في حكم الصلاة وراء من يمارس أعمال السحر والكهانة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 19 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 16 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٦٨

الصنف: فتاوى الصلاة - صلاة الجماعة

في حكم الصلاة وراء من يمارس أعمال السحر والكهانة

السـؤال:

إمام مسجدنا يقوم بأعمال شركية: (كاهن، عرَّاف، يكتب الطلاسم)، وقد سألناك شيخنا عن حكم الصلاة خلفه فأجبتنا بعدم الجواز.

ونحيطك علمًا أنَّه في بلدتنا يوجد مسجد واحد، وإذا لم نصلِّ الجماعة فيه يترتَّب على ذلك فتنة، حيث إنَّ العامَّة سيظنون أنَّنا نكفِّر الإمام دون سبب لجهلهم بالعقيدة الصحيحة، فهم يجهلون أنَّ الذي يقوم بكتابة الطلاسم والاستغاثة بالجنِّ يفقده أصل الإيمان، وبالتالي يجهلون حكم الصلاة وراءه، ولقد سألناك من قبل على هذا الأمر فأجبتنا بالصلاة وراءه ثمَّ إعادتها.

ولقد امتثلنا لهذا الأمر لمدة ثمَّ تهاون بعضنا، ونظر آخرون نظرة أخرى، وهي أنَّنا يجب أن لا نصلي وراءه لنهجره هجرًا تامًّا ليتَّضح أمره للناس، وبسبب هذا كلِّه ترتَّب ما يلي:

- عدم التقاء الإخوة، وبالتالي انتفاء مجالس العلم.

- عدم التناصح بين الإخوة.

- التهاون عن أوقات الصلاة.

- نظرة العوام للإخوة أصبحت نظرة سلبية، حيث قالوا: إنَّ الإخوة متهاونون في صلاة الجماعة، ووصل الأمر ببعضهم إلى رمي الإخوة بالنفاق.

- التأثير سلبيًّا في الدعوة إلى الله. (فقد العوام الثقة في الإخوة).

- تأثَّر بعض الإخوة سلبيًّا بحيث أصبحوا يتهاونون عن أوقات الصلاة، وبعض الواجبات مثل إعفاء اللحية، وفي بعض الليالي (حتى في رمضان) تجدهم في قاعة الإنترنت ومع الألعاب وغير ذلك.

شيخنا إذا كانت نفس الفتوى أي الصلاة معه ثمَّ إعادتها، فتترتَّب عليها كذلك بعض الأسئلة منها:

- إذا دخل أحدنا المسجد والإمام يُصلِّي، فهل يصلي تحيَّة المسجد حيث إنَّها واجبة في حقِّه، أم يدخل مباشرة مع الإمام ؟

- إذا صَلَّينا وراء هذا الإمام هل نصلِّيها صلاة عادية بالتكبير وقراءة الفاتحة… أم مجرَّد حركات دون ذكر ؟

- هل نردِّد الأذان وراء الإمام أم لا ؟

- هل الأفضل صلاة الفريضة أَوَّلاً في المسجد منفردًا ثمَّ الصلاة وراء هذا الإمام، أم العكس ؟ مع العلم أنَّ هذا الإمام يتغيَّب في بعض الأحيان.

وبارك الله فيك ونفعنا بعلمك.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فاعلم أنَّ السحر والكهانة والعرافة من جهة ما فيها من دعوى علم الغيب ومشاركة الله في علمه وسلوك الطرق المفضية إليه، فإنَّ ذلك كُلَّه من شعب الشرك والكفر، فهي شركيات من عمل الشيطان يفعله في الإنسان بنفثه ونفخه وهمزه ووسوسته، وما عليه أكثر أهل العلم أنَّ الساحر كافر وهو المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم(١)، وقد جاء التصريح في كتاب الله بأنَّ السحر كفر، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فكفر الشياطين الذي صرَّحت به الآية منوطٌ بتعليم الناسِ السِّحر؛ ذلك لأنَّ ترتيب الحكم على الوصف ينبِّه على عِلِّيَّتِه ويومئ إليها، وبيَّنت الآية أنَّ:  ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: حظ ولا نصيب، ومثل هذا لا يكون مفلحًا كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]؛ لأنَّ الفلاح لا ينفى بالكلية نفيًّا شاملاً لأنواع الفلاح ولا لسائر الأمكنة إلاَّ عمَّن انتفت الخيرية عنه وهو الكافر، وفي الحديث: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»(٢)، وفي قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، أَوْ سَاحِرًا أَوْ كَاهِنًا فَسَأَلَهُ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ»(٣)، وفي الحديث -أيضًا-: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ»(٤)، ومعلومٌ أنَّ الصحابة رضي الله عنهم أمروا بقتل أولئك السحرة، ولا يتقرَّر هذا الأصل إلاَّ إذا كان الساحر كافرًا مُرتدًّا إذ إنَّ دماء المسلمين محرَّمةٌ إلاَّ ما استثناه الشرع لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ والثَّيِّبُ الزَّانِي وَالمارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الجَمَاعَةِ»(٥)، فإذا لم يكن زانيًا محصنًا، ولا قاتلَ نفسٍ فلم يبق إلاَّ أن يتعيَّن بالكفر والارتداد.

