقاءُ الذَّاتِ ونَفيُ الهلاكِ عنها، لأنَّ السَّلفَ يُثبِتون اللازمَ والملزومَ، بخلافِ الخَلَفِ فيُثبِتون اللازمَ ويَنفون الملزومَ، ولهذا يقَعون في التَّعطيلِ والتَّحريفِ؛ وضِمنَ هذا المعنى قال محمَّد أمان بنُ عليٍّ الجاميُّ ـ رحمه الله ـ: «ولذا أطبَقَ السَّلَفُ وأتباعُهم على الإيمانِ بهذه الصِّفةِ كغيرها مِنْ صفاتِ الرَّبِّ تعالى وإثباتِها على ما يليقُ بالله، لا يفسِّرونَها بالذَّات، ولا يُطلِقونَ عليها شَيئًا مِنَ الألقابِ الَّتي يُردِّدُها النُّفاةُ مثل: العُضو أو الجُزءِ، وغيرِ ذلك مِنَ الأَلقابِ الَّتي يُطلِقونَها ليتذرَّعوا بها إلى نفيِها، بدعوَى أنَّ إثباتَ هذهِ الصِّفةِ يعني التَّركيبَ المُستلزِمَ للحاجةِ والافتقارِ»(٩).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢١ شوَّال ١٤٤٤هـ
الموافق ﻟ: ١١ مـايـو ٢٠٢٣م.

 



(١) «فتح الباري» لابن حجرٍ (٨/ ٥٠٥).

(٢) المصدر السابق (١٣/ ٤٠٢).

(٣) ذهب بعضُ السَّلفِ إلى أنَّ وجهَ الله في آيةِ القَصَصِ معناه: ما ابتُغي به وجهُه: أي: كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلَّا ما ابتُغي به وجهُه مِنَ الأَعمالِ الصَّالحةِ، علمًا أنَّ بقاءَ ما أُريدَ به وجهُ الله لا يعني ـ ألبتَّةَ ـ نفيَ صفةِ الوجه عن الله تعالى، وقِيلَ غيرُ ذلك، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في «تفسيره» (٦/ ٢٦١): «وقال مُجاهِدٌ وَالثَّوريُّ في قوله: ﴿‌كُلُّ ‌شَيۡءٍ ‌هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥ﴾ أَيْ: إلَّا ما أُرِيدَ به وجهُه.. هذا القولُ لا يُنافي القولَ الأوَّلَ، فإنَّ هذا إخبارٌ عن كُلِّ الأعمالِ بأنَّها باطلةٌ إلَّا ما أُرِيدَ بها وجهُ اللهِ عزَّ وجلَّ مِنَ الأعمالِ الصَّالحةِ المُطابِقةِ للشَّريعةِ. والقولُ الأوَّلُ مُقتضاهُ أنَّ كُلَّ الذَّوَاتِ فانيةٌ وهالكةٌ وزائلةٌ إلَّا ذاتَهُ تعالى، فإنَّهُ الأوَّلُ الآخِرُ الَّذي هو قبلَ كُلِّ شيءٍ وبعد كُلِّ شيءٍ» [بتصرُّف]. انظر: «شُعَب الإيمان» للبيهقي (٩/ ١٩١)، «فتح الباري» لابن حجر (٨/ ٥٠٥)].

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ (٥٦، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣)، ومسلمٌ في «الوصيَّة» (١٦٢٨)، مِنْ حديثِ سعد بنِ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه.

(٥) أخرجه البخاريُّ في «الإجارة» بابُ مَنِ استأجر أجيرًا فترَكَ الأجيرُ أجرَه فعَمِل فيه المستأجرُ فزاد، أو مَنْ عَمِل في مالِ غيره فاستفضل (٢٢٧٢)، ومسلمٌ في «الرِّقاق» (٢٧٤٣)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٦) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١٧٩) مِنْ حديثِ أبي موسى عبدِ الله بنِ قيسٍ الأشعريِّ رضي الله عنه.

(٧) «التوحيد» لابن خزيمة (١/ ٢٦).

(٨) «مختصر الصواعق المُرسَلة» للموصلي (٤٠٧).

(٩) «الصفات الإلهيَّة» للجامي (٣٠٢ ـ ٣٠٣).