فيمَنْ تيمَّمَ مع وجود الماء خشيةَ فوات الجماعة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٤٦٩

الصنف: فتاوى الطهارة - التيمُّم

فيمَنْ تيمَّمَ مع وجود الماء
خشيةَ فوات الجماعة

السؤال:

استيقظ رجلٌ ـ بعد أداءِ صلاةِ الصُّبحِ ـ على جنابةٍ، ولم يتمكَّن مِنَ الاغتسال لأجلِ الالتحاق بالعمل، ولمَّا حانَتْ صلاةُ الظهر جَمَع بين الوضوء والتيمُّم قَصْدَ إدراكِ صلاةِ الجماعة؛ فهل الصلاةُ صحيحةٌ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالصلاةُ بالتيمُّمِ متوقِّفَةٌ صحَّتُها على انعدام وجود الماء أو عدمِ القدرة على استعماله في ذلك الوقت الذي وَجَبَتْ فيه الصلاةُ، فإِنْ لم يجد الجُنُبُ الماءَ أو وَجَده وخاف على نفسِه المرضَ أو الهلاكَ، أو حالَ بينه وبين الماء حائلٌ يتعذَّر معه الوصولُ إليه، وصَلَّى بالتيمُّم؛ فصلاتُه صحيحةٌ، ولا إعادةَ عليه ولو وَجَد الماءَ ـ بعد ذلك ـ واغتسل.

أمَّا مَنْ وَجَد الماءَ ولا عائقَ مِنِ استعماله، لكنَّه قدَّم صلاةَ الجماعة باستعمال التيمُّم؛ فلا يجوز له ذلك؛ لأنَّ فقدانَ الماءِ شرطٌ لإباحة التيمُّم؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ[المائدة: ٦]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»(١)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ»(٢).

ويظهر مِنْ هذه الأدلَّةِ أنه مأمورٌ باستعمال الماء، فإِنْ أدرك بها صلاةَ الجماعةِ فمأجورٌ عليها، وإِنْ فاتَتْه الجماعةُ لعذرٍ أو انشغالٍ بالوضوء، مع إرادته اللحوقَ بها؛ فهو مأجورٌ عليها ـ أيضًا ـ إذ يبلغ المرءُ بنيَّته ما لا يبلغ بعمله، أمَّا إِنْ فوَّتها بتَكاسُلِه وتَهاوُنِه فعلى القول بأنَّ صلاة الجماعة واجبةٌ فهو آثمٌ بفعله، فإِنْ صلَّاها بالتيمُّمِ أعادها في الوقت أو قضاها خارِجَ الوقت؛ لأنَّ التيمُّمَ ـ كما تَقدَّمَ ـ لا تُسْتَبَاحُ به الصلاةُ إلَّا لسببِ فقدان الماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا[النساء: ٤٣؛ المائدة: ٦]، أو لوجودِ مانعٍ مِنِ استعماله لِمَرَضٍ أو جرحٍ أو شِدَّةِ برودةٍ أو لتعذُّرِ تسخين الماء ونحوِ ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ[البقرة: ١٩٥]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩[النساء]، وهي الآية التي استند إليها عمرو بنُ العاص رضي الله عنه بحضرة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَّا سأله: «يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟!»(٣) الحديث.

ويجدر التنبيهُ إلى أنَّ ما تَقرَّر في الجواب إنما هو بخصوص صلاة الجماعة ـ بغضِّ النظر عن حُكْمِها ـ أمَّا عن مشروعية التيمُّم قبل خروج وقت الصلاة ففيه خلافٌ(٤).

والصحيحُ ـ عندي ـ أنه يجوز التيمُّمُ والصلاةُ قبل خروج وقتها إذا كانَتِ الصلاةُ التي تفوت لا بَدَلَ لها كصلاة الجنازة والعيدين وغيرِهما؛ فإنَّ المحافظة على الصلاة بالتيمُّمِ خيرٌ مِنْ تفويتها، وهذا ما جَرَى عليه الأحنافُ(٥) وغيرُهم.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٧ جمادى الأولى ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٣ جوان ٢٠٠٦م

 


(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الوضوء» باب: لا تُقْبَلُ صلاةٌ بغير طُهور (١٣٥)، ومسلمٌ في «الطهارة» (٢٢٥)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الطهارة» (٢٢٤) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٣) عن عمرو بنِ العاص رضي الله عنه قال: «احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟!» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الاِغْتِسَالِ وَقُلْتُ: «إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩[النساء]»، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» [أخرجه أبو داود في «الطهارة» باب: إذا خاف الجُنُبُ البردَ: أيتيمَّمُ؟ (٣٣٤) مِنْ حديثِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنه. وعَلَّقه البخاريُّ في «التيمُّم» (١/ ٤٥٤) باب: إذا خاف الجُنُبُ على نفسِه المرضَ أو الموتَ أو خاف العطشَ تَيمَّمَ، وقوَّاه الحافظ في «فتح الباري» (١/ ٤٥٤)، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (١/ ١٨١) رقم: (١٥٤) و«صحيح أبي داود» (٣٦١)].

(٤) مذهب الشافعية والحنابلة: عدمُ جواز التيمُّم، [انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٢٦٦)، «المجموع» للنووي (٢/ ٢٨٠)، «السيل الجرَّار» للشوكاني (١/ ١٢٦)]. أمَّا مذهب مالكٍ وابنِ حزمٍ وابنِ تيمية فجوازُ التيمُّم والصلاةِ قبل خروج الوقت، [انظر: «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (١/ ٣٠٦)، «المحلَّى» لابن حزم (٢/ ١١٧)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢١/ ٤٣٩، ٤٥٦)].

(٥) انظر: «تبيين الحقائق» للزيلعي (١/ ٤٢).