في العزم على التَّزوُّج من ثيِّبٍ مطلَّقةٍ مع المعارضة الأبوية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 17 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 18 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ٨٣٨

الصنـف: فتاوى الأسرة - عقد الزواج - إنشاء عقد الزواج

في العزم على التَّزوُّج من ثيِّبٍ مطلَّقةٍ
مع المعارضة الأبوية

السـؤال:

عزمتُ على الزواج من امرأةٍ مُطلَّقةٍ لها بنتٌ، والذي دفعني إلى ذلك كونُها على دِينٍ وخُلُقٍ، ولأنِّي أَوَدُّ جَبْرَ كَسْرِهَا ومواساتَها في مصيبتها، لكنِّي وجدتُ معارضةً من أبويَّ تمسُّكًا بالعُرف السائد، فأودُّ من شيخنا أن يرشدَنا بكلمةٍ توجيهيةٍ تكون مفتاحَ خيرٍ ينشرح لها صدرُ الوالدين، وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فعلى المسلم أن يتحرَّى في اختياره الزوجةَ الصالحةَ صاحبةَ دِينٍ وخُلُق، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»(١)، وأن تكون ممَّن تحفَظ مالَه، وتصون عِرضَهُ، وترعى حالَه، وتحنو على ولده، وترضى باليسير، وتترك التبذيرَ والإسرافَ في الإنفاق، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ»(٢)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدٍ»(٣).

هذا، والأفضلُ في اختيار الزوجة أن تكون بِكْرًا، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِاليَسِيرِ»(٤)، وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال له رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «فَهَلاَّ بِكْرًا تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ»(٥)، غير أنه إن وَجَدَ في الثَّيِّبِ مَزِيَّةً على البِكْرِ في التمسُّك بدينِها، والخِبرة في حسن معاملتها للزوج، والصبر على خدمته، فكان اختيار الثَّيِّب للزواج أفضل، وقد صَوَّبَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم تعليلَ جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حيث قال: «إِنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ»، فقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «بَارَكَ اللهُ لَكَ -أَوْ خَيْرًا-»(٦).

هذا، وإذا انصرف اختيارُ العاقلِ للثَّيِّب للمقاييس السابقة فلا ينبغي أن يُهْمَلَ اختيارُه ويُمنَع من الثَّيِّب إن رغب فيها، سواءٌ من الوالدين أو غيرهما، خاصَّةً إن وجد في الثَّيِّب معونةً له على دِينه ومساندةً له على راحته، فيواسيها في مصيبتها بالزواج ويتكفَّل بالربيبة ليحقِّق قولَه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا»، وأشار إلى السبَّابة والوسطى(٧). ولا ينبغي للعُرْف السائد أن يكون صادًّا عمَّا شَرعه اللهُ للناس إذ لم يُفَرِّقِ الشرعُ من حيث الصلاحُ والدِّين بين البِكر والثيِّب، فمَنْ يتحلَّى بهما منهنَّ كان الأَوْلَى والأفضل، لعموم قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ رَزَقَهُ اللهُ امْرَأَةً صَالِحَةً فَقَدْ أَعَانَهُ عَلَى شَطْرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي الشَّطْرِ البَاقِي»(٨)، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ»(٩).

فاللهَ نَسألُ أن يوفِّقكم لأسباب السعادة في الدُّنيا والآخرة، ويُبعد عنكم أسبابَ الشَّقاء وعواملَ الفساد، وأن يجمع كلمةَ والديكم على الخير وعلى صِحَّة اختياركم.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٧ من المحرَّم ١٤٢٤ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٤/ ٠٢/ ٢٠٠٨م


(١) أخرجه البخاري في «النكاح» باب الأكفاء في الدين (٤٨٠٢)، ومسلم في «الرضاع» (٣٧٠٨)، وأبو داود في «النكاح» باب ما يؤمر به من تزويج ذات الدين (٢٠٤٧)، والنسائي في «النكاح» باب كراهية تزويج الزناة (٣٢٣٠)، وابن ماجه في «النكاح» باب تزويج ذات الدين (١٨٥٨)، وأحمد في «مسنده» (٩٧٦٩)، والدارمي في «سننه» (٢٢٢٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.  

(٢) أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» (١٢٢٨)، وأحمد في «مسنده» (١٢٩٤٨)، والطبراني في «الأوسط» (١/ ١/ ١٦٣)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٤٩٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٣٨٥٨)، من حديث أنسٍ رضي الله عنه. وأخرجه أبو داود في «النكاح» (٢٠٥٠)، والنسائي في «النكاح» (٣٢٢٧)، والمحاملي في «الأمالي» (٢١)، من حديث معقل بن يسارٍ رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٤٧٤)، وصحَّحه ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٢٩٣)، والألباني في «الإرواء» (١٧٨٤)، وفي «آداب الزفاف» (ص: ١٣٢).

(٣) أخرجه البخاري في «النفقات» باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة (٥٠٥٠)، ومسلم في «فضائل الصحابة» (٦٤٥٦)، وأحمد في «مسنده» (٩٥٠٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه ابن ماجه في «النكاح» باب تزويج الأبكار (١٨٦١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٣٧٥٨)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (١/ ١٤٤)، من حديث عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاريِّ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا، والحديث حسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦٢٣).

(٥) أخرجه البخاري في «النكاح» باب تستحدُّ المغيبة وتمتشط الشعثة (٤٩٤٩)، ومسلم في «الرضاع» باب استحباب نكاح البكر (٣٦٣٧)، وأحمد في «مسنده» (١٣٨٩٤)، والطيالسي في «مسنده» واللفظ له (١/ ٢٣٧)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(٦) أخرجه البخاري في «النفقات» باب عون المرأة زوجها في ولده (٥٠٥٢)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(٧) أخرجه البخاري في «الأدب» باب فضل من يعول يتيمًا (٥٦٥٩)، وأبو داود في «الأدب» باب في من ضمَّ اليتيم (٥١٥٠)، والترمذي في «البر والصلة» باب ما جاء في رحمة اليتيم وكفالته (١٩١٨)، وابن حبَّان في «صحيحه» (٤٦٠)، وأبو يعلى في «مسنده» (٧٥٥٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٢٩٣٠)، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما.

(٨) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٧٥)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (١/ ٢٩٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٣٨٣)، من حديث أنس رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩١٦).

(٩) أخرجه مسلم في «الرضاع» (٣٦٤٩)، وابن ماجه في «النكاح» باب أفضل النساء (١٨٥٥)، من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.