في حكم تزويج المُعاق | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 16 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 24 مايو 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٧٢

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ إنشاء عقد الزواج

في حكم تزويج المُعاق

السؤال:

أصمُّ وصمَّاءُ يريدان الزَّواجَ، غيرَ أنَّ أولياءَهما يحولان دون ذلك خشيةَ أَنْ تصابَ ذُرِّيتُهما بالصَّمَمِ، فما حكمُ ذلك؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فيُفرَّقُ في المُعاقِين بين مَنْ يكون معه عقلُه، ومَنْ يكون غائبَ العقل كُلِّيًّا أو جُزئيًّا، ويظهرُ ذلك على التَّفصيلِ الآتي:

· أوَّلًا: مُعاقٌ مع بقاء العقل:

يمكنُ ـ بالجملة ـ ضبطُ عموم الإعاقاتِ الَّتي في هذا المعنى بهذا الضَّابطِ وهو: أنَّ كُلَّ إعاقةٍ عضويَّةٍ يكون العقلُ فيها سالِمًا غيرَ زائلٍ؛ فإنَّ حُكمَ المُعاقِ الَّذي معه عقلُه في الزَّواجِ هو حكمُ الصَّحيح؛ غير أنَّه لا يجوز إخفاءُ إعاقةِ المُعاقِ ـ رجلًا كان أو امرأةً ـ عن شريكه في الزَّواج؛ لأنَّه مِنَ العيوبِ الَّتي يجب بيانُها في النِّكاح، فيجب أَنْ يعلَم به شريكُه قبل العقدِ؛ درءًا للغِشِّ والخِيانةِ، ودفعًا للتَّدليس والغرر، وإلَّا كان لشريكه الخيارُ في أَنْ يَرُدَّ النِّكاحَ ويفسخَ العقدَ لقول عُمَرَ رضي الله عنه: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ غُرَّ بِهَا رَجُلٌ ‌بِهَا ‌جُنُونٌ ‌أَوْ ‌جُذَامٌ ‌أَوْ ‌بَرَصٌ فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، وَصَدَاقُ الرَّجُلِ عَلَى وَلِيِّهَا الَّذِي غَرَّهُ»(١).

ومثال هذه الإعاقَة: فُقدانُ بعضِ الحواسِّ كالعَمَى، والصَّمَمِ، والبَكَمِ، أو إصابةٌ بشللٍ في اليدِ أو عرجٍ في الرِّجل ونحو ذلك، فإنَّ هذه الإعاقاتِ لا تمنعُ صاحِبَها مِنَ الزَّواج، ولا يَلزَمُ مِنْ ذلك أَنْ تكون مع ذُرِّيَّتِهم تلك الإعاقاتُ نفسُها أو غيرُها؛ لأنَّها ليست مِنْ قبيل الأمراض المُعدِيَةِ أو الوراثيَّة كبعضِ حالاتِ ضعفِ البصر والَّتي لا تُعَدُّ مِنْ جملة الإعاقات.

ويدلُّ على هذا ما كان في المُجتمَعِ النَّبويِّ مِنَ الأصمِّ والأعرجِ والمُقعَدِ والكفيفِ وغيرهم مِنْ صحابةِ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ولم يمنعهُم ذلك مِنَ الزَّواجِ وإنجابِ الذُّرِّيَّة الصَّالحة(٢).

· ثانيًا: مُعاقٌ زائلُ العقلِ:

فالمُعاقُ إعاقةً مُزيلةً للعقلِ وهو ما يُعبَّر عنه بالمُختَلِّ عقليًّا أو بالمُتخلِّفِ ذِهنيًّا، فحكمُه حكمُ المَجنونِ: يجوزُ له الزَّواجُ، غيرَ أنَّه يُشترَطُ في زواجِه جُملةٌ مِنَ الشُّروط، وهي تتمثَّلُ في النِّقاطِ الآتية:

ـ الشَّرطُ السَّابق وهو أَنْ يكون شريكُه في الزَّواج على عِلمٍ تامٍّ بأحوالِ المُعاقِ ذِهنيًّا ودِرايةٍ بوضعيَّتِهِ الصِّحِّيَّةِ والعقليَّة لأنَّ لهم الخيارَ في القبول أو الرَّفض، تفاديًا لكُلِّ طارئٍ قد يلحَقهم مِنْ: غررٍ أو ضررٍ أو مفسدةٍ ـ كما سَبَق بيانُه ـ.

