في حكم إعفاء اللحية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٠١

الصنف: فتاوى الطهارة - سنن الفطرة

في حكم إعفاء اللحية

السؤال:

ذَكَرَ لي بعضُ الأئمَّةِ أنه لا يُوجَدُ دليلٌ على وجوبِ إعفاء اللحية، وأنَّ إرخاءَها لا يُعَدُّ مِنَ العبادات المأمورِ بها، وإنَّما هي مِنْ عادات العرب؛ فهل هذا القولُ صحيحٌ؟ وما دليلُه؟ أفتونا مأجورين.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ أصل إعفاءِ اللحيةِ واجبٌ، وهو قولُ جماهيرِ العُلَماءِ مِنْ أصحاب المَذاهِبِ بما فيهم المَذاهِبُ الأربعةُ وغيرُهم، بل نَقَلَ ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ الإجماعَ على ذلك(١)، ومُسْتَنَدُ الإجماعِ: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى؛ خَالِفُوا المَجُوسَ»(٢)، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»(٣)، وفي روايةٍ: «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى»(٤)؛ فهذه بعضُ الأدلَّةِ على وجوبِ إعفائها وتحريمِ حَلْقِها؛ لأنَّ حَلْقَ اللحيةِ مُخالِفٌ لأمرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد جاء خطابُ اللهِ مُحذِّرًا مِنْ مُخالَفةِ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم في قوله تعالى: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣[النور]، ولأنَّ حَلْقَها تغييرٌ لخَلْقِ الله، وقد قال تعالى ـ حكايةً عن إبليس ـ: ﴿وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِ[النساء: ١١٩]؛ ولهذا كان حَلْقُها مُثْلةً، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «فأمَّا حَلْقُها فمِثْلُ حَلْقِ المرأةِ رَأْسَها وأَشَدُّ؛ لأنه مِنَ المُثْلَةِ المنهيِّ عنها وهي محرَّمةٌ»(٥)، ولأنَّ في حَلْقِها تشبُّهًا بالنساء، وقد زَيَّنَ اللهُ الرجالَ باللِّحَى وميَّزَهم عليهنَّ بها، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ»(٦)، ولأنَّ حَلْقَها تبديلٌ للفطرة التي فُطِرَ الناسُ عليها، كما أنَّ في حَلْقِها تشبُّهًا بالكُفَّارِ الذين أَمَرَنا الشرعُ بمُخالَفتِهم في مِثْلِ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ»(٧)، و«خَالِفُوا المَجُوسَ»(٨)؛ لذلك كان حالِقُها آثمًا؛ لتَرْكِه لوجوبِ الإعفاء على ما نصَّتْ عليه الأدلَّةُ السابقة. ولا يُساوِرُنا أَدْنى شكٍّ أنَّ توفير اللحيةِ مِنْ سُنَنِ الفطرةِ الواجبةِ بمُواظَبةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على فِعْلِها وعدَمِ النقلِ عن أحَدٍ مِنْ أصحابِه أنَّه حَلَقَها، بل أَمَرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بتوفيرها حتَّى أَضْحَتْ سِمَةً ظاهرةً مِنْ سِمَاتِ أهلِ الإسلام تُميِّزُهم عن أهلِ الشرك والضلال.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٠ ربيع الأوَّل ١٤٢٥
الموافق ﻟ: ٣٠ أفريل ٢٠٠٤م

 



(١) انظر: «مَراتب الإجماع» لابن حزم (١٥٧).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الطهارة» (٢٦٠) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) أخرجه البخاريُّ في «اللباس» بابُ تقليمِ الأظفار (٥٨٩٢)، ومسلمٌ في «الطهارة» (٢٥٩)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه البخاريُّ في «اللباس» بابُ إعفاءِ اللِّحَى (٥٨٩٣) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٥) «شرح عمدة الفقه» لابن تيمية (١/ ٣٣٦).

(٦) أخرجه البخاريُّ في «اللباس» باب: المتشبِّهون بالنساءِ والمتشبِّهات بالرجال (٥٨٨٥) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٧) ٨) تقدَّم تخريجه، انظر: (هامش ٣، هامش ٢).