إتمام الطهارة بالتيمم | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 30 رجب 1438 هـ الموافق لـ 27 أبريل 2017 م



الفتوى رقم: ٣

الصنف: فتاوى الطهارة - التيمُّم

في حكم إتمام الطهارة بالتيمُّم

السؤال:

مريضٌ به قرحٌ بقَدَمِه يَتضرَّرُ معه إذا أصابها الماءُ: فهل يتيمَّمُ إذا أَحْدَثَ أو أَجْنَبَ، أم يتوضَّأُ ويُسْقِطُ العُضْوَ، أم فرضُه أَنْ يغسل الصحيحَ ويَتَيَمَّمَ للباقي؟ وإذا كان مرضُه هذا مُزْمِنًا: فهل يُعتبَرُ فاقدًا للعُضوِ فيُؤمَرُ بالوضوء مع إسقاطِ العضو؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّه إذا لم يَستطِعْ مَنْ به جرحٌ أو قرحٌ استعمالَ الماءِ أو خاف ـ باستعماله ـ فواتَ منفعةِ عضوٍ أو تأخُّرَ بُرْئِه، وعُلِمَ ذلك إمَّا بالتجربة أو العادةِ أو بإخبارِ طبيبٍ عارفٍ؛ فالواجبُ تركُ غَسْلِ ما لا يقدر على غَسْلِه ويعدل إلى التيمُّم؛ لأنَّ كُلَّ ما عَجَزَ عنه المكلَّفُ ساقطٌ عنه بنصِّ الآية: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا[البقرة: ٢٨٦]، وبالحديث المتَّفَقِ عليه: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(١)؛ فالنصُّ يدلُّ على العفو عن كُلِّ ما خَرَجَ عن الطاقة.

وقد استُدِلَّ بهذا النصِّ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ على أنَّ ما دَخَلَ تحت الاستطاعةِ ففرضُه العملُ؛ وعليه فلا يكون مجرَّدُ خروجِ بعضِه عن الاستطاعة مُوجِبًا للعفو عن جميعِه؛ لأنَّ: «المَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالمَعْسُورِ»، و«مُعْظَمَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ»، و«الأَقَلَّ يَتْبَعُ الأَكْثَرَ» في كثيرٍ مِنَ الأحكام، خصوصًا فيما يُحتاطُ فيه.

ومِنْ مُنْطلَقِ هذه القواعد ذَهَبَ بعضُ أهل العلم إلى أنَّ الجُنُبَ إذا أُصِيبَ بجراحةٍ على رأسه وأكثرُ أعضائه سليمٌ؛ فإنَّه يَدَعُ غَسْلَ الرأسِ ويغسل أعضاءَه الأخرى ويمسح موضعَ الجراحة؛ عملًا بحديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما في الرجل الذي شُجَّ فاغتسل فمات؛ فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ»(٢)، وبما ثَبَتَ عن ابنِ عمر رضي الله عنهما أنَّه «تَوَضَّأَ وَكَفُّهُ مَعْصُوبَةٌ؛ فَمَسَحَ عَلَى العَصَائِبِ، وَغَسَلَ سِوَى ذَلِكَ»(٣)، مدَعِّمين جوازَ المسح على الجبيرة بالقياس على المسح على العمامة والخُفَّين؛ تقويةً للنصِّ بالقياس(٤).

وفي تقديري: أنَّ هذا الرأيَ مُعتبَرٌ لو صَحَّ الشطرُ الثاني مِنَ الحديث، وهو قولُه: «أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ»، وهو ـ عند أهل الاختصاص ـ زيادةٌ ضعيفةٌ لا تصلح للاحتجاج، وإِنْ وَرَدَ في المسح على الجبيرة أحاديثُ أخرى، إلَّا أنها لا يصحُّ تقويةُ الحكم بها لشِدَّةِ ضعفِها، ولم يَثْبُتْ مِنَ الحديث سوى الشطرِ الأوَّل منه.

وأمَّا أثرُ ابنِ عمر رضي الله عنهما فهو فعلُ صحابيٍّ لا حُجَّةَ فيه تُوجِبُ العملَ به؛ لمخالَفةِ غيرِه مِنَ الصحابةِ له فيه: كابنِ عبَّاسٍ وعمرِو بنِ العاص رضي الله عنهم، والواجبُ ـ عند اختلاف الصحابة فيما بينهم ـ التخيُّرُ مِنْ أقوالِهِم بحَسَبِ الدليل ـ على أَظْهَرِ الأقوال ـ؛ قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا أقوالُ الصحابة فإِنِ انتشرَتْ ولم تُنْكَرْ في زمانهم فهي حُجَّةٌ عند جماهير العلماء، وإِنْ تَنازَعوا رُدَّ ما تَنازَعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قولُ بعضِهم حُجَّةً مع مخالَفةِ بعضِهم له باتِّفاقِ العلماء»(٥).

