في حكم صيامِ مَنْ علِمَتْ أنها تطهر مِنْ حيضها بعد الفجر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 19 رمضان 1440 هـ الموافق لـ 24 مايو 2019 م

الفتوى رقم: ٧٨

الصنف: فتاوى الصيام - أحكام الصيام

في حكم صيامِ مَنْ علِمَتْ أنها تطهر مِنْ حيضها بعد الفجر

السؤال:

الحائضُ إذا علِمَتْ بأنها طاهرٌ في الصباح: هل تصومُ ذلك اليومَ وتقضيه لأنها لم تُبيِّتِ النيَّةَ مِنَ الليل أم أنَّ صيامَها صحيحٌ؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا تثبَّتَتِ الحائضُ مِنِ انقطاعِ دَمِها في رمضانَ وتيقَّنَتْ مِنْ طُهرها:

ـ فإمَّا أَنْ يكون طُهرُها مِنْ حيضها قبل طلوع الفجر الصادق ولو بزمنٍ يسيرٍ فنَوَتِ الصومَ فإنه يَلْزَمُها أداؤه، وصومُها صحيحٌ، ولا قضاءَ عليها، ولا يؤثِّر تأخيرُ اغتسالِها وإرجاءُ تطهُّرِها إلى ما بعد طلوع الفجر على صحَّةِ صيامها؛ لأنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ»(١) بعد طلوع الفجر، ولكِنْ لا يجوز لها أَنْ تؤخِّر الاغتسالَ إلى ما بعد طلوع الشمس، سواءٌ في رمضانَ أو في غيره، لتعلُّقِ أمر الاغتسال بوقت الصلاة المحدَّدِ لها، الذي لا يجوز تجاوُزُه إلَّا مِنْ عذرٍ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣[النساء].

ـ أمَّا إذا تيقَّنَتْ طُهرَها مِنَ الحيض بعد طلوع الفجر الصادق ولو بزمنٍ قليلٍ فإنه يَلْزَمُها قضاؤه قولًا واحدًا(٢)، غير أنَّ العلماء ـ في هذه الحالة ـ يختلفون في حكمِ إمساكِها بقيَّةَ اليومِ على مذهبين: والذي أَميلُ إليه هو القولُ بلزومِ إمساكِها بقيَّةَ يومِها، وهو مذهبُ أبي حنيفة والمشهورُ مِنْ مذهبِ أحمد، خلافًا لقولِ مالكٍ والشافعيِّ، ولكِنْ لا يُعتَدُّ بإمساكها ولا يُحسَبُ لها، بل يبقى القضاءُ عليها قائمًا وإِنْ أُثِيبَتْ عليه فضلًا مِنَ الله ومِنَّةً، وذلك احترامًا لحُرمة الشهر المُبارَك؛ ولِمَا علَّل به ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ المسألةَ في قوله: «فأمَّا مَنْ يُباحُ له الفطرُ في أوَّلِ النهار ظاهرًا وباطنًا ـ كالحائض والنُّفَساء، والمسافرِ والصبيِّ والمجنون والكافر والمريض ـ إذا زالت أعذارُهم في أثناء النهار، فطَهُرَتِ الحائضُ والنُّفَساء، وأقام المسافر، وبلغ الصبيُّ، وأفاق المجنونُ، وأسلم الكافرُ، وصحَّ المريضُ المُفطِرُ، ففيهم روايتان: إحداهما: يلزمهم الإمساكُ في بقيَّةِ اليوم، وهو قولُ أبي حنيفة والثوريِّ والأوزاعيِّ والحسن بنِ صالحٍ والعنبريِّ؛ لأنه معنًى لو وُجِد قبل الفجر أَوجبَ الصيامَ، فإذا طَرَأ بعد الفجر أوجبَ الإمساكَ، كقيام البيِّنة بالرؤية؛ والثانية، لا يَلْزَمهم الإمساكُ، وهو قول مالكٍ والشافعيِّ»(٣)

ـ أمَّا إذا كان طُهرُها مِنْ حيضها قبل طلوع الفجر الصادق ولو بزمنٍ يسيرٍ، ولم تتفطَّنْ لذلك إلَّا بعد الفجر، وتيقَّنت أنه قبل الفجر؛ فإنها تنوي الصومَ ـ حينَئذٍ ـ وتُمسِكُ لزومًا، وصيامُها صحيحٌ على الراجح؛ لأنَّ تبييتَ النيَّة مِنَ الليل غيرُ مقدورٍ عليه في حقِّها، وقِيلَ: هذه الصورةُ مخصَّصةٌ مِنْ حديثِ حفصة رضي الله عنها عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ»(٤)؛ فالخبرُ فيه دليلٌ على وجوبِ تبييت النيَّة وإيقاعِها في جزءٍ مِنْ أجزاء الليل، غيرَ أنه محمولٌ على مَنْ دَخَل ذلك تحت قُدرته؛ إذ «لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِمَقْدُورٍ»، ويُستثنى مِنْ ذلك كُلُّ مَنْ لم يدخل تحت القدرة فظَهَر له وجوبُ الصيام عليه مِنَ النهار: كالصبيِّ يحتلم والمجنونِ يُفيق والكافرِ يُسلم، وكمَنِ انكشف له في النهار أنَّ ذلك اليومَ مِنْ رمضان، عملًا بحديثِ سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ رضي الله عنه عند الشيخين: أَمَرَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ: «أَذِّنْ فِي النَّاسِ: أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ»(٥)، وحديثِ الرُّبَيِّعِ بنتِ معوِّذ بنِ عفراء رضي الله عنهما قالت: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ»»(٦).

ـ أمَّا إذا شكَّتِ المرأةُ في انقطاعِ دَمِها: هل كان قبل الفجر الصادق أم بعده؟ «فإنه يجب عليها الإمساكُ لاحتمالِ طُهرِها قبله، والقضاءُ لاحتماله بَعْدَه»(٧).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» باب الصائم يصبح جُنُبًا (١٩٢٦)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٠٩)، مِنْ حديثِ عائشة وأمِّ سلمة رضي الله عنهما. ومِنْ ألفاظ مسلمٍ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَصُومُ».

(٢) انظر: «مراتب الإجماع» لابن حزم (٤٠)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٣٥).

(٣) «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٣٤).

(٤) أخرجه أبو داود في «الصوم» باب النيَّة في الصيام (٢٤٥٤)، والترمذيُّ في «الصوم» بابُ ما جاء: لا صيامَ لمَنْ لم يعزم مِنَ الليل (٧٣٠)، والنسائيُّ في «الصيام» (٢٣٣٢)، وابنُ ماجه في «الصيام» بابُ ما جاء في فرض الصوم مِنَ الليل (١٧٠٠)، مِنْ حديثِ حفصة رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٥٣٨).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» بابُ صيامِ يومِ عاشوراءَ (٢٠٠٧)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٣٥)، مِنْ حديثِ سَلَمةَ بنِ الأكوع رضي الله عنه.

(٦) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» بابُ صومِ الصبيان (١٩٦٠)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٣٦)، مِنْ حديثِ الربيِّع بنتِ معوِّذ بنِ عفراء رضي الله عنهما. وتمامه: قَالَتْ: «فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ».

(٧) «حاشية الدسوقي» على «الشرح الكبير» للدردير (١/ ٥٢٢).