في تعيين المراد بالمسجد الحرام | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 24 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 25 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ٨٤٣

الصنف: فتاوى الحج - أحكام الحج

في تعيين المراد بالمسجد الحرام

السؤال:

هل أجرُ الصلاة في المسجد الحرام يُلْحَق به بقيَّةُ مساجِدِ مكَّةَ؟ مع التفصيل إِنْ أمكن، وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فيُطْلَقُ لفظُ «المسجد الحرام» ويُرادُ به مَعَانٍ متعدِّدةٌ، منها: الكعبةُ كما في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُ[البقرة: ١٤٤]، وقد يُرادُ به: الكعبةُ وما حولها كما في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ..﴾ [التوبة: ١٩]، وقد يُرادُ به الحَرَمُ كُلُّهُ بحدوده المعروفة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَا[التوبة: ٢٨]، وقد يُرادُ به: مكَّةُ كما في قوله تعالى: ﴿.. ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ[البقرة: ١٩٦].

هذا، ولا خلافَ بين العلماء في دخولِ الكعبةِ وما حَوْلَها في المسجد الحرام، ولكنَّ الخلاف فيما عَدَاهُما، وسببُ اختلافهم يرجع إلى المعاني السابقةِ للمسجد الحرام، وفي تقديري أنَّ قَصْرَ المسجدِ الحرام على الكعبة وما حولها هو الأقربُ إلى الصواب، وهو مذهبُ الشافعيِّ وبعضِ المالكية، خلافًا لمَنْ يرى أنه الحَرَمُ كُلُّه بحدوده المعروفة، وهو مذهبُ بعضِ الشافعية وأكثرِ الأحناف والحنابلة، وهو المنقولُ عن ابنِ عبَّاسٍ وأبي هريرة رضي الله عنهم، وخلافًا لمَنْ عمَّمه على كُلِّ مكَّة، ويمكن أَنْ يُعَلَّلَ هذا الاختيارُ بما يلي:

· أنَّ القَدْرَ المكانيَّ المتمثِّلَ في الكعبة وما حَوْلَها متَّفَقٌ عليه بين العلماء.

· ولأنَّ جريانَ عُرْفِ الناسِ في اعتبار المسجد: مكانَ إيقاعِ الصلاة في الكعبة وما حولها، ويشهد لذلك قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ»(١)، وتنصرف الإشارةُ بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «هَذَا» إلى المعهود في زمَنِه صلَّى الله عليه وسلَّم، والأجرُ إنما خُصَّ بمَوضِعِ الصلاة؛ فكان مُرادُه: الكعبةَ وما حولها، وممَّا يشهد لذلك: قولُه تعالى: ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ [المائدة: ٩٧]، وقولُه تعالى: ﴿.. لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ ..﴾ [الفتح: ٢٧]، وقولُه تعالى: ﴿.. وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ..﴾ [الحج: ٢٥]؛ فإنما يُرادُ بهذه الآياتِ: الكعبةُ وما حولها.

· ولأنَّ الثابت أنه أُسْرِيَ به مِنَ المسجد الحرام كما ثَبَتَ في «الصحيحين»(٢)، وذلك في قوله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا[الإسراء: ١]، ولا يُعارَضُ بروايةِ إسرائه مِنْ بيتِ أمِّ هانئٍ رضي الله عنها الذي هو داخِلَ حدودِ الحَرَم لأنها روايةٌ مُرْسَلةٌ، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: «أَرْسَلَ هذا الحديثَ غيرُ واحدٍ مِنَ التابعين وأئمَّةِ المفسِّرين»(٣)، وعلى فَرْضِ صحَّتِها فهي مُعارَضةٌ بالروايات الصحيحة التي تُقدَّمُ عليها؛ بالنظر إلى أنه لم يَثْبُتْ له إسراءٌ إلَّا مرَّةً واحدةً؛ لذلك يَتعذَّرُ الجمعُ بين الروايتين.

· أمَّا الآيات التي تقتضي ـ بظاهِرِها ـ شمولَ الحَرَم كُلِّه وكذا عموم مكَّةَ فيمكن الجوابُ عنها مِنْ جهتين:

الأولى: أنه مِنْ إطلاقِ الكُلِّ وإرادةِ الجزء.

الثانية: أنها مُحتمِلةُ الشمولِ وغيرُ متيقَّنةٍ، والمعلومُ أنه: «لَا يُتْرَكُ المُتَيَقَّنُ لِلْمُحْتَمَلِ»، و«لَا المُحَقَّقُّ لِلْمُوهَمِ».

· ولأنَّ قَصْرَ المسجدِ الحرام على الكعبة وما حَوْلَها في تحصيلِ الأجر عَمَلٌ بالاحتياط، وهو الأَوْلَى بالأخذ به؛ لسلامته وقُرْبِه مِنْ تحصيل المصلحة.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٥ صفر ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٢ فبراير ٢٠٠٨م

 


(١) أخرجه البخاريُّ في «فضلِ الصلاة في مسجد مكَّةَ والمدينة» بابُ فضلِ الصلاة في مسجد مكَّةَ والمدينة (١١٩٠)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٩٤)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه البخاريُّ في «المناقب» باب: كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم تَنامُ عينُه ولا يَنامُ قلبُه (٣٥٧٠)، ومسلمٌ في «الإيمان» (١٦٢)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. ولفظُ مسلمٍ: «..عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ..».

(٣) «تفسير ابنِ كثير» (٣/ ٢١).