في ضوابط الإعلان الإشهاري | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 1 صفر 1442 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2020 م



الفتوى رقم: ٩٥٧

الصنف: فتاوى المعاملات المالية

في ضوابط الإعلان الإشهاري

السؤال:

ممَّا لا يخفى أنَّ الإعلام التجاريَّ ـ في إطار المُنافَسة التجارية ـ قد أضحى ـ في عصرِنا الحاليِّ ـ وسيلةً أساسيةً للتعريف بالسِّلَع والبضائع والخدمات، والسؤالُ الذي يفرض نَفْسَه: ما حكمُ تصميمِ الإعلانات الإشهارية؟ وكذا عرضِ اللوحات الإشهارية في مختلف الأماكن والمحطَّات في الطُّرُقات والقطارات والحافلات وغيرِها؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالإعلاناتُ الإشهارية، سواءٌ كانَتْ تجاريةً أو غيرَ تجاريةٍ، تدخل في قسم المعامَلات والعادات، والأصلُ فيها: الإباحةُ والجوازُ ما لم يَقترِنْ بها محظورٌ شرعيٌّ ينقل الحكمَ إلى المنع، ويمكن أَنْ يُحافِظَ الإعلانُ الإشهاريُّ على حكم الإباحة والحِلِّ إذا ما انضبط بجُملةٍ مِنَ الشروط، تظهر على الوجه التالي:

الأوَّل: أَنْ يكون الإعلانُ الإشهاريُّ مُباحًا في حَدِّ ذاته، خاليًا مِنَ الدِّعايات المبتذَلةِ التي تُنافي الأحكامَ الشرعية، والأخلاقَ والقِيَم الإسلامية وآدابَها: فلا يجوز تصميمُ الإعلانات التي تحتوي على الصور المُثيرةِ للغرائز والشهوات، كعرض صُوَرِ النساء المتبرِّجات والعاريات، وعمومِ الأفلام الماجنة والمثيرة، ولا للنوادي الليلية والحفلات المنكَرة، وكُتُبِ أهل الفساد والفجور والضلال، ولا يجوز الترويجُ للخمر والدخان والمخدِّرات وغيرِها، ولا لنوادي القِمار والرِّهان، سواءٌ كان رياضيًّا أو غيرَ رياضيٍّ، ويجب تجنُّبُها سواءٌ كانَتْ مصحوبةً بموسيقى أو خاليةً منها.

فالحاصل: أنَّ كُلَّ وسيلةٍ أَبْطَلَها الشرعُ وذَمَّها لفسادِها وإفسادها للدِّين والخُلُق فهي محرَّمةٌ، والتعاونُ عليها محرَّمٌ بنصِّ قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ[المائدة: ٢].

الثاني: أَنْ يتحرَّى المُعْلِنُ الصدقَ والأمانةَ في عَرْضِ السِّلَعِ والخدمات؛ فلا يُصوِّرُ الأمرَ على غيرِ حقيقته بالكذب وإخفاءِ العيوب، أو بالمبالَغةِ في حجم المنتوج والسِّلَع المرادِ تصميمُ إعلانِه ونشرُه، أو بتضخيم مَحاسِنِه للمستهلِكِ أو الزبون؛ فالواجبُ أَنْ يكون الإعلانُ مُطابِقًا لحقيقةِ ما يَعْرِضُه مِنَ السِّلَع والمنتوجات والخدمات على وجه الصدق والأمانة؛ لوجوب التحلِّي بالصدق وهو سببُ البَرَكة، وحُرْمةِ الكذب وكتمانِ العيوب لأنه علَّةُ الكسادِ والمَحْق، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ـ أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا ـ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»(١).

الثالث: ومِنْ هذا القبيلِ لا يجوز إشاعةُ إعلانٍ إشهاريٍّ فيه غشٌّ وخداعٌ، ولا تهويلُ ما فيه مكرٌ وتزويرٌ، ولا إيهامُ ما فيه تدليسٌ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَالمَكْرُ وَالخِدَاعُ فِي النَّارِ»(٢)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَهُ»(٣)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ»(٤).