هذا، وإن ثبت على هذا الإمام الأعمال الشركية التي يصر عليها؛ فإنَّ الصلاة خلفه لا تصح ُّ لنفسه ولا لغيره إذا ما أقامها العالـم بحاله، ولا تؤكل ذبيحته، وتصحُّ صلاة من لا يعلم حالَ الإمام حملاً على صلاح الظاهر والعدالة حتى يثبت العكس، والواجب أن ينصح إلى الخير ويرشد إلى الحقِّ، فإن تاب وقطع الأعمال الشيطانية التي يمارسها فالحمد لله، وإلاَّ فليسع جماعة المسجد إلى تغييره لدى نظارة الشؤون الدينية، فإن ثبَّتوه على ما هو عليه، فليصلوا في مسجدٍ إمامه سُنِّيٌّ إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فإن تعذَّر عليهم إقامة صلاة الجماعة إلاَّ في ذلك المسجد فما عليهم إلاَّ التأسي بقول إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨]، ويكون لهم عذرٌ خاصٌّ، وقد ذكر السيوطي رحمه الله في «الأشباه والنظائر» الأعذار المرخِّصة في ترك الجماعة على نحو أربعين عذرًا(٦)، وممّا ذكره ابن القيم رحمه الله قال: «هجران المسلمين عُذرٌ يبيح له التخلُّف عن الجماعة»(٧)، [أي إذا كان هجرانهم له بحقٍّ]، «لأنَّ هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع قعدا في بيوتهما، وكانا يصليان في بيوتهما ولا يحضران الجماعة»(٨).

هذا، والانقطاع عن الجماعة بهذا العذر أو بغيره من الأعذار المبيحة للتخلُّف عن الجماعة لا يترتَّب عليه إثمٌ، بل يسقط الإثم مع حصول فضيلة الجماعة وثوابها لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ»(٩)، وقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»(١٠).

أمَّا ما نقلتم عَنِّي بدوام الصلاة وراءه ثُمَّ إعادتها بعد ذلك محافظةً على الجماعة، فإنَّ المعلوم عندي وجوب إعادتها لمن صَلَّى خلفه وهو يعلم بحاله، لا دوام الصلاة معه ثمَّ إعادتها، إذ ليس من المشروع الأمر بالصلاة مع العلم بفسادها كالصلاة بغير طهارة.

هذا، وأخيرًا فإنَّه لا يسعني إلاَّ أن أنصح بما نصح به لقمان ابنه وهو يعظه في قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان : ١٧].

والعلم عند الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على محمَّد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

 

الجزائر في: ٢٨ شوال ١٤٢٥ﻫ
الموافق ﻟ: ١١ ديسمبر ٢٠٠٤م


(١) انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٤٧) وما بعدها.

(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٣٨١)، وأبو داود في «الطب» باب في تعليق التمائم (٣٨٨٣)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. والحديث حَسَّنه أحمد شاكر في  تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٥/ ٢١٩)، وصحَّحه الألباني في: «السلسلة الصحيحة» (١/ ٢/ ٦٤٨).

(٣) أخرجه أبو يعلى في« مسنده» (٩/ ٢٨٠) عن ابن مسعود رضي الله عنه. وجوّد إسناده الحافظ في «الفتح» (١٠/ ٢٢٨)، وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (رقم ٣٠٤٨): «صحيح موقوف».

(٤) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٨/ ١٦٢)، والبزار في «مسنده» (٩/ ٥٢)، من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه. والحديث جوّد إسناده المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٨٨)، وحسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦/ ٣١١).

(٥) أخرجه البخاري في «الديات» (٣/ ٤١٥) باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ.. ﴾، ومسلم في «القسامة والمحاربين والقصاص» (٢/ ٧٩٨) رقم (١٦٧٦)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(٦) «الأشباه والنظائر» للسيوطي (٤٣٩-٤٤٠).

(٧) «زاد المعاد» لابن القيم (٣/ ٥٨٠).

(٨) المصدر السابق.

(٩) أخرجه أحمد في «مسنده» (٥/ ٣٦٣)، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١/ ٦١).

(١٠) أخرجه البخاري في «الجهاد والسير» (٢/ ٨٥) باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.