في وصول ثواب العبادات المالية إلى الميِّت | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 19 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٥٦٤

الصنف: فتاوى الجنائز

في وصول ثواب العبادات المالية إلى الميِّت

السـؤال: هل يَصِلُ ثوابُ العبادات التالية إلى الوالد المتوفَّى؟

١- الصدقة.

٢- الصدقة الجارية (كبناء مسجدٍ مثلاً).

٣- تلاوة القرآن.

٤- القربان.

٥- الأضحية.

وهل المسألة خلافيةٌ؟ وما ترجيحكم لها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فقد نقل النوويُّ(١) وابنُ كثيرٍ(٢) إجماعَ العلماء على وصول ثواب الدعاء والصدقةِ إلى الميِّت، ومستنَدُ الإجماعِ النصوصُ الدالَّة على مشروعية الدعاء للأحياء والأموات كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، ومن ذلك مشروعية الدعاء في صلاة الجنازة، والدعاءِ للميِّت بعد الدفن، والدعاءِ عند زيارة القبور.

أمَّا وصول الصدقة فبما ثبت عن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟» قَالَ: «نَعَمْ»(٣)، وقد روى البخاريُّ من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟» قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا»(٤)، وبما رواه مسلمٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلاً قال للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟» قَالَ: «نَعَمْ»(٥).

وفي الجملة فإنَّ العباداتِ الماليةَ: من صدقةٍ بمختلف وجوهها: عينيةٍ أو نقديةٍ أو بتقديم القرابين قابلةٌ للنيابة فيها على الأحياء والأموات، لذلك أقرَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قضاءَ الدَّيْنِ كما في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، وفيه: قضاء أبي قتادة عن الميِّت الغريم(٦)، وقد صحَّ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه أُتي بكبشٍ فذبحه بيده وقال: «بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي»(٧)، وفي رواية أحمد: أنه ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ قال في أحدهما: «اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ أُمَّتِي جَمِيعًا»(٨)، وفي الزكاة تحمَّل النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم زكاةَ عمِّه العبَّاس رضي الله عنه(٩)، كما وردت نصوصٌ شرعيةٌ أخرى في جواز النيابة في صوم النذر والحجِّ والعِتق وغيرِها استثناءً من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، ومن قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»(١٠)، لأنَّ هذه من كَسْبِهِ وعمله وما خلَّفه من آثارٍ صالحةٍ وصدقاتٍ جاريةٍ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، أمَّا إهداء ثواب القراءة إلى الميِّت فلم يَرِدْ في جوازه نصٌّ، ولم يكن من عادة السلف إهداءُ الثواب إلى الأموات -وهم أحرص الناس على الثواب-، وقد ذكر ابن كثيرٍ أنَّ الشافعيَّ -رحمه الله- استنبط من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] أنَّ قراءة القرآن «لا يصل إهداءُ ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس مِن عملهم ولا كسبِهم، ولهذا لم يَنْدُبْ إليه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمَّتَه، ولا حثَّهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنصٍّ ولا إيماءٍ، ولم يُنقل ذلك عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يُقتصر فيه على النصوص، ولا يُتصرُّف فيه بأنواع الأقيسة والآراء»(١١).

والجدير بالملاحظة والتنبيه أنَّ مِن الفروق بين الإهداء والنيابة أنَّ المُهديَ ينوي بنيَّته أصالةً ويُهدي ثوابَ عمله إلى الغير، أمَّا النيابة فينوي بنيَّة غيره نيابةً عنه ليصل إلى الأصيل ثوابُه، وعليه فإنَّ انقطاع انتفاع الرجل بانقطاع عمله بعد موته الذي هو مِن كسبِه يَلزم منه انقطاعُ عمل غيره الذي ليس هو من كسبه من بابٍ أَوْلى إلاَّ ما استثناه النصُّ الشرعيُّ.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٥ رمضان ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٨/ ٠٩/ ٢٠٠٦م


(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١١/ ٧١).

(٢) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣٣٠).

(٣) أخرجه البخاري في «الجنائز» باب موت الفجأة البغتة (١٣٨٨)، ومسلم في «الزكاة» (١٠٠٤)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٤) أخرجه البخاري في «الوصايا» باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمي فهو جائز، وإن لم يبين لمن ذلك (٢٧٥٦) من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه مسلمٌ في «الوصية» (١٦٣٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٦) أخرجه البخاري في «الحوالات» باب إن أحال دينَ الميِّت على رجلٍ جاز (٢٢٨٩) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

(٧) أخرجه أبو داود في «الضحايا» بابٌ في الشاة يضحَّى بها عن جماعةٍ (٢٨١٠)، والترمذي في «الأضاحي»  (١٥٢١)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. والحديث حسَّنه ابن حجر في «المطالب العالية» (٣/ ٣٢)، وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (٤/ ٣٤٩).

(٨) أخرجه أحمد (٢٧١٩٠)، من حديث أبي رافع رضي الله عنه.

(٩) أخرجه مسلم في «الزكاة» (٩٨٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٠) أخرجه مسلم في «الوصيَّة» (١٦٣١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(١١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣٣٠).