في حكم الأدوية المركَّبة من موادَّ محرَّمة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 6 ربيع الأول 1439 هـ الموافق لـ 24 نوفمبر 2017 م



الفتوى رقم: ٢٤٥

الصنف: فتاوى طبِّية

في حكم الأدوية المركَّبة من موادَّ محرَّمة

السؤال:

العديد من الأدوية التي تباع في الصيدليات قد تكون مركَّبةً من بعض موادِّ الخنزير أو الميتة؟ فهل تناوُلها جائزٌ في حالة امتزاجها واختلاطها اختلاطًا تركيبيًّا لا يُرى له أثرٌ؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فاعلم أنَّ الموادَّ إذا تغيَّرت حقيقتها بمفاعيلَ كيماويةٍ أو بغيرها حتى تصير مادَّةً أخرى فإنَّ الحكم فيها الحِلُّ والجواز لأنَّ الأصل في الأشياء المنتفَع بها على الإباحة كما هو مقرَّرٌ في علم الأصول لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ولقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «الْحَلاَلُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ»(١) وأنَّ الخمرة محرَّمةٌ لعينها ومحرَّمٌ شربها واستعمالها، لكنَّها إذا تخلَّلت تغيَّرت حقيقتُها وأصبحت حلالاً، قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم «نِعْمَ الأُدُمُ -أَوِ: الإِدَامُ- الْخَلُّ»(٢)، هذا كلُّه إذا تغيَّرت حقيقة المادَّة المحرَّمة، أمَّا إذا تغيَّرت أوصافها وبقيت حقيقتها فإنَّ حُكْمَها المنعُ كتغيير الجامد إلى سائلٍ والسائل إلى جامدٍ، فلو أنَّ الخمر السائلة جُمِّدت فحقيقتها باقيةٌ وإن تغيَّر وصفٌ من أوصافها، ولهذا قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ»(٣)، والجميلُ هو الشحم المذاب، فإنَّ الشحوم -وإن تغيَّرت بعض أوصافها- فحقيقتها باقيةٌ ويبقى التحريم متَّصلاً بها.

من هذا المنطلق يمكن النظر في مسائل الأدوية الواردة، ويحتاج -والحال هذه- إلى تحقيقٍ يقوم به أهل الخبرة من أهل الكيمياء، فإن وجدوا أنَّ هذه الأدوية التي تضمَّنت شحمَ الخنزير قد تغيَّرت فيها حقيقته بفعل الموادِّ الكيمياوية فمحلُّها الجواز، وإن وجدوا أنه تغيَّرت بعض أوصافه وبقيت حقيقتُه فالحكم في ذلك المنع، غير أنَّ اللافت للنظر أنه إذا تبيَّن له بقاءُ حقيقته المحرَّمة لم يَجُزْ له أن يبيعها، ولكنَّ المضطرَّ يجوز له شراؤها لأنَّ حكم المضطرِّ مغايرٌ للأحوال العادية فهو حالةٌ نصَّ عليها الشرعُ بالجواز بناءً على قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]، تلك الآية التي انبثقت منها قاعدتَا: «الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ المَحْظُورَاتِ» و«تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا».

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٨ جمادى الثانية ١٤٢٦ﻫ
الموافـق ﻟ: ٢٤ جـويلية ٢٠٠٥م


(١) أخرجه الترمذي في «اللباس» باب ما جاء في لُبس الفراء (١٧٢٦)، وابن ماجه في «الأطعمة» باب أكل الجبن والسمن (٣٣٦٧)، من حديث سلمان رضي الله عنه. وحسَّنه الألباني في «صحيح الجامع» (٣١٩٥).‌

(٢) أخرجه مسلم في «الأشربة» (٢٠٥١) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٣) أخرجه البخاري في «البيوع» باب بيع المَيتة والأصنام (٢٢٣٦)، ومسلم في «البيوع» (١٥٨١)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.