في الاحتجاج بخبر الواحد في القطعيات | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٧٥٤

الصنـف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

في الاحتجاج بخبر الواحد في القطعيات

السـؤال:

قال العلاَّمةُ ابنُ باديس -رحمه الله- في «تفسيره»: «إنَّ السُّنَّة النبويةَ والقرآن لا يتعارضان، ولهذا يُردُّ خبرُ الواحد إذا خالف القطعيَّ من القرآن»، فما هو تعليقكم؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فإنّ ما قرّره ابنُ باديس في تفسيره من أنّ خبرَ الواحدِ لا يُقبَلُ إذا خالفه القطعي هو مذهبُ المعتزلة وبعضِ المتكلّمين، وبه قال أبو الحسنِ البصريٌّ والسمرقنديُّ والقَرافيُّ والصفي الهندي وغيرُهم(١)، وهو مخالفٌ لأكثرِ أهل الفقه والحديث، قال ابنُ عبد البرّ –رحمه الله- : «وعلى ذلك أكثرُ أهلِ الفقه والأثرِ، وكلُّهم يدينُ بخبر الواحد العَدْلِ في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في مُعتقده، على ذلك جماعةُ أهل السُّنَّة»(٢).

وعمومُ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّة تقضي بوجوب قَبول خبرِ الواحد مُطلقًا من غير تفريقٍ بين القطعيِّ والظنيِّ، فقد أوجب اللهُ تعالى الحذرَ بقول الواحد في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، كما جعل عِلَّةَ ردِّ الأخبارِ هي الفسق لا الوحدة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، وقد دعا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لحامِلِ الفقه وأقرَّهُ على الرواية من غير تفريق مع عدم فقهه وعلمه في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ»(٣).

هذا، وسَلَفُ الأُمَّة من الصحابة فمن بعدهم كانوا يتلقَّون أخبار الآحاد في القطعيات والظنِّيَّات ويثبتونها بدون ردّ لأي منها لمجرّد كونه خبر آحاد في القطعيات، ويدلّ لذلك روايتهم لتلك الأخبار وتناقلها وتلقِّيها وتحصيلها ونقلها وتفسيرها بمقتضى اللغة بما يليق بها والقول بمدلولها، بل إنهم أدخلوا مفادَ تلك الأخبار في مُعتقداتهم وصرّحوا بتبديع أو تفسيق أو تخطئة مخالفها(٤).

وعليه، فإنّ أقوى الأقوال دليلاً وأصحَّها نظرًا مذهبُ الجمهور القائلين بصحّة الاحتجاج بخبرِ الواحد المرفوعِ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بإسنادٍ صحيحٍ سواء في القطعيات أو الظنِّـيَّات، وضعف أدلة ما سواه على ما هو مُثْبَتٌ في مَوْضِعِهِ.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١ رمضان ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٣ سبتمبر ٢٠٠٧م


(١) انظر «المعتمد» لأبي الحسين البصري: (٢/ ٩٦، ١٠٢)، و«العدّة» لأبي يعلى: (٢٤٥٩)، «المحصول» للفخر الرازي: (٢/ ٢١٧)، «ميزان الأصول» للسمرقندي: (٢/ ٧٥، ٨١)، «كشف الأسرار» للبخاري: (٣/ ٢٧)، «البحر المحيط» للزركشي: (٤/ ٢٥٧)، «الكفاية» للخطيب البغدادي: (٤٣٢)، «المسودة» لآل تيمية: (٢٤٩).

(٢) «التمهيد» (١/ ٨).

(٣) أخرجه أبو داود في «العلم»، باب فضل نشر العلم: (٣٦٦٠)، والترمذي في «العلم»،باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع: (٢٦٥٦)، والدارمي في «سننه» (٢٣٣)، وأحمد في «مسنده»: (٢١٢٠٨)، من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (٤٠٤)، والوادعي في «الصحيح المسند»: (٣٥٨).

(٤) «التمهيد» لابن عبد البر: (١/ ٨)، «مختصر الصواعق المرسلة» لابن القيم: (٢/ ٨-٦).