وأمَّا الاستدلالُ بالقياس على المسح على العمامة والخُفَّين كأصلٍ في إثبات العبادات فإنَّه ـ على رأيِ مَنْ لا يُجيزُ القولَ بالقياس في العباداتِ ـ ظاهرٌ في عدمِ الاحتجاج به، وأمَّا مَنْ يحتجُّ بالقياسِ في العباداتِ ويُثْبِتُه في كُلِّ ما جاز إثباتُه بالنصِّ ـ إِذِ القياسُ الصحيحُ دائرٌ مع أوامرِ الشريعة ونواهيها وجودًا وعَدَمًا، و«لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُخَالِفُ القِيَاسَ»(٦) ـ فإنَّ إجراءَ القياس ـ في هذه المسألة ـ مُتعذِّرٌ مِنْ عِدَّةِ جوانبَ:

الأوَّل: أنَّ القياس فرعُ تعقُّلِ المعنى المعلَّلِ به الحكمُ في الأصل؛ فيَتعذَّرُ البناءُ لعدمِ تعقُّلِ معنى الأصل.

والثاني: أنَّ الأصل المَقيسَ عليه رخصةٌ، أي: منحةٌ مِنَ الله؛ فلا يُتعدَّى فيها مَوْردُها إلى غيرِ مَحَلِّها، و«القِيَاسُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْدِيَةِ العِلَّةِ».

وثالثُها: أنَّه ـ وإِنْ سُلِّمَ بأنَّ هذا القياسَ صحيحٌ ـ إلَّا أنَّه مُعارَضٌ بتعيُّنِ الجمع بين الوضوء والتيمُّم؛ توفيقًا بين الروايتين جميعًا، ولا يخفى أنَّ «القِيَاسَ فَاسِدُ الاعْتِبَارِ إِذَا مَا عَارَضَهُ نَصٌّ صَحِيحٌ أَوْ إِجْمَاعٌ مَوْثُوقٌ».

هذا، ولا يُعطى ما لا يُقْدَرُ على غَسْلِه حُكْمَ المعدومِ وَفْقَ «قاعدة التقديرات»؛ لأنَّه إنما يُحتاج إليها إذا دَلَّ دليلٌ على ثبوت الحكم مع عدمِ سببه أو شرطِه أو قيامِ مانعِه، وإذا لم تَدْعُ الضرورةُ إليها فلا يجوز التقديرُ ـ حينئذٍ ـ لأنَّه خلافُ الأصل، كذا قرَّره القرافيُّ ـ رحمه الله ـ في «فروقِه»(٧)؛ ذلك لأنَّ قاعدةَ: «إِعْطَاءِ المَوْجُودِ حُكْمَ المَعْدُومِ وَالمَعْدُومِ حُكْمَ المَوْجُودِ» ليسَتْ مِنْ قواعدِ أصول الخلاف، بل تُذكَرُ جمعًا للنظائر الداخلةِ تحت هذا الأصل. ولا يخفى عدمُ ورودِ دليلٍ يُعطي بعضَ الأعضاءِ حُكْمَ المعدومِ في الوضوء، بل في الحديثِ السابقِ ما يَدُلُّ على العدول إلى التيمُّم عند تعذُّرِ استعمال الماء، فضلًا عن أنَّ الغاسل لبعضِ الأعضاء دون الأخرى لا يُسمَّى ـ في عُرْفِ الشرع ـ متوضِّئًا، ولا يَصْدُقُ عليه أنَّه أتى بما أَمَره اللهُ تعالى مِنَ الوضوء؛ لذلك وَجَب المصيرُ إلى البدل الذي جَعَله الشارعُ عِوَضًا عن الوضوء عند تَعذُّرِ استعمالِ بعضِ أعضاء الوضوء.

كما لا يخفى ـ أيضًا ـ أنَّ ما دَخَلَ تحت استطاعتِه مِنَ المأمورِ به وَجَبَ الإتيانُ به، أي: وجوب استعمالِ الماء الذي يكفي لبعض الطهارة؛ ذلك لأنَّه ليس مجرَّدُ خروجِ بعضِه عن الاستطاعةِ مُوجِبًا للعفو عن جميعِه؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ[التغابن: ١٦]، وبما وَرَدَ مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه المتقدِّم: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(٨)؛ إذ فيهما دليلٌ على العفو عن كُلِّ ما خَرَجَ عن الطاقة، ووجوبِ استعمالِ ما يكفي بعضَ طهارتِه، مع التيمُّم للباقي.

وقد وَرَدَ في بعضِ ألفاظِ حديثِ عمرِو بنِ العاص رضي الله عنه: «فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ»،فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ، قال أبو داود: «وروى هذه القصَّةَ الأوزاعيُّ عن حسَّانَ بنِ عطيَّة، قال فيه: «فتَيمَّمَ»»(٩).

قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «ورجَّح الحاكمُ إحدى الروايتين، وقال البيهقيُّ: يُحتمَلُ أَنْ يكون فَعَلَ ما في الروايتين جميعًا، فيكونُ قد غَسَلَ ما أَمْكَنه وتَيمَّمَ للباقي، وله شاهدٌ مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ ومِنْ حديثِ أبي أُمامةَ عند الطبرانيِّ»(١٠). وأَيَّد النوويُّ ـ رحمه الله ـ هذا الجمعَ بين الوضوء والتيمُّم فقال: «وهذا الذي قاله البيهقيُّ متعيِّنٌ»(١١). وجاء في «المغني»: «وإذا كان به قرحٌ أو مرضٌ مَخُوفٌ وأَجْنَبَ فخَشِيَ على نَفْسِه إِنْ أصابه الماءُ؛ غَسَلَ الصحيحَ مِنْ جسدِه وتَيمَّمَ لِمَا لم يُصِبْه الماءُ»(١٢).

ويرى شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ أنَّ الجريح إذا كان مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ يصحُّ أَنْ يَتيمَّمَ بعد كمالِ الوضوء، ثمَّ قال: «بل هذا هو السُّنَّةُ»(١٣).

ومثلُ هذا الجمعِ ينعكس معناهُ على قاعدةِ: «المَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالمَعْسُورِ».

هذا، واستعمالُ التيمُّمِ غيرُ مُقدَّرٍ بوقتٍ مُعيَّنٍ، بل هو مشروعٌ وإِنْ تَطاوَلَ العهدُ؛ لحديثِ أبي ذرٍّ الغِفاريِّ رضي الله عنه مرفوعًا: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ»(١٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٩ شوَّال ١٤١٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٦ فيفري ١٩٩٧م

 


(١) هو جزءٌ مِنْ حديثٍ مُتَّفَقٍ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسنَّة» باب الاقتداء بسنن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (٧٢٨٨)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٣٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابٌ [في] المجروح يتيمَّم (٣٣٦) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما. وأخرجه أبو داود (٣٣٧)، وابنُ ماجه في «الطهارة» بابٌ في المجروح تصيبه الجنابةُ فيخاف على نفسِه إِنِ اغتسل (٥٧٢)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والزيادةُ الواردةُ مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما ضعيفةٌ؛ لتفرُّدِ الزبير بنِ خُرَيْقٍ بها؛ لذلك ضعَّفه البيهقيُّ وابنُ حجرٍ وغيرُهما، قال الألبانيُّ في «تمام المِنَّة» (١٣١): «لكِنْ له شاهدٌ مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ يرتقي به إلى درجة الحسن، لكِنْ ليس فيه قولُه: «ويعصر إلخ» فهي زيادةٌ ضعيفةٌ مُنْكَرةٌ»، وانظر: «التلخيص الحبير» لابن حجر (١/ ٢٦٠)، تخريج «شرح السنَّة» للأرناؤوط (٢/ ١٢١).

(٣) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٠٨١).

(٤) انظر: «سُبُل السلام» للصنعاني (١/ ٢٠٤).

(٥) «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٧٩) و«مجموع الفتاوى» (٢٠/ ١٤) كلاهما لابن تيمية.

(٦) انظر: «الفتاوى الكبرى» (١/ ١٥٨) و«مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٨٩) كلاهما لابن تيمية، «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٢/ ٧١).

(٧) انظر: «الفرق (١٠٨)» مِنَ «الفروق» للقرافي (٢/ ١٩٩ ـ ٢٠٣).

(٨) سبق تخريجه، انظر: (الهامش ١).

(٩) الحديث أخرجه أبو داود في «الطهارة» باب: إذا خاف الجُنُبُ البردَ: أيتيمَّم؟ (٣٣٥). وصحَّحه النوويُّ في «الخلاصة» (١/ ٢١٦)، وقوَّاهُ ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (١/ ٤٥٤)، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (١/ ١٨٢) وفي «صحيح أبي داود» (٣٦٢).

(١٠) «نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ٣٨٧).

(١١) «الخلاصة» (١/ ٢١٦) و«المجموع» (٢/ ٢٨٣) كلاهما للنووي، وانظر: «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٤٥٤).

(١٢) «المغني» لابن قدامة (١/ ٢٥٧).

(١٣) «الفتاوى الكبرى» لابن تيمية (٥/ ٣١٠)، «الاختيارات الفقهية لابن تيمية» للبعلي(٢١).

(١٤) أخرجه أبو داود في «الطهارة» باب الجُنُب يتيمَّم (٣٣٢، ٣٣٣)، والترمذيُّ في «الطهارة» باب التيمُّم للجُنُب إذا لم يجد الماءَ (١٢٤)، والنسائيُّ في «الطهارة» باب الصلوات بتيمُّمٍ واحدٍ (٣٢٢)، مِنْ حديثِ أبي ذرٍّ الغِفاريِّ رضي الله عنه. قال ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (١/ ٤٤٦): «وصحَّحه الترمذيُّ وابنُ حِبَّان والدارقطنيُّ»، وصحَّحه كذلك الألبانيُّ في «الإرواء» (١/ ١٨١) رقم: (١٥٣).