الرابع: أَنْ لا ينعكس إعلانُه الإشهاريُّ ـ سَلْبًا ـ على غيره مِنَ التجَّار، بحيث يُحْدِث ضررًا بمنتوجاتهم وسِلَعهم بالتحقير لأصنافها، والتهوينِ لأوصافها، والذمِّ لحُسْنِها؛ كُلُّ ذلك لتحقيقِ مَصالِحِه المادِّية على حسابِ مَصالِحِ غيره مِنَ التُّجَّار؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(٥)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(٦).

الخامس: أَنْ يجتنب التغريرَ بالمُستهلِكين عن طريق استغلال التشابه في الاسْمِ التجاريِّ أو في العلامة التجارية، سواءٌ وَقَعَ التشابهُ في التسمية مُوافَقةً، أو تعمَّده بسوء نيَّته؛ ليبتغيَ ـ مِنْ ورائها ـ إيهامَ المستهلِكين والزبائنِ بأنها هي البضائعُ المشهورةُ في الأسواق، أو المُماثِلةُ لها في الجودة والإتقان(٧)؛ ليَقَعَ المستهلِكُ فريسةَ التضليل والإيهام، وهو مخالِفٌ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: «لِمَنْ؟» قَالَ: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(٨) الحديث.

السادس: أَنْ يحرص على أَنْ يكون عقدُ الإعلان الإشهاريِّ مستوفيًا شروطَ عقدِ الإجارة، ومِنْ جملتها: العلمُ بثمن الإجارةِ ومُدَّتِها بين المتعاقِدَيْن، وأَنْ يكون مَحَلُّ الإجارةِ منتفَعًا به ومقدورَ التسليم، مع خُلُوِّ العقد مِنَ الجهالة والغرر.

هذا ما بان لي مِنْ ضوابطِ الإعلان الإشهاريِّ؛ قَصْدَ المحافَظةِ على سلامةِ أصل الإباحة والجواز.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ شعبان ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٧ أوت ٢٠٠٨م

 


(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب: إذا بيَّن البيِّعان ولم يكتمَا ونَصَحَا (٢٠٧٩)، ومسلمٌ في «البيوع» (١٥٣٢)، مِنْ حديثِ حكيم بنِ حِزامٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه ابنُ حبَّان في «صحيحه» (٥٦٧) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١٠٥٨).

(٣) أخرجه ابنُ ماجه في «التجارات» باب: مَنْ باع عيبًا فَلْيُبيِّنْه (٢٢٤٦) مِنْ حديثِ عقبة بنِ عامرٍ رضي الله عنه. وأخرجه أحمد في «مسنده» (١٦٠١٣) مِنْ حديثِ واثلة بنِ الأسقع رضي الله عنه. وحسَّنه الحافظ ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٤/ ٣١١)، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٧٠٥).

(٤) أخرجه أبو داود في «العلم» باب التوقِّي في الفُتْيَا (٣٦٥٧) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٠٦٨).

(٥) أخرجه ابنُ ماجه في «الأحكام» بابُ مَنْ بَنَى في حقِّه ما يضرُّ بجاره (٢٣٤٠) مِنْ حديثِ عبادة بنِ الصامت رضي الله عنه. وأخرجه ـ أيضًا ـ ابنُ ماجه (٢٣٤١) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢٥٠) وفي «إرواء الغليل» (٨٩٦).

(٦) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» باب: مِنَ الإيمان أَنْ يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه (١٣)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٤٥)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه.

(٧) انظر: الفتوى رقم: (٤٣٩) الموسومة ﺑ: «في حكم استيرادِ قِطَعِ الغيار غيرِ الأصلية وبيعِها».

(٨) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٥٥) مِنْ حديثِ تميم بنِ أوسٍ الداريِّ رضي الله عنه.