في حكم الطهارة للطواف | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 15 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 12 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٧٠٦

الصنـف: فتاوى الحج - الطواف والسعي

في حكم الطهارة للطواف

السـؤال:

هل يشترط إعادةُ الوضوء لِمَنْ انتقضه أثناء الطواف في شدّة الزحمة وخاف ضياع رفقته؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فلا تشترطُ طهارةُ الحَدَثِ في الطواف ولا تجبُ فيه، ولكن يُستحبُّ فيه الوضوءُ، وبه قال ابنُ حَزْمٍ وهو اختيارُ ابنِ تيميةَ وابنِ القَيِّمِ وغيرِهم من أهل التحقيقِ(١)، خلافًا لمن يرى أنّ الطهارة من الأحداث والأنجاس شرطٌ لصحة الطواف، وهو مذهب جمهور العلماء، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ في المشهور من مذهبه(٢)، أمّا مذهبُ أبي حنيفةَ وروايةٌ عن أحمدَ أنّ الطهارة من واجبات الطواف لا من شروطه(٣).

والاستحباب إنما في الطهارة من الحدث الأصغر، وأمّا الطهارة في الحدث الأكبر كالحيض والنفاس والجنابة، فالظاهر الصحيح أنّ الطواف لا يتمّ إلاّ بها، لحديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال لها –حينما حاضت-: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَلاَّ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»(٤)، وفي رواية مسلم: «حَتَّى تَغْتَسِلِي»(٥).

هذا، والذي يَستدِلُّ به المشترطون للطهارة للطواف مُطلقًا أنّ النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ»(٦)، وقد قال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»(٧)، فإنه يقتضي وجوبَ كلِّ ما فَعَلَه إلاّ ما قام الدليل على عدم وجوبه، واستدلّوا بقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلاَةٌ إِلاَّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلاَ يَتَكَلَّمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ»(٨)، وفي روايةٍ أخرى عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «قَالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فَالطَّوَافُ قَبْلَ الصَّلاَةِ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ بِمَنْزِلَةِ الصَّلاَةِ إِلاَّ أَنَّ اللهَ قَدْ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ، فَمَنْ نَطَقَ فَلاَ يَنْطِقْ إِلاَّ بِخَيْرٍ»(٩)، وبحديث عائشةَ أنّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَاضَتْ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَحَابِسَتُـنَا هِيَ؟» فَقِيـلَ لَهُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ، قَالَ: «فَلاَ إِذًا»(١٠). فمقتضى ذلك أنها لو لم تكن طافت للإفاضة لم يرحل حتى تَطْهُرَ من الحيض وتغتسلَ وتطوفَ.

هذا، ولا يخفى أنه ليس في الأدلة المتقدّمة ما يدلّ على وجوب الطهارة الصغرى فيه:

- أمّا طوافُه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم متوضّئًا وقد قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»؛ فإنّ الفعل لا يدلّ على الوجوب بَلْـهَ على الشرطيةِ، والأخذ عنه -كما قال ابن القيم- هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلاً على وجه الاستحباب فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه ولا تَأَسَّيْـنَا به، مع أنه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فعل في حَجّته أشياءَ كثيرةً جدًّا لم يوجبها أحدٌ من الفقهاء»(١١).

- أمّا حديث: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلاَةٌ»؛ فالمراد به شبيهٌ بالصلاة، وقد روي: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاَةِ»(١٢)، فهذا الشبه كشبه انتظار الصلاة بالصلاة، ففي قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلاَةِ فَهُوَ فِي الصَّلاَةِ»(١٣). وعليه، فالطواف صلاةٌ بالاسم العامِّ وليس بصلاة خاصة، والوضوء إنما يشترط للصلاة الخاصّة التي تحريمها التكبير وتحليلها التسليم في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»(١٤)، فدلّ على أنّ الطوافَ ليس كذلك فلا يُشترط فيه الطهارة. وقد تكون الصلاة بمعنى الدعاء على الحقيقة اللغوية، ومعنى ذلك أنّ الطواف هو موضع الدعاء ويستحبّ للدعاء الطهارة ولا يجب ولا يشترط.

- أمّا الاستدلال بالآية: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فليس إلحاقُ الطائف بالراكع الساجد أولى من إلحاقه بالعاكف بل العاكفُ أشبه؛ لأنّ المسجدَ شرطٌ في الطواف والعكوف وليس شرطًا في الصلاة.

- وأمّا حديث: «غَيْرَ أَلاَّ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»، وحديث: «أَحَابِسَتُـنَا هِيَ؟» فهو محمولٌ على الحدث الأكبر جمعًا بين الأدلة، مع هذا فيه من أهل التحقيق من رأى أنه لا دليلَ في مَنْعِهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم للحائض من الطواف، وإنما منعها خوفًا من أن تلوّث المسجد بدم الحيض.

