في مستقرِّ الأرواح بعد الموت إلى قيام الساعة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 20 صفر 1441 هـ الموافق لـ 19 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٨٩٨

الصنـف: فتاوى العقيدة - أركان الإيمان - اليوم الآخر

في مستقرِّ الأرواح بعد الموت إلى قيام الساعة

السـؤال:

وَرَدَ في بعض الأحاديث عن مكانِ أرواح الأنبياء والشهداء والصالحين في حياة البرزخ، ولكن حَسَب اطلاعي المتواضع جدًّا لم يرد أيُّ شيءٍ عن أرواح الصِّدِّيقين فهلاَّ أفدتمونا في هذا الجانب؟ بارك الله فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فقد تعدَّدتِ الأقوالُ في مسألة مُستقَرِّ الأرواح ما بين الموتِ إلى قيام الساعة على أقوال لَخَّصها ابنُ أبي العِزِّ الحنفي في «شرح العقيدة الطحاوية»(١)، وأصل هذه المسألة يعود مبناه إلى ما أجمع عليه أهلُ السُّنَّةِ على أَنَّ الروحَ مُحدَثةٌ مخلوقةٌ مصنوعة ومربوبة ومدَبَّرةٌ، وممَّن نقل الإجماعَ محمَّدُ بنُ نصر المَرْوَزِيُّ، وابنُ قُتيبةَ وغيرُهما، وهو معلومٌ بالضرورة من دِينهم أنَّ العالَمَ مُحدَثٌ، خلافًا لمن زعم أنَّ الروح قديمةٌ، كما أنَّ أصل المسألة يعود إلى ما استقرَّ عليه أهلُ السُّنَّة من أنَّ الروحَ لا تفنى بعد خروجها من الجسد عند الموت خلافًا لمن يزعم أنها تموت.

ومِن منطلق مبنى المسألتين السابقتين يتجلَّى الخِلافُ في مسألة مُستقَرِّ الأرواح، وهي ولا شكَّ من مسائل الغَيب التي تحتاج إلى سَنَدٍ من كتابٍ أو سُنَّةٍ، ولا يُقالُ فيها بالرأي لافتراق عالَم الغَيب عن عالَم الشهادة، ولعلَّ أقوى الأقوال وأصحَّها: أنَّ أرواح المؤمنين مُطلقًا سواء كانوا شهداءَ أم غيرَ شهداء هم عند ربهم في الجنة إذا لم يُحبسوا عنها بكبيرة أو دَين، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّما نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ»(٢)، ونسمة المؤمن هي: روحُه، والحديث عامٌّ في الشهيد وغيرِه، ثمَّ خُصَّ الشهيد بقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ -يعني يوم أُحُد- جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ ثِمَارَهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ العَرْشِ»(٣). والدليلُ على أنَّ الشهيدَ يُحبسُ روحُه عن دخول الجَنَّة لدَيْنٍ عليه والأَوْلَى منه غيرُ الشهيد: أنَّ رجلاً جاء إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فقال: يَا رَسُولَ الله: مَا لِي إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ: الجَنَّة، فلمَّا وَلَّى، قال: «إِلاَّ الدَّيْن، سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا»(٤)، ومِن الأرواح من يكون محبوسًا على باب الجنة كما ثبت في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ فُلاَنًا احْتُبِسَ عَنِ الجنَّةِ مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ»(٥)، وتشهد السُّنَّة لمن كان محبوسًا في قبره أو محبوسًا في الأرض ونحو ذلك، ما لم يتلقَّاهم ربهم بالعفو والمغفرة.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ ربيع الثاني ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٣ ماي ٢٠٠٨م


(١) «شرح العقيدة الطحاوية»: (٤٥٣).

(٢) أخرجه النسائي في «سننه» كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين: (٢٠٧٣)، وابن ماجه في «سننه» كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى: (٤٢٧١)، وأحمد في «مسنده»: (١٥٣٦٥)، من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع»: (٢٣٧٣).

(٣) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الجهاد ،باب في فضل الشهادة: (٢٥٢٠)، والحاكم في «المستدرك»: (٣١٦٥)، وأحمد في «مسنده»: (٢٣٨٤)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث صححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد»: (٤/ ١٢٣)، والألباني في «صحيح الجامع»: (٥٢٠٥)، والوادعي في «الصحيح المسند»: (٦٣).

(٤) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في «مسنده»: (١٦٨٠٢)، من حديث عبد الله بن جحش رضي الله عنه. والحديث جوّد إسناده الألباني في «الإرواء»: (٥/ ١٩). وأخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين: (٤٨٨٠) بلفظ: «إِلاَّ الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ لي ذَلِكَ»، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.

(٥) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب البيوع، باب في التشديد في الدين: (٣٣٤١)، وأحمد في «مسنده»: (١٩٧١٩)، والحاكم في «المستدرك»: (٢٢١٤)، والطبراني في «المعجم الكبير»: (٦٧٥٣)، من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح الجامع»: (٧٠١٧)، وانظر «أحكام الجنائز» له: (٢٦).