في حكم كشف الفخذ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 20 صفر 1441 هـ الموافق لـ 19 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٥٢

الصنف: فتاوى اللباس

في حكم كشف الفخذ

السؤال:

ما حكمُ رؤيةِ اللاعبين في التلفزة كاشفين لأفخاذهم؟ وهل يُعتبَرُ الفَخِذُ عورةً أم لا؟ فإِنْ كان فيه اختلافٌ فالرجاءُ التفصيلُ ـ إِنْ أَمْكَن ـ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ تَنازَع العلماءُ في كون الفخذِ عورةً على مذاهبَ، ولكُلٍّ أدلَّةٌ ثابتةٌ وصحيحةٌ لكنَّها مُتعارِضةٌ، وإعمالُ الجمع فيها متعذِّرٌ، والصيرورةُ إلى الترجيح حتمٌ، ولا يخفاك أنَّ الذي يرى عدمَ معارضةِ الدليل الفعليِّ للقوليِّ كالشوكانيِّ ـ رحمه الله ـ لا يصير إلى الترجيح لانتفاء التعارض بين الأدلَّة؛ إذِ الترجيحُ لا يحصلُ إلَّا عند حدوث التعارض، وعند مَنْ يَعتبر هذا فلا إشكالَ عنده في كونِ الفخذ عورةً إعمالًا للأدلَّة القولية.

وإذا أنعَمْتَ النظرَ وجَدْتَ ـ فضلًا عن تعارُضِ الأدلَّة ـ تعارُضَ ترجيحين: الأوَّلُ باعتبار السند، ومعارِضُه الآخَرُ باعتبار المتن والحكمِ أو المدلول:

ـ فباعتبار السند يظهر دليلُ مَنْ قال: إنَّ الفخذ ليس بعورةٍ؛ استنادًا إلى ما رواه البخاريُّ مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يومَ خيبر «حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(١)؛ إذ هو أصحُّ إسنادًا مِنْ حديثِ جَرْهدِ بنِ خُوَيْلدٍ الأسلميِّ رضي الله عنه الذي رواهُ مالكٌ وعلَّقه البخاريُّ في «صحيحه»: «إِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ»، وفي لفظٍ للترمذيِّ: «غَطِّ فَخِذَكَ؛ فَإِنَّهَا مِنَ العَوْرَةِ»(٢)، وما كان أقوى سندًا أحقُّ بالتقديم.

أمَّا باعتبار المتن فتظهر أدلَّةُ مَنْ قال: إنَّ الفخذَ عورةٌ أقوى؛ لأنها أدلَّةٌ قوليةٌ تُقابِلها أدلَّةٌ فعليةٌ، و«الْقَوْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ»؛ حيث إنَّ الفعلَ يدخله احتمالاتٌ مِنْ خصوصيةٍ وسهوٍ وذهولٍ بخلاف القول، وما لا يدخله احتمالٌ أَوْلى بالتقديم لقوَّته.

كما تظهرُ أدلَّةُ مَنْ يرى الفخذَ عورةً باعتبارِ أنَّ الحكم أو المدلول أَوْلى لكونِها حاظرةً ـ أي: تُفيدُ التحريمَ ـ في حينِ أنَّ أدلَّةَ المعارِضِ تُفيدُ الإباحةَ، ولا يخفى أنَّ «النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى الْمَنْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّالِّ عَلَى الإِبَاحَةِ»؛ لأنَّ تَرْكَ المباحِ أهونُ مِنِ ارتكابِ حرامٍ.

ويمكن تحريرُ القولِ بين الترجيحين المتعارِضين بأنَّ حديثَ أنسٍ رضي الله عنه وإِنْ كان أصحَّ سندًا إلَّا أنَّ دلالتَه محتملةٌ للوجوهِ التاليةِ:

١ ـ أنه محتملٌ للخصوصيةِ ولغيرِها مِنَ المحتملاتِ.

