في معنى حديث « فراشٌ للرجل وفراشٌ لامرأته...» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 21 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 20 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٨٥

الصنف: فتاوى الحديث وعلومه

في معنى حديث: «فراشٌ للرجل وفراشٌ لامرأته...»

السؤال:

ما هو تفسير الحديث الآتي: «فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ»(١). وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالحديث يدلُّ على ما يجوز التوسُّعُ فيه مِنَ الفُرُشِ، وتركِ الإكثار مِنَ الوسائل والأشياءِ المُباحةِ والترفُّه بها، أي: أنَّ المقصود الاقتصارُ على قَدْرِ الحاجة؛ لأنَّ الزائد على قَدْرِ الحاجة سَرَفٌ، وذلك مَدْعاةٌ إلى حبِّ الدنيا وزخارفها؛ الأمرُ الذي يُفْضي إلى المباهاة والاختيال والكِبْر، ولا شكَّ أنَّ ذلك مذمومٌ شرعًا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ[الأنعام: ١٤١؛ الأعراف: ٣١]، وقال تعالى في وصفِ عباد الرحمن: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧[الفرقان]، والمعلومُ ـ استقراءً ـ أنَّ كُلَّ مذمومٍ يُضافُ إلى الشيطان لأنه يرتضيهِ ويحثُّ عليه(٢)، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦ إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧[الإسراء]، ولأنَّ الشيطان ـ لَعَنَه الله ـ لا يدعو إلَّا إلى خصلةٍ ذميمةٍ: إمَّا البخل والإمساك، فإِنْ عَصَاهُ دَعَاهُ إلى الإسراف والتبذير، هذا مِنْ جهةٍ.

والحديث لا يدلُّ ـ مِنْ جهةٍ ثانيةٍ ـ على أفضليةِ أَنْ يكون للرجل فراشٌ يختصُّ به ولامرأته فراشٌ مثلُه، غايةُ ما في الأمرِ أنه يدلُّ على جوازِ اتِّخاذِ كُلٍّ منهما فراشًا خاصًّا عند الحاجة؛ فقَدْ كان للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فراشٌ واحدٌ في بيت عائشة رضي الله عنها ينامان عليه ليلًا ويجلسان عليه نهارًا؛ ففي حديثِ عائشة رضي الله عنها قالت: «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا..»(٣) الحديث، قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا تعديدُ الفراش للزوج والزوجة فلا بأسَ به؛ لأنه قد يحتاج كُلُّ واحدٍ منهما إلى فراشٍ عند المرض ونحوِه وغيرِ ذلك، واستدلَّ بعضُهم بهذا [أي: حديث الفراش] على أنه لا يَلْزَمُه النومُ مع امرأته، وأنَّ له الانفرادَ عنها بفراشٍ، والاستدلالُ به في هذا ضعيفٌ؛ لأنَّ المرادَ بهذا وقتُ الحاجة كالمرض وغيره كما ذكَرْنا، وإِنْ كان النومُ مع الزوجة ليس واجبًا لكنَّه بدليلٍ آخَرَ، والصوابُ في النوم مع الزوجة أنه إذا لم يكن لواحدٍ منهما عذرٌ في الانفراد فاجتماعُهما في فراشٍ واحدٍ أفضلُ، وهو ظاهرُ فعلِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي واظَبَ عليه مع مواظَبته صلَّى الله عليه وسلَّم على قيام الليل، فينامُ معها، فإذا أراد القيامَ لوظيفته قام وتَرَكها، فيجمع بين وظيفته وقضاءِ حقِّها المندوب وعشرتِها بالمعروف، لا سيَّما إِنْ عَرَف مِنْ حالها حِرْصَها على هذا، ثمَّ إنه لا يَلْزَمُ مِنَ النوم معها الجماعُ»(٤).

وفي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ» دليلٌ على أنَّ الشيطان يَبيتُ، ويؤكِّدُ خصوصَ المَبيتِ ما صحَّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ»(٥)، غير أنَّ الشيطان لا يَقيلُ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «قِيلُوا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَقِيلُ»(٦).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٨ صفر ١٤٢٦
الموافق ﻟ: ٢٧ مارس ٢٠٠٥م

 



(١) أخرجه مسلمٌ في «اللباس والزينة» (٢٠٨٤) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٢) انظر: «فيض القدير» للمناوي (٤/ ٤٢٤)، «شرح مسلم» للنووي (١٤/ ٥٩).

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» باب الصلاة على الفراش (٣٨٢)، وباب التطوُّع خلف المرأة (٥١٣)، ومسلمٌ في «الصلاة» (٥١٢)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٤) «شرح مسلم» للنووي (١٤/ ٥٩ ـ ٦٠)، وانظر الفتوى رقم: (١١٧١) الموسومة ﺑ: «في أفضلية وحدة الفراش بين الزوجين».

(٥) أخرجه مسلمٌ في «الأشربة» (٢٠١٨) مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه.

(٦) أخرجه الطبرانيُّ في «الأوسط» (٢٨) مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٤٤٣١) و«السلسلة الصحيحة» (١٦٤٧).