في دخول العمل في حقيقة الإيمان ومُسَمَّاه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 19 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 16 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٠٤

الصنف: فتاوى العقيدة - أركان الإيمان - مسائل الإيمان

في دخول العمل في حقيقة الإيمان ومُسَمَّاه

السؤال:

ما هو القَدْرُ المُجْزِئُ مِنَ الإيمانِ الذي يَسْتَحِقُّ صاحِبُه دخولَ الجنَّة؟ أهو قولٌ واعتقادٌ فقط؟ وإِنْ كان قولًا واعتقادًا وعملًا فما هو القَدْرُ المُجْزِئُ مِنَ العمل؟ وفَّقكم اللهُ لِمَا يُحِبُّه ويَرْضاهُ، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فبغضِّ النظر عن حُكْمِ تكفيرِ تارِكِ الصلاةِ مِنْ عَدَمِ تكفيره، فإنَّ جِنْسَ العملِ ـ عند أهلِ السُّنَّة والجماعةِ ـ هو مِنْ حقيقةِ الإيمان وليس شرطًا فقط؛ فالإيمانُ هو: قولٌ وعملٌ واعتقادٌ، لا يَصِحُّ إلَّا بها مُجْتمِعةً؛ ولذلك كان الإمامُ الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ يرى عدَمَ تكفيرِ تارِكِ الصلاةِ مع حكايتِه الإجماعَ: أنَّه لا يُجْزِئُ إيمانٌ بلا عملٍ، وهذا هو المنقولُ عن أهلِ السنَّةِ في تصريحاتهم بعدَمِ الانفكاكِ بين الإيمانِ والعمل مِثْلَ قولِ الأوزاعيِّ(١) وسفيانَ الثوريِّ(٢) وغيرِهم، قال شيخُ قرطبة ابنُ أبي زَمَنين ـ رحمه الله ـ: «والإيمانُ بالله هو باللسان والقلب، وتصديقُ ذلك العملُ؛ فالقولُ والعملُ قرينان: لا يقوم أحَدُهما إلَّا بصاحِبِه»(٣)، وقال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «العملُ الظاهرُ لازمٌ للعمل الباطن لا يَنْفَكُّ عنه، وانتفاءُ الظاهرِ دليلُ انتفاءِ الباطن»(٤).

والفرقُ بين أهل السنَّة وبين الوعيدية مِنَ الخوارج والمُعْتزِلةِ ـ الذين يُقرِّرون أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقادٌ ـ: أنَّ الإيمان ـ عندهم ـ يزول بزوالِ العملِ مُطلقًا، أي: يزول الإيمانُ ـ عندهم ـ ببعضِ أفرادِه ولو كانَتْ مِنْ غيرِ أركان الإسلام؛ فمَنِ ارتكب كبيرةً مِنْ كبائرِ الذنوب مِثْلَ: القتلِ أو السرقةِ أو الزِّنَا، أو عقوقِ الوالدَيْن، أو شهادةِ الزور؛ فإنه يخرج مِنَ الإيمان.

بخلافِ أهل السُّنَّة فيرَوْنَ في ذلك التفصيلَ:

ووجهُه: أنَّ مِنَ العملِ ما يزول الإيمانُ بزواله، سواءٌ كان تركًا كترك الشهادتين وجنسِ العمل اتِّفاقًا، أو تركِ الصلاةِ أو بعضِ أركانِ الإسلام الأخرى: كالزكاة والصومِ والحجِّ ـ على اختلافٍ بين أهل السُّنَّة فيها ـ أو كان فعلًا كالذبح لغيرِ الله والسجودِ للصَّنَم ونحوِ ذلك، والعملُ ـ في هذا القسمِ ـ شرطٌ في صِحَّته. قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «قد تَبيَّنَ أنَّ الدِّينَ لا بُدَّ فيه مِنْ قولٍ وعملٍ، وأنه يَمْتنِعُ أَنْ يكون الرجلُ مُؤْمِنًا بالله ورسولِه بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يُؤَدِّ واجبًا ظاهرًا ولا صلاةً ولا زكاةً ولا صيامًا ولا غيرَ ذلك مِنَ الواجباتِ، لا لأَجْلِ أنَّ الله أَوْجَبَها، مِثْلَ أَنْ يُؤدِّيَ الأمانةَ أو يَصْدُقَ الحديثَ أو يَعْدِلَ في قَسْمِه وحُكْمِه مِنْ غيرِ إيمانٍ بالله ورسولِه؛ لم يخرج بذلك مِنَ الكفر؛ فإنَّ المشركين وأهلَ الكتابِ يَرَوْنَ وجوبَ هذه الأمور؛ فلا يكون الرجلُ مُؤْمِنًا بالله ورسولِه مع عدَمِ شيءٍ مِنَ الواجبات التي يختصُّ بإيجابها محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم»(٥).

ومِنَ العملِ ـ أيضًا ـ ما يَنْقُصُ الإيمانُ بزواله ولا يزولُ كُلِّيًّا، أي: يبقى معه مُطْلَقُ الإيمانِ لا الإيمانُ المُطْلَقُ، مِثْلَ: عقوقِ الوالدَيْن وقَطْعِ الرَّحِمِ وشُرْبِ الخمرِ وغيرِها مِنَ الذنوب التي دون الكفر؛ فالعملُ ـ في هذا القسمِ ـ شرطٌ في كمالِ الإيمان الواجب(٦).

وعليه، فخُلُوُّ إيمانِ القلبِ الواجبِ مِنْ جميعِ أعمالِ الجوارح مُمْتَنِعٌ وغيرُ مُتصوَّرٍ، وضِمْنَ هذا التقريرِ يُصرِّحُ ناشرُ مذهبِ السلف شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ بقوله: «إنَّ جنس الأعمالِ مِنْ لوازمِ إيمانِ القلب، وإنَّ إيمانَ القلبِ التامَّ بدونِ شيءٍ مِنَ الأعمال الظاهرةِ مُمْتنِعٌ، سواءٌ جُعِلَ الظاهرُ مِنْ لوازمِ الإيمانِ أو جزءًا مِنَ الإيمان»(٧)، وقال ـ أيضًا ـ: «فالعملُ يُصدِّقُ أنَّ في القلب إيمانًا، وإذا لم يكن عملٌ كَذَبَ أَنَّ في قلبِه إيمانًا؛ لأنَّ ما في القلبِ مُسْتلزِمٌ للعمل الظاهر، وانتفاءُ اللازمِ يدلُّ على انتفاءِ الملزوم»(٨).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٩ ربيع الأوَّل ١٤٢٦
الموافق ﻟ: ١٨ أفريل ٢٠٠٥م

 



(١) انظر: «الإبانة» لابن بطَّة (٢/ ٨٠٧)، «شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة» للَّالَكائي (٥/ ٨٨٦)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٢٩٦).

(٢) انظر: «الإبانة» لابن بطَّة (٢/ ٨٠٧).

(٣) «أصول السنَّة» لابن أبي زَمَنين (٢٧٧).

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٥٤).

(٥) المصدر السابق (٧/ ٦٢١).

(٦) انظر: المصدر السابق (٧/ ١٥).

(٧) المصدر السابق (٧/ ٦١٦).

(٨) المصدر السابق (٧/ ٢٩٤).