في حكم الطلاق في الحيض | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 19 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 20 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ١٣٥

الصنف: فتاوى الأسرة - انتهاء عقد الزواج - الطلاق

في حكم الطلاق في الحيض

السؤال:

امرأةٌ طلَّقها زوجُها سنة: (١٩٩٢م) في فترة حيضها في رمضان: تلفَّظَ بلفظ الطلاق وتمَّ الطلاقُ مدنيًّا سنة: (١٩٩٣م)، وكانَتْ قد اعتدَّتْ في بيت أبيها، فهي تسألُ ـ الآنَ بعد أَنْ تمَّ الطلاقُ مدنيًّا وعَلِمَتْ أنَّ الطلاق الذي وَقَعَ في فترة الحيض لا يَقَعُ صحيحًا ـ: ما العمل؟ هل يتمُّ بالطلاق المدنيِّ أم هي لا تَزالُ زوجةً له بعد مُضِيِّ ثلاث سنواتٍ؟ أفيدونا أثابكم الله.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ مَنْ طلَّقَ زوجتَه ـ وهي حائضٌ ـ أو طلَّقها بعد طهرٍ جامَعَها فيه، أو طلَّقَها ثلاثًا في طهرٍ؛ فهو طلاقٌ بدعيٌّ محرَّمٌ يأثم فاعِلُه؛ لأنه مُعْتَدٍ فيه حدودَ ربِّه، عاصٍ ظالمٌ لنفسه، وهو قولُ عامَّةِ أهل العلم، غير أنهم يختلفون في وقوع طلاق الحائض: فذَهَبَ الجماهيرُ مِنَ السلف والخلف(١) إلى وقوعه فيُحْسَبُ الطلاقُ عندهم، وهو مذهبُ الأئمَّةِ الأربعة(٢)، وهو الأقوى دليلًا والأصحُّ نظرًا، ويكفي في ذلك ـ نصًّا في موضع الخلاف ـ ما رواهُ نافعٌ عن ابنِ عمر رضي الله عنهما: «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ـ وَهِيَ حَائِضٌ ـ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً»(٣)، وبهذا أفتى ابنُ عمر رضي الله عنهما؛ فقَدْ روى نافعٌ قال: «فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ـ وَهِيَ حَائِضٌ ـ يَقُولُ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ وَبَانَتْ مِنْكَ»(٤).

وعليه لا يَرِدُ إشكالٌ في انفصام العصمة الزوجية بانتهاء العِدَّة المقرَّرة ـ شرعًا ـ بثلاثة قروءٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖ[البقرة: ٢٢٨]، ويُسْتَحَبُّ له أَنْ يُراجِعَها لأمرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بمُراجَعتِها على الصحيح مِنْ قولَيِ العلماء، والأصلُ أنَّ المُعتدَّةَ مِنْ طلاقٍ رجعيٍّ تعتدُّ في مسكن الزوجية الذي كانَتْ تسكنه قبل مُفارَقةِ زوجها وجوبًا على وجه التعبُّد؛ فلا يجوز لها أَنْ تعتدَّ في بيت أبيها إلَّا مِنْ عذرٍ شرعيٍّ، ويتعدَّى ـ أيضًا ـ هذا الواجبُ إلى زوجها؛ فلا يجوز له أَنْ يُخْرِجها مِنْ بيتها حتَّى تنقضيَ عِدَّتُها؛ لأنه واجبٌ تعبُّديٌّ لا يسقط بالتراضي أو بغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ[الطلاق: ١]، وتُحْسَبُ مدَّةُ العِدَّةِ ولو في غير بيت الزوجية، والإثمُ على مَنْ خالَفَ حدودَ الله.

هذا، وعلى تقديرِ عدمِ وقوع الطلاق فلا اعتدادَ عليها؛ لأنَّ العِدَّةَ إنما تكون مِنْ طلاقٍ ولم يَقَعْ، ولكنَّ الطلاق القضائيَّ ـ في ظاهِرِه ـ وَقَعَ صحيحًا، وثلاثُ سنواتٍ متضمِّنةٌ لزومًا لمدَّة العِدَّة، وهي أجنبيةٌ عنه تأكيدًا، ولا تحتاج إلى إعادتها، وله أَنْ يتزوَّجَها مِنْ جديدٍ بعقدٍ ومهرٍ، وترجع إليه مع احتساب الطلقة الأولى.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٧ صفر ١٤١٧
الموافق ﻟ: ٠٢ جويلية ١٩٩٦م

 



(١) انظر: «الكافي» لابن عبد البرِّ (٢٦٣)، «بدائع الصنائع» للكاساني (٣/ ١٤١)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ٩٩)، «القوانين الفقهية» لابن جُزَيٍّ (٢١٩)، «الإنصاف» للمرداوي (٨/ ٤٤٨)، «مغني المحتاج» للشربيني (٣/ ٣٠٧).

(٢) وخالَفَ في ذلك بعضُ السلف القائلين بعدم وقوع الطلاق في الحيض ولا يُحْسَبُ، وبه قال أهلُ الظاهر، وهو مذهبُ ابنِ تيمية وابنِ القيِّم وغيرهم، [انظر: «المحلَّى» لابن حزم (١٠/ ١٦١)، «المغني» لابن قدامة (٧/ ١٠٠)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٣/ ٦٦)، «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٢١٨)].

(٣) أخرجه أبو داود الطيالسيُّ (١/ ٦٨)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٤٩٢٨)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. قال الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٧/ ١٢٦): «وإسنادُه صحيحٌ على شرط الشيخين»، وفي مسلمٍ في «الطلاق» (١٤٧١) مِنْ طريقِ سالم بنِ عبد الله: «وَكَانَ عَبْدُ اللهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا».

(٤) أخرجه مسلمٌ في «الطلاق» (١٤٧١) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.