في حكم السترة والانحراف عن القِبْلة قَصْدَ تحقيقها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 23 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 24 أغسطس 2019 م

الفتوى رقم: ١٩٣

الصنف: فتاوى الصلاة - صفة الصلاة

في حكم السترة والانحراف عن القِبْلة قَصْدَ تحقيقها

السؤال:

بعضُ المصلِّين ينحرفون عن القِبْلة يمينًا أو يسارًا تُجاهَ الجدار بحجَّة السترة، فما حكمُ السترةِ والانحرافِ عن القِبْلة لتحصيلها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالسترة واجبةٌ على الإمام والمنفرد على الصحيح مِنْ قولَيِ العلماء، وهو مذهبُ الشوكانيِّ(١) وظاهرُ كلامِ ابنِ حزمٍ(٢)؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُصَلِّ إِلَّا إِلَى سُتْرَةٍ، وَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَإِنْ أَبَى فَلْتُقَاتِلْهُ؛ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ»(٣)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا، [لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ]»(٤)؛ فلا يجوز للمصلِّي الذي اتَّخذ سترةً تُجاهَ قِبْلتِه أَنْ يتحوَّل عن القبلة بتحوُّلِ سترته؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ [البقرة: ١٤٤، ١٥٠]، والمرادُ بالشَّطر ـ لمَنْ لم يُشاهِدِ الكعبةَ ـ هو: جهةُ القِبْلة على القول الصحيح؛ دفعًا للمَشَقَّة والحرجِ في إدراك عينِ القِبْلة لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، وإنَّما يُنْدَبُ أَنْ يَخْطُوَ خطوةً أو خطوتين إلى القِبْلة الْتماسًا للسترة إِنْ وُجِدَتْ ولا يجب عليه، فإِنْ كانَتِ المسافة بعيدةً فلا يجوز له أَنْ يخطوَ الخطواتِ الكثيرةَ؛ لأنَّ المشي يُنافي الخشوعَ والطمأنينةَ في الصلاة وهو ركنٌ في الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢ [المؤمنون]، ولا يخفى أنَّ المراد بالخشوع ـ ههنا ـ خشوعان: خشوعُ القلبِ وخشوعُ الجوارح، والمشيُ يُنافي خشوعَ الجوارح، وعليه أَنْ لا يزيد عمَّا فَعَله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عندما كَانَ «يُصَلِّي، إِذْ جَاءَتْ شَاةٌ تَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَاعَاهَا [إِلَى القِبْلَةِ] حَتَّى أَلْزَقَ بَطْنَهُ بِالْحَائِطِ»(٥)، ومرَّتْ مِنْ ورائه(٦)، وكان بينه وبين الجدار الذي قِبَلَ وجهِه قريبٌ مِنْ ثلاثة أَذْرُعٍ(٧)، ومعنى ذلك أنَّ سعيَه كان للحاجة في حدودِ ثلاثٍ إلى أربعِ خطواتٍ ذهابًا وإيابًا، حالَ تقدُّمِه إلى السترة وتَقهقُرِه عنها.

وتقريرُ حكمِ الندب وعدمِ الوجوب مع أنَّ الحديثَ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا»(٨) يُفيدُ الوجوبَ، ولكِنْ يُحْمَلُ هذا الوجوبُ على مَنْ كان مُبتدِئًا في الصلاة، أمَّا المسبوقُ فقَدِ امتثل الأمرَ مع إمامه؛ لأنَّ سترةَ إمامِه له سترةٌ فخَرَج مِنْ عهدةِ الامتثال الواجبِ ابتداءً في حقِّه، وبعد انصرافِه عنه فهل يبقى حكمُ الوجوب أم لا؟

فهذه المسألةُ راجعةٌ إلى مسألةٍ أصوليةٍ مختلَفٍ فيها وهي: هل الأمرُ المُطْلَقُ المجرَّدُ عن القرائن يُفيدُ التَّكرارَ أم لا؟

فمَنْ رأى أنَّ السترة على الوجوب ورأى أنَّ الأمر يُفيدُ التكرارَ اعتقد الوجوبَ، ومذهبُ جمهورِ الأصوليِّين أنه لا يُفيدُ التَّكرارَ وإنما يُفيدُ المرَّةَ، ويخرج منها بأداء الواجب مرَّةً واحدةً، مع العلم أنَّ جمهور الفقهاء يقرِّرون استحبابَ السترة بحكمٍ أصليٍّ.

والمذهبُ المختار أنَّ الأمر المُطْلَقَ يُفيدُ مُطْلَقَ الطلب، ويتحقَّق بالمرَّة الواحدة، وهو مذهبُ مالكٍ واختاره الآمديُّ وغيرُه(٩)، وعليه يظهر الحكمُ جليًّا مِنْ عدم وجوب السترة والدُّنُوِّ إليها بعد تحصيلها في المرَّة الأولى، وإنَّما يُستحَبُّ ذلك إذا لم يكن فيه إخلالٌ بالخشوع الواجبِ في الصلاة.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 


(١) انظر: «نيل الأوطار» (٣/ ٢٥٨) و«السيل الجرَّار» (١/ ١٧٦) كلاهما للشوكاني.

(٢) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٤/ ٨ ـ ١٥).

(٣) أخرجه ابنُ خزيمة (٨٠٠، ٨٢٠)، وابنُ حبَّان (٢٣٦٢)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «التعليقات الحسان» (٢٣٥٦)، وانظر: «صفة الصلاة» (٨٢).

(٤) أخرجه أبو داود في «الصلاة» بابُ ما يُؤْمَرُ المصلِّي أَنْ يَدْرَأَ عن المَمَرِّ بين يدَيْه (٦٩٨)، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة» باب: ادْرَأْ ما استطعتَ (٩٥٤)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه. وما بين المعكوفين مِنْ زيادةِ ابنِ خزيمة (٨٠٣، ٨٤٠)، والحاكم (٩٢٢) مِنْ حديث سهل بنِ أبي حثمة رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٤١، ٦٥٠).

(٥) أخرجه الطبرانيُّ في «الكبير» (١١٩٣٧)، وابنُ خزيمة (٨٢٧)، وابنُ حبَّان (٢٣٧١)، والحاكم (٩٣٤)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «التعليقات الحسان» (٢٣٦٥). وانظر: «صفة الصلاة» (٨٣).

(٦) انظر الحديثَ الذي أخرجه أبو داود في «الصلاة» باب: سترةُ الإمام سترةُ مَنْ خَلْفَه (٧٠٨) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما، وفيه: «فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا زَالَ يُدَارِئُهَا حَتَّى لَصَقَ بَطْنَهُ بِالجِدَارِ وَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ»، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٣/ ٢٩٠).

(٧) انظر الحديثَ الذي أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» باب الصلاة بين السواري في غير جماعةٍ (٥٠٦) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما.

(٨) سبق تخريجه، انظر: (الهامش ٤).

(٩) انظر المسألة في: المصادر الأصولية المُثْبَتة على هامش «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني [بتحقيقي] (ص ٤٢٣).