في تحريم الزوجة مِنْ غيرِ قصدٍ لمعنى اللفظ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 12 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 22 فبراير 2024 م



الفتوى رقم: ٤٩٤

الصنف: فتاوى الأسرة ـ انتهاء عقد الزواج ـ الطلاق

في تحريم الزوجة مِنْ غيرِ قصدٍ لمعنى اللفظ

السؤال:

عقَدْتُ على فتاةٍ عقدًا شرعيًّا، وصِرْتُ أختلي بها وأُباشِرُها مِنْ غيرِ جماعٍ، ثمَّ وقعَتْ بيننا خلافاتٌ فقلتُ لها: «أَنْتِ مُحرَّمة»، ولم أكن أَعلمُ أنَّه ظِهارٌ، وبعد فترةٍ طلَّقْتُها بقولي: «أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ»، فما الذي يترتَّب عليَّ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا قَصَد بلفظِ «التحريم» تحريمَ ذاتِها بمعنَى: أنه لا يَقْرَبُها لا بمعنى الطلاقِ أو الظِّهارِ فعليه يمينٌ يكفِّرها لقوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١ قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡ[التحريم: ١ ـ ٢].

أمَّا إِنْ كان لفظُ «التحريم» يقصد به أحَدَ الأمرين إمَّا الطلاقَ أو الظِّهار فإنه يَقَعُ عن أحَدِهما بحسَبِ قصدِه، وتوضيحُ ذلك:

فإِنْ قَصَد به الطلاقَ فإنه يقع طلاقُه وتَبِينُ منه زوجتُه وتستحقُّ المُتعةَ(١) إِنْ لم يُسَمِّ لها مهرًا في العقد، أمَّا إِنْ سَمَّى لها مَهرًا في العقد فلها نصفُه لوقوع الطلاق قبل الدخول، ما لم يَعفُ الزوجُ(٢) عن النصف الآخَرِ فتستحِقُّ المهرَ كاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰ[البقرة: ٢٣٧]، ولا يَسَعُه إرجاعُها بعد طلاقه لها قبل الدخول إلَّا بعقدٍ جديدٍ ومهرٍ جديدٍ؛ علمًا أنَّ الطلاقَ الثلاثَ باللفظ الواحد ـ بعده ـ يقع لغوًا لعدمِ مُصادَفةِ مَحَلِّه، لأنَّ المرأة قد بانَتْ منه بالطلقة الأولى.

وإِنْ قَصَد به الظِّهارَ ترتَّب حكمُه عليه، وهو أَنْ يَحْرُمَ عليه بظِهاره قُربانُها حتَّى يكفِّرَ عنه بعِتقِ رقبةٍ وهي غيرُ موجودةٍ حاليًّا، ثمَّ بصيامِ شهرين مُتتابِعَيْن عند تعذُّرِ وجودِ الرقبة، فمَنْ لم يستطع صيامَ شهرين مُتتابِعَيْن فعليه أَنْ يُطعِم ستِّين مسكينًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤[المجادلة].

وبناءً عليه، فإِنْ قَصَد به الظِّهارَ، ثمَّ طلَّق ثلاثَ تطليقاتٍ بعدها، فإنَّ الطلاقَ الثلاثَ قبل الدخول بها يُوجِبُ طلقةً بائنةً، فلها نصفُ المهر، ولا تَحِلُّ له المرأةُ حتَّى يعقد عليها عقدًا جديدًا بمهرٍ جديدٍ، فإِنْ عَقَد عليها فإنه لا يَسَعُه الدخولُ بها حتَّى يكفِّر عن ظِهاره ـ كما تقدَّم ـ وما سَبَق له مِنِ اختلاءٍ بها دون مَسيسٍ بالجماع لا يُعَدُّ دخولًا على أرجحِ قولَيِ العلماء؛ لأنَّ الخلوةَ الصحيحةَ المجرَّدةَ عن الجماع ليست مَسًّا، وهو مذهبُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما وغيرِه، خلافًا للجمهور.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ جمادى الثانية ١٤٢٧ﻫ
المـوافـق ﻟ: ٤ يـوليو ٢٠٠٦م

 



(١) مُتعة المرأة أو مُتعة الطلاق: هي مبلغٌ ماليٌّ غيرُ مُحدَّدٍ يُدفَعُ للمطلَّقَة قبل الدُّخول التي لم يُسَمَّ لها مَهرٌ، يُراعَى فيها قدرُ حالِ المطلِّقِ سَعَةً وضيقًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٣٦[البقرة]، [انظر: «الاقتضاب في غريب الموطَّأ» لليَفُرَني (٢/ ١٤٢)، «مغني المحتاج» للشربيني (٣/ ٢٤١)].

(٢) هذا مذهبُ الشافعيِّ في الجديد والحنفيَّة: أنَّ المراد بالذي بيده عُقدةُ النكاح هو الزوج، وهو ظاهرُ مذهبِ أحمد، وهو مرويٌّ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ عبَّاسٍ وجُبَيْر بنِ مُطعِمٍ وآخَرِين رضي الله عنهم.

خلافًا لقولِ مالكٍ والشافعيِّ في القديم وأحمد في روايةٍ عنه: أنَّ للأب أَنْ يُسقِط نِصفَ الصداق المسمَّى عن الزوج إذا طلَّق قبل البناء.

انظر: «التفريع» لابن الجلَّاب (٢/ ٥١)، «المهذَّب» للشيرازي (٢/ ٦٠)، «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٢١٩)، «بداية المجتهد» لابن رشد (٢/ ٢٥)، «المغني» لابن قدامة (٦/ ٧٢٩)، «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٣/ ٢٠٦).