٢ ـ أنه لا يظهر مِنْ فعلِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم التقصُّدُ والعمديةُ.

٣ ـ أنه حادثةُ حالٍ وواقعةُ عينٍ لا عمومَ لها.

٤ ـ أنه قبل ورودِ النهي عنه.

ولو لم تَرِدْ على حديثِ أنسٍ رضي الله عنه هذه الوجوهُ لكان الترجيحُ به أقوى وأَوْلى، أمَّا حديث جَرهدٍ رضي الله عنه؛ فيترجَّح باعتبارِ أنه تشريعٌ عامٌّ يَلْزَمُ العملُ به، علمًا أنَّ تقريرَ تحريمِ الفخذِ هو مِنْ قَبيلِ المحرَّم لغيره عملًا بمبدإ سدِّ الذريعة؛ إذ إنَّ لكُلِّ مُحَرَّمٍ حريمًا يحيط به، و«الْحَرِيمُ لَهُ حُكْمُ مَا هُوَ حَرِيمٌ لَهُ»، ولا يخفى أنَّ الحريمَ أخفُّ مِنَ المحرَّمِ، وعورةَ الفخذين أهونُ مِنْ عورةِ السوأتين؛ فالأُولى عورةٌ مخفَّفةٌ والثانيةُ مغلَّظةٌ؛ ولذلك حُرِّمَ الاختلاطُ والخلوةُ بالأجنبيةِ لأنَّها مقدِّمةُ الجماع، والجماعُ أشدُّ تحريمًا مِنْ مقدِّماتِه؛ فكان تحريمُهما أَسَدَّ للوقوعِ في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فيه، وحُرِّمَ تخليلُ الخمرِ وإِنْ كان لا يُسْكِرُ لأنّه يُفْضِي إلى السُّكرِ ويدعو إليه؛ فكذلك حُرِّمَ النّظرُ إلى الفخذِ لاتِّصالِه بالسَّوْأتين، وهذه الْحُرمةُ مُنسحِبَةٌ على حريمه كالمُقارِب لحِمَى الحرام؛ وقايةً له وسياجًا مانعًا حَوْلَه، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ»(٣).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٥ جمادى الأولى ١٤١٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٥ سبتمبر ١٩٩٦م



(١) أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» بابُ ما يُذْكَر في الفَخِذ (٣٧١)، ومسلمٌ في «النكاح» (١٣٦٥)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه.

(٢) علَّقه البخاريُّ بصيغة التمريض عن ابنِ عبَّاسٍ وجَرْهدٍ ومحمَّد [بنِ عبد الله] بنِ جحشٍ رضي الله عنهم في «الصلاة» (١/ ٤٧٨) بابُ ما يُذكر في الفخذ، وقال: «وحديثُ أنسٍ أَسْنَدُ، وحديثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حتَّى يُخْرَج مِنِ اختلافهم»، وأخرجه أبو داود في «الحمَّام» باب النهي عن التعرِّي (٤٠١٤)، والترمذيُّ في «الأدب» بابُ ما جاء أنَّ الفَخِذ عورةٌ (٢٧٩٥، ٢٧٩٧، ٢٧٩٨)، ومالكٌ ـ مِنْ روايةِ أبي مُصعبٍ الزهريِّ المدنيِّ ـ في «الجامع» باب ما يُكْرَهُ مِنَ الصدقة (٢١٢٢). قال الحافظ ـ رحمه الله ـ في [«الفتح» (١/ ٤٧٨)]: «وحديثُه موصولٌ عند مالكٍ في «الموطَّإ» والترمذيِّ وحسَّنه، وابنِ حبَّان وصحَّحه، وضعَّفه المصنِّفُ في «التاريخ» للاضطراب في إسناده، وقد ذكَرْتُ كثيرًا مِنْ طُرُقه في «تغليق التعليق»»، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (١٦٨٣).

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ فضلِ مَنِ استبرأ لدِينه (٥٢)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٥٩٩)، مِنْ حديثِ النعمان بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما.