في حكم صلاة الجمعة في المنفى والقصر فيه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 14 صفر 1441 هـ الموافق لـ 13 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٦٠

الصنف: فتاوى الصلاة - الجمعة

في حكم صلاة الجمعة في المنفى والقصر فيه

السؤال:

نريد أَنْ نُعْلِم شيخَنا بواقعِ المنفى الذي نعيش فيه، وهو أنَّه لا يخفى عليكم بأنَّنا قُمْنا في أرضِ اللجوءِ والمنفى ـ منذ حوالَيْ ٣٠ سنةً ـ بتأسيسِ وزاراتٍ، وجميعِ هياكلِ الدولة ومَرافقِها، وانتشرَتْ حركةُ التجارة بيننا وبين الجزائر وموريتانيا، وقد استتبَّ الأمرُ منذ أَنْ تمَّ توقيفُ إطلاقِ النار الذي أشرفَتْ عليه الأُمَمُ المتَّحِدةُ سنةَ: (١٩٩١م)، وللعلم فإنَّ أهل المنطقة يفتقدون إلى أهل العلم، وفي المدَّة الأخيرة قامَتِ الدولةُ ببناءِ بعضِ المساجد، وتمَّ إقامةُ صلاةِ الجمعة فيها، وهي الخطوةُ التي لاقَتْ تجاوُبًا كبيرًا مِنَ الشعب، ولكِنْ تَفاجَأْنا ببعض الشيوخ الذين يُعارِضون بناءَها بحجَّةِ عدمِ الاستيطان، مع العلم بأنَّ جميعَ مرافقِ الحياة قد تمَّ بناؤُها ـ كما ذُكِرَ ـ ولم يعترضوا عليها.

ولذا نريد ـ مِنْ سيادتِكم ـ بيانَ الحكمِ الشرعيِّ في إقامةِ هذه الشعيرةِ العظيمةِ التي لا يستقيم أمرُ جماعةِ المسلمين دون إقامتِها، وما هو حُكْمُ مَنْ يَقْصُرُ الصلاةَ منذ (٣٠) سنةً ولا يصوم شهرَ رمضانَ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمِنَ المعلومِ ـ شرعًا ـ أنَّ صلاةَ الجمعةِ مُجْمَعٌ على فَرْضيَّتِها عينًا على المسلمِ البالغِ المُقيمِ القادرِ على السعيِ إليها الخالي مِنَ الأعذارِ المُبيحةِ للتخلُّفِ عنها، ومِنْ أهلِ الأعذارِ الذين يُرَخَّصُ لهم في التخلُّفِ عنها: المسافرُ ولو كان نازلًا وَقْتَ إقامتِها؛ فإنَّ أكثرَ أهلِ العلمِ على القولِ بعدمِ وجوبِها عليه؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُسافِر فيصلِّي الظُّهرَ والعصرَ جَمْعَ تقديمٍ جماعةً ولم يُصَلِّ جُمُعَتَه، غيرَ أنَّ النازلين بالمنفى المدَّةَ الطويلةَ أَشْبَهُ بالمُقيمين المُستوطِنين؛ بالنظرِ إلى عدمِ قدرتِهم على الرجوع إلى بلدِهم حالَ رغبتِهم في الانتقال إليه، فضلًا عن طبيعةِ سكنِهم والاستقرارِ به المتجلِّي في تعميرِ منطقتِهم بالمرافقِ الضروريةِ التي يحتاج إليها المُقيمُ، فهُمْ في حكمه؛ ويشهد لذلك فعلُ عثمانَ بنِ عفَّانَ رضي الله عنه: حين صلَّى بمِنًى أربعَ ركعاتٍ(١)، وإذا تقرَّرَتْ إقامتُهم وَجَب عليهم أداءُ هذه الشعيرةِ الخالدةِ وهي صلاةُ الجمعة، حيث أُمِرُوا بأدائِها والتجميعِ لها حتَّى في القرى وما دونها مِنْ أماكنِ التجمُّع؛ لقولِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه عندما سُئِلَ عن الجمعةِ فكَتَب إليهم: «جَمِّعُوا حَيْثُ كُنْتُمْ»(٢)، وروى ابنُ أبي شيبةَ ـ بسندٍ صحيحٍ ـ عن مالكٍ أنَّه قال: «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] فِي هَذِهِ المِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ يُجَمِّعُونَ»(٣)، وهذا ما يُوافِق النصوصَ الشرعيةَ العامَّةَ الآمرةَ بإقامتِها والمحذِّرةَ مِنْ تركِها كقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩[الجُمُعة]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ»(٤)، وضِمْنَ هذا المنظورِ يقول شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «فإنَّ كُلَّ قومٍ كانوا مُستوطِنين ببناءٍ مُتقارِبٍ لا يَظْعَنون عنه شتاءً ولا صيفًا تُقامُ فيه الجمعةُ؛ إِذْ كان مبنيًّا بما جَرَتْ به عادتُهم مِنْ مَدَرٍ وخشبٍ أو قصبٍ أو جريدٍ أو سعفٍ أو غيرِ ذلك؛ فإنَّ أجزاءَ البناءِ ومادَّتَه لا تأثيرَ لها في ذلك، إنَّما الأصلُ أَنْ يكونوا مُستوطِنين، ليسوا كأهلِ الخيامِ والحِلَلِ(٥) الذين ينتجعون ـ في الغالب ـ مواقعَ القَطْر، ويتنقَّلون في البقاعِ، وينقلون بيوتَهم معهم إذا انتقلوا، وهذا مذهبُ جمهورِ العلماء»(٦).

ـ أمَّا السؤالُ الثاني فهو متفرِّعٌ عن المسألة السابقة؛ فإنَّ المستوطِنَ المُجْمِع للإقامة في غيرِ بلدِه، إِنْ حطَّ رَحْلَه فيه وسَكَنه مُطمئِنًّا فإنه تجري عليه أحكامُ المُقيم ولا يُشْرَعُ له القصرُ؛ لأنَّ العبرةَ بنيَّة الإقامة الدائمة أو شِبْهِ الدائمة في البلد الذي استوطنه واستقرَّ فيه؛ لأنَّ «مَا قَارَبَ الشَّيْءَ أُعْطِيَ حُكْمَهُ»(٧) على ما تقرَّر في القواعد.

وبناءً عليه فإنَّ على مَنْ كان يقصرُ الصلاةَ إتمامَها، وعلى مَنْ أفطر رمضانَ قضاءَ أيَّامِه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ مِنَ المحرَّم ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٧ مارس ٢٠٠٥م

 


(١) انظر الحديثَ المُتَّفَقَ عليه الذي أخرجه البخاريُّ في «تقصير الصلاة» باب الصلاة بمِنًى (١٠٨٢)، ومسلمٌ في «صلاة المسافرين» (٦٩٤)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» (٥٠٦٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الألبانيُّ في «السلسلة الضعيفة» (٢/ ٣١٨): «إسناده صحيحٌ على شرط الشيخين».

(٣) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» (٥٠٧١)، وانظر: «تمام المِنَّة» للألباني (٣٣٢).

(٤) أخرجه مسلمٌ في «الجمعة» (٨٦٥) مِنْ حديثِ ابنِ عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم.

(٥) الحِلُّ والحِلال والحُلول والحِلَل: جماعةُ الحالِّ النازل، والمَحِلَّة: منزلُ القوم، وأرضٌ مِحْلالٌ: إذا أكثرَ القومُ الحلولَ بها، والحِلَّة: قومٌ نزولٌ، انظر: «العين» للخليل (٣/ ٢٦).

(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٤/ ١٦٦).

(٧) انظر هذه القاعدةَ في: «المنثور» للزركشي (٣/ ١٤٤)، «القواعد الفقهية» للزحيلي (٢/ ٩٦٧).