في التعامل مع قرابةٍ رحميةٍ مُدمِنةٍ على الخمر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٣٥٧

الصنف: فتاوى متنوِّعة - الآداب

في التعامل مع قرابةٍ رحميةٍ مُدمِنةٍ على الخمر

السؤال:

أخٌ يسأل عن كيفيةِ تعامُله مع أخته التي صارَتْ مُدمِنةً على الخمور مع أنها تُقيمُ بعضَ الواجبات الشرعية؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ مخالطةَ أهلِ المعاصي والفُسَّاق محذورةٌ شرعًا، فإِنَّ مُقارِفها غيرَ التائب منها لا يجوز مؤاخاتُه ابتداءً ولا مُصاحبتُه والتودُّدُ إليه انتهاءً؛ لأنَّ الحكم إذا ثَبَت لعلَّةٍ فالقياسُ يزول بزوالها، والعلَّةُ الثابتة في التآخي هي التعاونُ في الدِّين، ولا يدوم ذلك مع مُقارفةِ المعصية.

واعْلَمْ أنَّ صِلَةَ الرَّحِم واجبةٌ، وقطيعتَها محرَّمةٌ شرعًا؛ وأَدْنَى درجاتِها تركُ المُهاجرةِ وصِلَتُها بالكلام ولو بالسلام، فالقرابةُ حقٌّ متأكِّدٌ يجب الوفاءُ به، ومِنَ الوفاء به أَنْ لا يُهْمِلَ القريبَ أيَّامَ محنته وحاجتِه وفقره، وفقرُ الدِّين أعظمُ وأشدُّ مِنْ فقر المال، هذا مِنْ حيث العمومُ والإجمال.

أمَّا مِنْ حيث التفصيلُ والتعيين، وتفريعًا على ما تقدَّم: فإنَّ أختك ـ وإِنْ أدمنَتْ على الخمر والمعاصي ـ فهي ظالمةٌ لنفسها بارتكابها ما حرَّم اللهُ تعالى، وهي ـ مِنْ حيث تركُها لبعضِ الواجبات التي لا تَصِل إلى الكفر الأكبر ـ تَستحِقُّ البراءَ مِنْ جهة العصيان والولاءَ مِنْ جهة الإيمان؛ لِمَا رواه البخاريُّ أنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: «اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ!» فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ»(١)، ثمَّ إنها مِنْ لُحمة النسب، والقريبُ لا يجوز أَنْ يُهجَر مطلقًا على الراجح مِنَ المذاهب؛ إذ لا يعني البراءُ مِنْ فاعل المعصية الإساءةَ له بالقول والفعل، بل المطلوبُ حُسنُ المعاملة؛ إذ هو خُلُقٌ نبيلٌ يأمر به الشارعُ وتحضُّ عليه الشريعة، وفي شأن الأبوين المشركَيْن قال تعالى: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗا [لقمان: ١٥]، وفي حكم الأبوين كُلُّ الأقارب، فإنَّ الواجب نحوَهم حُسْنُ معاملتهم وعدمُ إقرارهم على المعصية؛ لعموم قوله سبحانه: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ [النساء: ٣٦]، وقد أمَرَ تعالى بمعاشرة الزوجات بالمعروف ولو كُنَّ كتابياتٍ بعمومِ قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ [النساء: ١٩]، كما أمَرنا سبحانه بحُسْنِ مُخالَقةِ المستأمنين والمعاهدين والكفَّار غيرِ المُحارِبين ـ في الجملة ـ بقوله تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨ [الممتحنة].

وعلى ضوءِ ما تقدَّم يظهر الفرقُ بين عقيدة البراء وحُسن المعاملة، وقد تجلَّى ذلك في حقِّ إبراهيم عليه السلام وتبرُّئِه مِنْ أبيه وقومه في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ ٢٦ [الزخرف]، ولقوله عزَّ وجلَّ لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم في عشيرته: ﴿فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦ [الشعراء]، ولم يقل: إنِّي بريءٌ منكم؛ مراعاةً لحقِّ القرابة ولُحمة النسب، أمَّا النصرة والتأييد لأهل الكفر والمعاصي فهو أمرٌ محرَّمٌ شرعًا.

فالحاصل أنَّ الذي ينبغي القيامُ به:

ـ أَنْ يتلطَّف في نصحها بما يجمع شملَها ويُعيدُها إلى الصلاح ما استطاع.

ـ فإِنْ لم يقدر وبقيَتْ مُصِرَّةً على المعصية؛ فعليه أَنْ يُبْغِضها على ذنبها، ويجتهدَ في إبعادها عنها في حدود المقدور، ويتبرَّأَ مِنْ صنيعها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥ فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦ [الشُّعَراء]؛ فهذا مِنْ مقتضى البغض في الله ليبرأ مِنَ المعصية؛ لكونِ ما تقترفه مِنْ أفعالٍ ممقوتًا عند الله تعالى.

وليس معنى البغض في الله الهجرةَ والمقاطعة كما هو مذهبُ بعض الصحابة كأبي ذرٍّ وابنِ عمر رضي الله عنهم وغيرهما وبعضِ التابعين إذا لم تنفع الموعظةُ، بل ينبغي عليه أَنْ يُراقِب ويراعيَ ولا يُهْمِل، ويتلطَّف بها ويُعينُها على الخروج والخلاص مِنْ تلك الوقعةِ التي ألمَّتْ بها متى استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ ولهذا لمَّا قِيلَ لأبي الدرداء رضي الله عنه: «ألا تبغض أخاك وقد فعل كذا؟» فقال: «إنّما أبغض عملَه وإلَّا فهو أخي»(٢)، وأخوَّةُ الدين أوكدُ مِنْ أخوَّة القرابة.

ثمَّ إنَّا نعلم أنَّ الذين شربوا الخمرَ وتعاطَوُا الفواحشَ في زمن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن الصحابةُ يهجرونهم بالكلِّيَّة، بل كانوا مُنقسِمين فيهم إلى مَنْ يُغْلِظ لهم القولَ ويُظهِر البغضَ، وإلى مَنْ يُعْرِض عنهم ولا يتعرَّض لهم، وإلى مَنْ ينظر إليهم بعين الرحمة ولا يُؤثِر المقاطعةَ والتباعد.

قلت: ولعلَّ هذا إذا انفردَتِ الأخوَّةُ في الدِّين، فما بالُك إذا اجتمعَتْ أخوَّةُ الدِّين والقرابةِ معًا؟

وهذا كُلُّه فيما يتعلَّق بزلَّته في دينه، أمَّا زلَّتُه في حقِّه أو ما صَدَر منه مِنَ المعاصي في هفوته التي يعلم أنه قد نَدِم عليها ولم يُصِرَّ عليها، فعلى المسلم فيه السَّترُ والإغماضُ والعفو والاحتمال، أي: كُلُّ ما يحتمل تنزيلَه على وجهٍ حَسَنٍ ويُتصوَّر تمهيدُ عذرٍ قريبٍ أو بعيدٍ فهو واجبٌ بحقِّ الأخوَّة الدينية.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 


(١) أخرجه البخاريُّ في «الحدود» بابُ ما يُكْرَه مِنْ لعنِ شارب الخمر وأنه ليس بخارجٍ مِنَ المِلَّة (٦٧٨٠) مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه.

(٢) انظر: «إحياء علوم الدين» للغزَّالي (٢/ ١٨٤).