في تفنيد الاستدلال بحديثِ « افعلي ما يفعله الحاجُّ » على عدم اشتراط الطهارة للحائض في مسِّ المصحف | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 19 صفر 1441 هـ الموافق لـ 18 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٨٣١

الصنف: فتاوى الطهارة - الحيض والنفاس

في تفنيد الاستدلال بحديثِ: «افعلي ما يفعله الحاجُّ»
على عدم اشتراط الطهارة للحائض في مسِّ المصحف

السؤال:

ما جوابكم عمَّنِ استدلَّ على عدمِ اشتراط الطهارة لمَسِّ المصحف للحائض والجُنُب والمُحْدِث بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم لعائشة رضي الله عنها في حَجَّةِ الوداع ـ لمَّا حاضَتْ ـ: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ»(١)، مِنْ جهةِ أَنَّه أُبِيحَ لها ما أُبيحَ للحاجِّ، ولم يَرِدْ فيه الحَظْرُ مِنْ مَسِّ المصحف للحائض. وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فجوابه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَّق حُكْمَها بوصفِ: «الحاجِّ» لبيانِ ما يجوز في النُّسُك للحائض المُحْرِمة وما يَحْرُمُ عليها؛ فلا يحتاج المَقامُ ـ حالتَئذٍ ـ إلى بيانِ حكم مَسِّ القرآن؛ لأنَّه ليس مِنْ شعائر الحجِّ ومَناسِكِه؛ فشأنُه أَنَّه ليس مِنْ لوازمِ الحجِّ كصوم الحاجِّ؛ فإنَّه يصحُّ الصومُ منه دون الحائض ـ كما هو معلومٌ ـ ومع ذلك لم يَمنعِ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عائشة رضي الله عنها منه في الحديث السابق، ولا يعني ذلك جوازَه لها.

غايةُ ما في الأمر أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان في مَعْرِضِ بيانِ خصوصِ ما يتعلَّق بمَناسِكِ الحجِّ للحائض المُحْرِمة، وأَمْرُ الصومِ ومسِّ القرآن ليسَ مِنْ مُتعلِّقاته صِحَّةً وبطلانًا؛ وعليه فإنَّ السكوت عن مَسِّ المصحف في الحديث ليس دليلًا في المسألة ولا نصًّا في إباحته.

ولو سُلِّم جوازُه فإنَّما يُستدَلُّ عليه بورود الحديث مُطلقًا مُقرِّرًا للبراءة الأصلية ومُبْقِيًا لها، وقد جاء ما يُفيدُ تقييدَه بما ثَبَتَ مِنْ حديثِ عمرو بنِ حزمٍ رضي الله عنه في كتابه: «لَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»(٢)، فهو خبرٌ ناقِلٌ عن أصل البراءة، و«النَّاقِلُ عَنْهُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيم»(٣)؛ لِمَا يُفيدُه مِنْ حكمٍ شرعيٍّ ليس موجودًا في الخبر المبقي للبراءة الأصلية، وما كان كذلك فهو أَوْلى بأَنْ تُشغَل الذِّمَّةُ به، خاصَّةً إذا كان الحكمُ الشرعيُّ الجديد الذي أفاده الحظرَ؛ لِمَا تَقرَّرَ ـ أصوليًّا ـ بأنَّ «الدَّلِيلَ الحَاظِرَ مُقَدَّمٌ عَلَى المُبِيحِ»؛ إذ تركُ المُباحِ لاجتناب المحرَّم أَوْلَى مِنْ عكسِه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٣ مِنَ المحرَّم ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٣١ جانفي ٢٠٠٨م

 


(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحيض» باب: تقضي الحائضُ المناسكَ كُلَّها إلَّا الطوافَ بالبيت (٣٠٥)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١١).

(٢) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ»(١/ ١٩٩)، والدارميُّ (٢٣١٢) مختصرًا، وعبد الرزَّاق (١/ ٣٤١) رقم: (١٣٢٨)، والدارقطنيُّ (٤٣٧، ٤٣٩)، والحاكم (١/ ٣٩٥) رقم: (١٤٤٧)، والبيهقيُّ (٤٠٩).

(٣) هذا عند جمهور الأصوليِّين، وذَهَبَ الفخر الرازيُّ إلى تقديمِ ما كان مقرِّرًا لحكم البراءة على ما كان ناقلًا عنها، واختاره البيضاويُّ؛ لاعتضاد المقرِّر بدليل الأصل.

انظر:«المعونة» للشيرازي (٢٧٦)، «المحصول» للفخر الرازي (٢/ ٢/ ٥٧٩)، «روضة الناظر» لابن قدامة (٢/ ٤٦١)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٤٢٤)، «المسوَّدة» لآل تيمية (٣١٤)، «الإبهاج» للسبكي وابنه (٣/ ٢٣٣)، «نهاية السول» للإسنوي (٣/ ٢٤٢)، «تقريب الوصول» لابن جُزَيٍّ ـ بتحقيقي ـ (٢٠٤)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٧٩)، «نشر البنود» للعلوي (٢/ ٢٩٩).