في حكمِ صيامِ مَنْ علِمَتْ أنها تطهر مِنْ حيضها بعد الفجر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 13 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 21 مايو 2024 م



الفتوى رقم: ٧٨

الصنف: فتاوى الصيام ـ أحكام الصيام

في حكمِ صيامِ مَنْ علِمَتْ أنها تطهر مِنْ حيضها بعد الفجر

السؤال:

الحائضُ إذا علِمَتْ بأنها طاهرٌ في الصباح: هل تُمسِكُ ذلك اليومَ وتقضيه لأنها لم تُبيِّتِ النيَّةَ مِنَ الليل أم أنَّ صيامَها صحيحٌ؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا تيقَّنَتِ الحائضُ مِنْ طُهْرِها أنَّه كان بعد طلوع الفجر الصَّادق ـ ولو بزمنٍ قليلٍ ـ فإنَّ الواجبَ عليها أَنْ تقضيَه قولًا واحدًا(١)، ويَلزَمُها ـ على الراجح ـ إمساكُ بقيَّةِ يومِها احترامًا لحُرمة الشهر المُبارَك، ولا يُحسَبُ لها؛ أي: يبقى القضاءُ عليها قائمًا في حقِّها، وإِنْ أُثِيبَتْ عليه فبفضلٍ مِنَ الله ومِنَّةٍ وهذا على الصحيح مِنْ أقوال العلماء.

أمَّا إذا تيقَّنتِ الحائض مِنْ طُهْرِها أنَّه كان قبل طلوع الفجر الصَّادق ـ ولو بزمنٍ يسيرٍ ـ ولم تتفطَّنْ لذلك إلَّا بعد الفجر، فإنها تنوي الصومَ ـ حينَئذٍ ـ وتُمسِكُ لزومًا، وصيامُها صحيحٌ على الراجح؛ لأنَّ تبييتَ النيَّة مِنَ الليل غيرُ مقدورٍ عليه في حقِّها؛ وقِيلَ: هذه الصورةُ مخصَّصةٌ مِنْ حديثِ حفصةَ رضي الله عنها عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أنه قال: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ»(٢)؛ فالخبرُ فيه دليلٌ على وجوبِ تبييت النيَّة وإيقاعِها في جزءٍ مِنْ أجزاء الليل، غيرَ أنه محمولٌ على مَنْ دَخَل ذلك تحت قُدرتِه؛ إذ «لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِمَقْدُورٍ»؛ ويُستثنى مِنْ ذلك كُلُّ مَنْ لم يدخل تحت القدرة فظَهَر له وجوبُ الصيام عليه مِنَ النهار: كالصبيِّ يحتلم والمجنونِ يُفيق والكافرِ يُسلم، وكمَنِ انكشف له في النهار أنَّ ذلك اليومَ مِنْ رمضانَ؛ عملًا بحديثِ سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ رضي الله عنه عند الشيخين: أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ: «أَذِّنْ فِي النَّاسِ: أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ»(٣)، وحديثِ الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعوِّذ بنِ عَفْراءَ رضي الله عنهما قالت: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ»»(٤).

أمَّا إذا شكَّتِ الحائض في طُهْرِها: هل انقطع قبل الفجر الصادق أم بعده؟ «فإنه يجب عليها الإمساكُ لاحتمالِ طُهرِها قبله، والقضاءُ لاحتماله بَعْدَه»(٥).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) انظر: «مراتب الإجماع» لابن حزم (٤٠)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٣٥).

(٢) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٨٢٣) باب النيَّة في الصيام (٢٤٥٤)، والترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ١٠٨) بابُ ما جاء: لا صيامَ لمَنْ لم يعزم مِنَ الليل (٧٣٠)، والنسائيُّ في «الصيام» (٤/ ١٩٦) رقم: (٢٣٣٢)، وابنُ ماجه في «الصيام» بابُ ما جاء في فرض الصوم مِنَ الليل (١٧٠٠)، وأحمد في «مسنده» (٦/ ٢٨٧)، والبيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٤/ ٢٠٢)، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (٦/ ٢٦٨)، مِنْ حديثِ حفصة رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٥٣٨).

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٤٠) باب: إذا نوى بالنهار صومًا (١٩٢٤)، و(٤/ ٢٤٥) بابُ صيامِ يومِ عاشوراءَ (٢٠٠٧)، ومسلمٌ في «الصيام» (٨/ ١٣) بابُ صومِ يومِ عاشوراء (١١٣٥)، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (٦/ ٣٣٥)، مِنْ حديثِ سَلَمةَ بنِ الأكوع رضي الله عنه.

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» بابُ صومِ الصبيان (١٩٦٠)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٣٦)، مِنْ حديثِ الربيِّع بنتِ معوِّذ بنِ عفراء رضي الله عنهما؛ وتمامُه: قَالَتْ: «فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ».

(٥) «حاشية الدسوقي» على «الشرح الكبير» للدردير (١/ ٥٢٢).