في حكمِ حلقِ شعر القَفَا وحكمِ المال المُكتسَبِ منه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 18 ربيع الآخر 1442 هـ الموافق لـ 04 ديسمبر 2020 م

الفتوى رقم: ٤٢٥

الصنف: فتاوى المعاملات المالية ـ الإجارة

في حكمِ حلقِ شعر القَفَا
وحكمِ المال المُكتسَبِ منه

السؤال:

ما حكمُ حلقِ شعر القَفَا؟ وما حكمُ المال المُكتسَبِ منه؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فحلقُ شعرِ القَفَا وتركُ غيرِه يدخل في عموم النهي عن القَزَعِ الثابتِ مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما(١)، ويؤيِّده ما صحَّ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رأى صبيًّا قد حُلِقَ بعضُ رأسِه وتُرِك بعضُه فنهاهم عن ذلك وقال: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ»(٢)، والمرادُ بالقزع: حَلْقُ بعضِ الرأس مُطلَقًا، أي: مِنْ أيِّ جهات الرأس كان، على نحوِ ما ذكره النوويُّ، وهو تفسير الراوي للحديث وهو غيرُ مُخالِفٍ للظاهر؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «قال شيخُنا ـ أي: ابنُ تيمية رحمه الله ـ: وهذا مِنْ كمال محبَّة الله ورسولِه للعدل؛ فإنه أَمَرَ به حتَّى في شأن الإنسان مع نَفْسه؛ فنَهَاه أَنْ يحلق بعضَ رأسِه ويتركَ بعضَه؛ لأنَّه ظلمٌ للرأس حيث تَرَكَ بعضَه كاسيًا وبعضَه عاريًا؛ ونظيرُ هذا: أنه نهى عن الجلوس بين الشمس والظِّلِّ فإنه ظلمٌ لبعضِ بدنه؛ ونظيرُه: نَهَى أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَنْعَلَهُمَا أَوْ يُحْفِيَهُمَا»(٣)؛ والظاهرُ أنَّ حُكمَه التحريمُ لِمَا فيه مِنْ حكمةٍ متمثِّلةٍ في ظلم الرأس كما تقدَّم، وتشويهٍ للخِلْقة وتشبُّهٍ بأهل الكتاب ومَنْ في حُكمهم وأهلِ الشرِّ والشطارة؛ وفي هذا المعنى سأل المروذيُّ ـ رحمه الله ـ الإمامَ أحمد ـ رحمه الله ـ عن حَلْقِ القَفَا فأجابه: «هو مِنْ فعل المجوس، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(٤).

غير أنَّ النوويَّ ـ رحمه الله ـ ذَكَر الإجماعَ على أنَّ النهي محمولٌ على الكراهة التنزيهيَّة، حيث قال ـ رحمه الله ـ: «وأَجمعَ العلماءُ على كراهة القَزَع إذا كان في مواضعَ متفرِّقةٍ إلَّا أَنْ يكون لمداواةٍ ونحوِها، وهي كراهةُ تنزيهٍ»(٥).

وإذا بُنِيَتِ المسألةُ على الكراهة التنزيهيَّة ـ كما ذَكَر النوويُّ ـ فإنَّ المال المُكتسَبَ منه يُلْحَقُ بهذا الحكم؛ ما لم يكن الإجماعُ المذكورُ إجماعًا مذهبيًّا لا أصوليًّا؛ فحينَئذٍ يبقى حكمُ التحريم وما يترتَّب عليه قائمًا، وهو الذي نعتقده؛ فضلًا عن ارتباطِ محاذيرَ أخرى بعمل الحلَّاق ومُلابَستِها له، ويأتي في طليعتها: حلقُ اللحية المُجمَعُ على تحريمه ـ وهو غالبُ عملِه ـ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٨ ربيع الثاني ١٤٢٧ﻫ
المـوافق ﻟ: ٥ مــاي ٢٠٠٦م



(١) انظر الحديثَ المُتَّفَقَ عليه الذي أخرجه البخاريُّ في «اللباس» باب القَزَع (٥٩٢٠، ٥٩٢١)، ومسلمٌ في «اللباس والزينة» (٢١٢٠)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه أبو داود في «الترجُّل» بابٌ في الذُّؤابة (٤١٩٥)، والنسائيُّ في «الزينة» باب الرخصة في حَلْق الرأس (٥٠٤٨)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه النوويُّ في «المجموع» (١/ ٢٩٦)، وابنُ كثيرٍ في «إرشاد الفقيه» (١/ ٣٢)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢١٢).

(٣) «تحفة المودود» لابن القيِّم (١١٤ ـ ١١٥).

(٤) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (١/ ٢٠٥، ٣٩٨).

(٥) «شرح مسلم» للنووي (١٤/ ١٠١)؛ وانظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ١٩٠).