في سبيل التعايش مع زوجةٍ عاصيةٍ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 7 شوال 1445 هـ الموافق لـ 16 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ٤٨٧

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ الحقوق الزوجية ـ الحقوق المنفردة

في سبيل التعايش مع زوجةٍ عاصيةٍ

السؤال:

أعيش في فرنسا ولي زوجةٌ تاركةٌ للصلاة وتَستمِعُ الغناء ولا تعظِّم شعائرَ الدِّين كثيرًا، وقد أثَّرَتْ على أولادنا بمَعاصِيها سلبًا، وقد هدَّدْتُها بالطلاق فلم يُجْدِ فيها نفعًا ولا تغييرًا، فما هو الطريق الأمثلُ في التعامل معها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمرأة بهذه الأوصافِ وما يقترن بها مِنْ مَثالِبَ خُلُقيَّةٍ وعيوبٍ دِينيَّةٍ لا تكون بها امرأةً صالحةً؛ لأنَّ الشرع وَصَف المرأةَ الصالحة بقوله تعالى: ﴿فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ[النساء: ٣٤]، ولقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢[الحج]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِذَا صَلَّتِ المَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شِئْتِ»(١)؛ وعليه فإِنْ بَقِيَتْ مُصِرَّةً على تلك الخصالِ الذميمة وخاصَّةً تَرْكَها للصلاة التي تُعَدُّ عمادَ الدِّين، وهي أوَّلُ ما يُحاسَبُ عليه العبدُ يومَ القيامة، فلا ينفع أَنْ تكون صاحبةً لبعلٍ ولا قرينةً لزوجٍ يريد الالتزامَ بأحكام الشرع تُجاهَ نفسه وأهله؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا[التحريم: ٦]؛ ويَلْزَمُه ـ والحالُ هذه ـ أَنْ يتبرَّأ مِنْ صنيعها ولا يرضى عنها ولا عن أفعالها، لئلَّا يكون مُشارِكًا لها في المعصية؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا ـ وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا ـ كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا»(٢)، ثمَّ يستعملَ معها كافَّةَ الطُّرُق الشرعيَّة ـ مِنْ وعظٍ وهجرٍ في الفراش وضربٍ غيرِ مُبرِّحٍ ـ المأمورِ بها في قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًا[النساء: ٣٤]؛ فإِنْ لم تستجب فلا يستطيع الاستمرارَ في حياته معها مع وجود السيِّئات والأعمال القبيحة ممَّا لا تستقيم حياةُ المسلم معه؛ فالواجبُ عليه حيالَها أَنْ يخيِّرها بين الاستقامة وبين الفراق؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ»(٣) وفي رواية: «المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ»(٤)؛ فإِنْ أبَتْ إلَّا أَنْ تبقى على عصيانها فلا بُدَّ له مِنْ طلاقٍ يعصم به دِينَه؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «ثَلاثَةٌ يَدْعُونَ اللهَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ: رَجُلٌ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا...» الحديث(٥)، ثمَّ يطلبَ منها الأولادَ لئلَّا تُربِّيَهم تربيةً سيِّئةً، فإِنْ رفضَتْ بدعوى حقِّ الحضانة وأيَّدها الحكمُ القضائيُّ فلا يرضى عن تربِيَتِها حتَّى لا يكون مُشارِكًا معها في سوء الرعاية والتنشئة.

نسأل اللهَ سبحانه وتعالى أَنْ يَهدِيَ زوجتَك سواءَ السبيل، وأَنْ تعود إلى رُشدِها وتقوم بمسؤوليَّتِها تُجاهَك وتُجاهَ أولادك، وأَنْ يقوِّيَ إيمانَك بالعمل الصالح وتقوى الله ـ سبحانه وتعالى ـ مع الشكر الدائم والثناء الموصول لقوله ـ سبحانه وتعالى ـ: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ٧[إبراهيم].

علمًا أنَّ السفر إلى بلاد الكفر والإقامةَ السكنيَّة في ديار الكُفَّار والعيشَ بين أَظهُرِهم مِنْ أعظم المفاسد وأخطرِ المهالك على دِين المسلم ـ كما بيَّنْتُه مُفصَّلًا في كلمةٍ شهريةٍ(٦) ـ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٦ جمادى الثانية ١٤٢٧ﻫ
المـوافـق ﻟ: ٣ يـوليـو ٢٠٠٦م

 



(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٦٦١) مِنْ حديثِ عبد الرحمن بنِ عوفٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩٣٢) وصحَّحه في «صحيح الجامع» (٦٦٠، ٦٦١).

(٢) أخرجه أبو داود في «الملاحم» باب الأمر والنهي (٤٣٤٥) مِنْ حديثِ العُرس بنِ عَمِيرة الكِنْديِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٩).

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» باب: المسلم مَنْ سَلِم المسلمون مِنْ لسانه ويَدِه (١٠) وفي «الرِّقاق» باب الانتهاء عن المعاصي (٦٤٨٤) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه ابنُ حِبَّان في «صحيحه» (١٩٦) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «التعليقات الحسان» (١٩٦).

(٥) أخرجه الحاكم في «المُستدرَك» (٣١٨١)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٢٠٥١٧)، مِنْ حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٠٧٥) وفي «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٤٢٠) رقم: (١٨٠٥).

(٦) انظر الكلمةَ الشهرية رقم: (٨٥) الموسومة ﺑ: «نصيحةٌ إلى مقيمٍ في بلاد الكفر» على الموقع الرسميِّ.