في حكم البقاء في الأرض الحجازية أكثر من المدة المعينة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 11 ربيع الأول 1442 هـ الموافق لـ 28 أكتوبر 2020 م



الفتوى رقم: ١٤٠

الصنف: فتاوى الحج - أحكام الحج

في حكم البقاء في الأرض الحجازية
 أكثر من المدة المعينة

السؤال:

بعض النَّاس يبقى لأداء مناسك الحجِّ بعد شهر رمضان من غير ترخيص من الجهات المعنيَّة في الأراضي الحجازيَّة، فما حكم هذا الفعل؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فلا يخفى ما يترتَّب على بقاءِ كُلِّ معتمرٍ قادمٍ مِنْ كُلِّ بلدٍ في الأراضي الحجازيَّة مِنْ إخلالٍ بالتنظيم العامِّ، وما يجرُّه مِنْ مَفاسِدَ كظاهرة التسوُّل والسرقة وغيرهما؛ لذلك كانت تأشيرة الحجِّ أو العمرة مقرونةً بمدَّةٍ محدَّدةٍ لا يتجاوزها إلَّا بترخيصٍ آخَرَ؛ تنظيمًا لفئة المعتمرين لتحسين وضعيَّتهم ضِمنَ الوضع العامِّ؛ الأمرُ الذي يجعل هذا التصرُّفَ مُلْزِمًا للمعتمرين، ويجب عليهم تنفيذُه والوفاء به لعلَّتين:

الأولى: أنَّ تصرُّف الإمام الحاكم أو نُوَّابِه بتوقيت المدَّة وتحديد العدد مبنيٌّ على مصلحة الجماعة وخيرها، فكانت تصرُّفاتُه واجبةَ التنفيذ ومُلْزِمةً لمَنْ تحت رعايته بناءً على قاعدةِ: «التَّصَرُّفُ فِي الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالمَصْلَحَةِ»(١)، وأصلُ هذه القاعدة قولُ الشافعيِّ رحمه الله: «منزلة الإمام في الرعيَّة منزلةُ الوليِّ مِنَ اليتيم»(٢)، وهذا الأصل مأخوذٌ مِنْ قول عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه: «إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ اللهِ بِمَنْزِلَةِ وَالِي اليَتِيمِ؛ إِنِ احْتَجْتُ أَخَذْتُ مِنْهُ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ رَدَدْتُهُ، فَإِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ»، ويشهد لذلك قولُه صلى الله عليه وسلم: «الإِمَامُ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(٣).

الثانية: أنَّ إعطاء تأشيرةٍ للمعنيِّ بالأمر مشروطةٌ بعهدٍ هو بقاؤه لتلك المدَّة المحدَّدة، والعهدُ يجب الوفاءُ به لقوله تعالى: ﴿وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡ‍ُٔولٗا ٣٤[الإسراء: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ[البقرة: ١٧٧].

وبناءً عليه، فإنه ينبغي على المعنيِّ بالأمر أَنْ يسعى لتحصيل تأشيرة الحجِّ ابتداءً قبل طلبه لتأشيرة العمرة حتَّى يَسَعَه تأدِيَةُ المناسك الواجبة عليه على الوجه المطلوب، فإِنْ تعسَّر أخذُ تأشيرةٍ إلَّا لعمرةٍ راعى شَرْطَها، غيرَ أنه إِنْ بقي إلى وقت الحجِّ وخالف مِنْ غير ترخيصٍ فحجُّه صحيحٌ ولا تقدح في صحَّته هذه المخالفةُ، وبخاصَّةٍ إِنْ كان ذلك ـ في حقِّه ـ حجَّةَ الإسلام.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ١٥ذي القعدة ١٤٢٥ﻫ

الموافق ﻟ: ٢٧ ديسمبر ٢٠٠٤م

 



(١) انظر هذه القاعدةَ في: «المنثور» للزَّركشي (١/ ١٨٣)، «الأشباه والنَّظائر» للسُّيوطي (١٣٤)، «مجموع الحقائق» للخادمي (٣١٦)، «الوجيز» للبورنو (٢٩٢).

(٢) انظر: «المنثور» للزَّركشي (١/ ١٨٣).

(٣) جزءٌ مِنْ حديثٍ مُتَّفَقٍ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاستقراض» باب: العبدُ راعٍ في مال سيِّده، ولا يعمل إلَّا بإذنه (٢٤٠٩)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٢٩)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.