فالحاصـل: أنّ ما عليه أكثر السلف استحباب الطهارة، وأنّ الوضوء للطواف ليس من مناسك الحجِّ، فإنه لم يَنقُلْ أَحَدٌ عن النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنه أمر المسلمين بالطهارة لا في عُمَرِهِ ولا في حَجَّته مع كثرة من حجّ معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا ولا يُبَـيّنه للأمّة، وتأخير البيان عن وقته لا يجوز كما هو مقرّر عند أهل الأصول.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٨ ربيع الأول ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٧ مارس ٢٠٠٧م


(١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (٢٦/ ١٩٩، ٢١٢)، «تهذيب السنن» لابن القيم: (١/ ٥٢).

(٢) «القوانين الفقهية» لابن جزي:(١١٦)، «المجموع للنووي»: (٨/ ١٥، ١٧).

(٣) «المبسوط» للسرخسي: (٤/ ٢٨)، «الإنصاف» للمرداوي: (٣/ ١٦).

(٤) أخرجه البخاري في «الحيض»، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف: (٢٩٩)، ومسلم في «الحج»، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج: (٢٩١٩)، ومالك في «الموطإ»: (٩٢٥)، وابن حبان في «صحيحه»: (٣٨٣٥)، وأحمد: (٢٥٨١٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٥) أخرجه مسلم في «الحج»، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج: (٢٩١٨)، وأبو يعلى في «مسنده»: (٤٧١٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٣٨٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٦) أخرجه البخاري في «الحج»، باب الطواف على وضوء: (١٥٦٠)، ومسلم في «الحج»، باب بيان أن المحرم بعمرة لا يتحلل بالطواف قبل السعي: (٣٠٠١)، وابن خزيمة في «صحيحه»: (٢٦٩٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٣٨١)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٧) أخرجه مسلم في «الحج»، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا: (٣١٣٧)، وأبو داود في «المناسك»، باب في رمي الجمار: (١٩٧٢)، والنسائي في «مناسك الحج»، باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم: (٣٠٦٢)، وأحمد: (١٤٧٠٩٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٦٠٨)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(٨) أخرجه الترمذي في «الحج»، باب ما جاء في الكلام في الطواف: (٩٦٠)، والنسائي في «مناسك الحج»، باب إباحة الكلام في الطواف: (٢٩٢٢)، والدارمي في «سننه»: (١٧٩١)، وابن حبان في «صحيحه»: (٣٨٣٦)، والحاكم في «المستدرك»: (١٦٨٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٣٨٤)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث صححه الألباني في «الإرواء»: (١٢١)، وانظر في وقفه أو رفعه ما كتبه ابن حجر في «تلخيص الحبير»: (١/ ١٩٥).

(٩) أخرجه الحاكم في «المستدرك»: (٣٠٥٦)، وصححه الألباني في «الإرواء»: (١/ ١٥٧).

(١٠) أخرجه البخاري في «الحج»، باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت: (١٦٧٠)، ومسلم في «الحج»، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض: (٣٢٢٥)، والترمذي في «الحج»، باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الإفاضة باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الإفاضة: (٩٤٣)، وابن ماجه في «المناسك»، باب الحائض تنفر قبل أن تودع: (٣٠٧٢)، وأحمد: (٢٣٥٩٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(١١) «تهذيب السنن» لابن القيم: (١/ ٥٣).

(١٢) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»: (٢٧٣٩)، والحاكم في «المستدرك»: (١٦٨٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٣٨٤)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(١٣) أخرجه مسلم في «المساجد»، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة: (١٣٦٠)، ومالك في «الموطإ»:(١٥٠)، وابن حبان في «صحيحه»: (٢١٤٨)، وابن خزيمة في «صحيحه»: (١٠٦٥)، وأحمد: (١٠٤٦٦)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٤) أخرجه أبو داود في «الطهارة»، باب فرض الوضوء: (٦١)، والترمذي في «الطهارة»، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور: (٣)، وابن ماجه في «الطهارة وسننها»، باب مفتاح الصلاة الطهور: (٢٨٨)، وأحمد: (١٠١٨)، والدارمي: (٧١٢)، والدارقطني في «سننه»: (١٣٧٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٢٣٥٣)، من حديث علي رضي الله عنه. والحديث حسنه البغوي في «شرح السنة»: (٢/ ١٨٤)، والنووي في «الخلاصة»: (١/ ٣٤٨)، وصححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد»: (٢/ ٢٤٠)، والألباني في «صحيح الجامع»: (٥٨٨٥).