ـ أَنْ يأمَنَ الشَّريكُ في الزوجيَّةِ مِنْ بَطْشِ المُعاقِ المُتخلِّفِ ذِهنيًّا، ويحصلَ له الثِّقةُ والاطمئنانُ بعدمِ إذايتِه، إذ المَعلومُ أنَّ مَنْ يتَّصفُ بالعُنف والشِّدَّة والاعتداءِ بمختلفِ وسائلِه لا تَصلحُ معه إقامةُ حياةٍ زوجيَّةٍ مطمئنَّةٍ بعيدةٍ عن الخوفِ والاضطراب ولو كان معه عقلُه؛ لذلك يُمنَعُ مِنَ الزَّواج ـ والحالُ هذه ـ بسبب ترتُّبِ الأذى والضَّرر، ولا يخفى تقعيدًا أنَّ «التَّحْرِيمَ يَتْبَعُ الخُبْثَ وَالضَّرَرَ» وأنَّ «الضَّررَ مدفوعٌ ومرفوعٌ» لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(٣).

ـ أَنْ يكون أحدُ الطَّرَفين سليمَ العقلِ، أي: أَنْ يتزوَّجَ متخلِّفُ العقلِ أو زائلُهُ امرأةً سليمةَ العقلِ، وبالعكس، ولا يجوزُ أَنْ يكون كِلَا الطَّرَفَيْن مجنونًا ولا مختلَّ العقل، لانتفاءِ تحقيقِ المَصلحةِ المَرجوَّةِ مِنَ الزَّواج، بل إنَّ في اجتماعِهما في محلٍّ واحدٍ سببًا لحصولِ الأَذى بينهما، ووقوعِ الضَّرر لهما ولذُرِّيَّتِهما إِنْ قُدِّر بينهما ولدٌ، والضَّررُ منفيٌّ بالنَّصِّ المُتقدِّمِ.

هذا، وعلى أولياءِ المُعاقينَ في حواسِّهم أو في بعضِ حركاتِهم أَنْ يعلَموا أنَّ في زواجِ المُعاقِ زيادةً في العنايةِ به والاهتمامِ بشُؤونِه، والشُّعورِ بأنَّ إعاقَتَهُ لا تُصيِّره يختلِفُ عن غيره مِنَ الأصحَّاءِ، بل هو والصَّحيحُ سيَّانِ لا فَرْقَ بينهما، وخاصَّةً أنَّ مقاصدَ الزَّواجِ ليست محصورةً في الاستمتاعِ فحَسْب، بل تكمنُ ـ أيضًا ـ في تحقيقِ مقاصدَ أخرى نبيلةٍ مِنْ: تحقيقِ سكونِ النَّفسِ بين الزَّوجين، والمَودَّةِ والرَّحمة، والرِّعايةِ والتَّكافُل، وإنجابِ الولدِ الصَّالحِ وغيرها، وهذه المَقاصدُ هي الغاياتُ مِنَ الزَّواجِ الَّتي ترمي إليها شريعةُ الإسلامِ، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةً[الرُّوم: ٢١].

فالحاصل: أنَّه يجوز للصُّمِّ أو البُكم أو العُميِ أو الشُّلِّ أو العُرْجِ أو البُتْرِ أَنْ يتزوَّجَ بعضُهم ببعضٍ إذا لم يكن كلاهما زائلَ العقلِ، وبالأَوْلى إذا كان كلاهما معه عقلُه، لِمَا في زواجهم: مِنْ إحسانٍ إليهم، وجبرٍ لخاطرِهم، وتحقيقٍ للمقاصدِ الشَّرعيَّة السَّالفةِ البيانِ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١١ شعبان ١٤٤٥هـ
المُوافـق ﻟ: ٢١ فبراير ٢٠٢٤م



(١) أخرجه الدَّارقطنيُّ في «سُنَنِه» (٣٦٧٢). وصحَّحه زكريَّا بنُ غلام قادر الباكستانيُّ في «ما صحَّ مِنْ آثار الصَّحابة في الفقه» (٣/ ١٠١٠).

وانظر الفتويَيْن: رقم: (1114) الموسومة ﺑ: «في حكمِ اشتراط تحليل الدم قبل الزواج» ورقم: (668) الموسومة ﺑ «في حُكم طلاقِ امرأةٍ بسببِ عيوبٍ قابلةٍ للعلاج» على الموقع الرسميِّ.

(٢) ومِنْ أمثلةِ ذلك: أنَّ يدَ طلحةَ بنِ عُبَيْدِ الله التَّيميِّ رضي الله عنه قد شُلَّتْ في أحُدٍ، ولم يمنعه ذلك مِنَ الزَّواج بعد تلك الإصابة، فكان ممَّنْ تَزوَّجها بعد أُحُدٍ: أمُّ كلثوم بنتُ أبي بكرٍ الصِّدِّيق الَّتي وُلِدَتْ بعد وفاةِ أبي بكرٍ رضي الله عنه؛ وما أكثرَ أعلامَ العلماءِ وغيرِهم ممَّنْ كان ضريرًا وتزوَّج ولم يكن أولادُه عُميًا.

(٣) أخرجه ابنُ ماجه في «الأحكام» بابُ مَنْ بَنَى في حقِّه ما يضرُّ بجاره (٢٣٤٠) مِنْ حديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامت رضي الله عنه، و(٢٣٤١) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٣/ ٤٠٨) رقم: (٨٩٦).