في امتناعِ أرملةٍ مِنَ النكاح وفاءً لزوجها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 8 شوال 1445 هـ الموافق لـ 17 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ٩٥٩

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ إنشاء عقد الزواج

في امتناعِ أرملةٍ مِنَ النكاح وفاءً لزوجها

السؤال:

تقدَّم لخِطبتي ـ بعد انقضاءِ عِدَّتي مِنْ وفاة زوجي ـ عِدَّةُ خُطَّابٍ، وامتنعتُ عن الزواج لأكون ـ في الآخرة ـ زوجةً لزوجي المتوفَّى، الذي لي معه ثلاثُ بناتٍ، وحُجَّتي: قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «المَرْأَةُ لآخِرِ أَزْوَاجِهَا»(١)، وقد عمِلَتْ به أمُّ الدرداء الصغرى(٢)؛ فهل يلحقني إثمٌ في امتناعي عن قَبولِ مَنْ يُرضى دِينُه وخُلُقُه؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمرأةُ إذا كانت تحت زوجٍ صالحٍ ثُمَّ مات عنها وبقِيَتْ أرملةً بعده لم تتزوَّج جَمَع اللهُ بينهما في الجنَّة؛ وإن كان لها أزواجٌ في الدنيا فهي في الجنَّة مع آخِرِ أزواجها إذا تَسَاوَوْا في الخُلُق والصلاح؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ فَهِيَ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا»(٣).

والمرأةُ إذا خَشِيَتْ على نفسها الفتنةَ أو لم يَسَعْها لوَحْدِها القيامُ على نفسِها وشئونِ أولادها المادِّيَّة والتربويَّة، فإِنْ تقدَّم إليها خاطبٌ ممَّنْ يُرضى دِينُه وخُلُقُه، وله قُدرةٌ على تغطِيَةِ حاجياتها ونفقاتِ أبنائها فلا ينبغي أَنْ تَرُدَّهُ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ»(٤)، وعملًا بقاعدةِ: «دَرْءُ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ»، فإِنْ تساوى مع زوجها الأوَّل الميِّت عنها في الخُلُق والصلاح فهي لآخِرِهما، وإلَّا فتختارُ أَحسنَهما صلاحًا وخُلُقًا، وقد وَرَد هذا المعنى ضعيفًا مُنكَرًا مِنْ حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، حيث سألَتِ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عن المرأة تتزوَّج الرَّجُلين والثلاثةَ والأربعة ثمَّ تموت فتدخل الجنَّةَ ويدخلون معها: مَنْ يكون زوجَها؟ قال: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا»(٥)، وكذا مِنْ حديثِ أمِّ حبيبة رضي الله عنها(٦)، إلَّا أنه يمكن الاستدلالُ بعمومِ قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ[الزخرف: ٧١]، أنها تُخيَّرُ فتختار الذي تُحِبُّه وتشتهيهِ خُلُقًا وصلاحًا، كما قد يُفيدُه قولُه تعالى: ﴿هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ[يس: ٥٦]، على أنَّ المرأة تكون مع الأقرب لها دِينًا وخُلُقًا وطبعًا لِمَا في معنى الزوجيَّة مِنَ المودَّة والرحمة والتقارب والتَّحابِّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١[الروم]، وكذلك المرأة العَزَبَة التي ماتَتْ ولم يَسبِقْ لها زواجٌ فإنها تُخَيَّرُ فتختار مَنْ تُحِبُّ ممَّنْ يكون الأقربَ لها طبعًا وخُلُقًا؛ فإنَّ الله يُوفِّي لها طلبَها؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَا فِي الجَنَّةَ أَعْزَبُ»(٧).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ مِنْ ذي القعدة ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٣ نوفمبر ٢٠٠٨م

 



(١) أخرج هذا اللفظَ عن أبي الدرداء رضي الله عنه أبو يعلى في «مسنده» كما في «المطالب العالية» لابن حجر (٨/ ٤٦١)، وأخرجه موقوفًا على حذيفة رضي الله عنه الطحاويُّ في «شرح مُشكِل الآثار» (٢/ ١٢١)؛ [وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٢٧٥) رقم: (١٢٨١) و«صحيح الجامع» (٦٦٩١)].

(٢) قال عليُّ بنُ المَدِينيِّ ـ رحمه الله ـ: «كان لأبي الدرداء امرأتان كِلْتاهما يُقالُ لهما أمُّ الدرداء: إحداهما رأَتِ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وهي خيرةُ بنتُ أبي حَدْرَدٍ، والثانية تزوَّجها بعد وفاة النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وهي هُجَيْمةُ الوصَّابيَّة»، وقال ابنُ ماكولا: «أمُّ الدرداء الكُبرى لها صُحبةٌ، وماتَتْ قبل أبي الدرداء، والصُّغرى هي التي خَطَبها معاويةُ» [انظر: «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (٤/ ٢٧٧)، «الإصابة» لابن حجر (٨/ ١٢٤)، «مرعاة المفاتيح» للمباركفوري (٣/ ٥٢٦)].

(٣) أخرجه الطبرانيُّ في «المُعجَم الأوسط» (٣/ ٢٧٥) مِنْ حديثِ أمِّ الدرداء الصُّغرى (هُجَيْمةَ الوصَّابيَّة) عن أبي الدرداء رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٢٧٥).

(٤) أخرجه الترمذيُّ في «النكاح» بابُ ما جاء: إذا جاءكم مَنْ ترضَوْن دِينَه فزوِّجوه (١٠٨٤)، وابنُ ماجه في «النكاح» باب الأَكْفاء (١٩٦٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه؛ وأخرجه الترمذيُّ (١٠٨٥) مِنْ حديثِ أبي حاتمٍ المُزَنيِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ٢٦٦) رقم: (١٨٦٨) وفي «صحيح الجامع» (٢٧٠).

(٥) أخرجه الطبرانيُّ في «المُعجَم الكبير» (٢٣/ ٣٦٧) وفي «الأوسط» (٣/ ٢٧٩)، مِنْ حديثِ أمِّ سلمة رضي الله عنها. قال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد» (٧/ ١١٩): «رواه الطبرانيُّ، وفيه سليمان بنُ أبي كريمة: ضعَّفه أبو حاتمٍ وابنُ عَدِيٍّ»، وضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٢٢٣٠).

(٦) أخرجه الطبرانيُّ في «المُعجَم الكبير» (٢٣/ ٢٢٢)، وعبد بنُ حُمَيْدٍ في «مُسنَده» (١/ ٣٦٥)، قال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد» (٨/ ٢٤): «رواه الطبرانيُّ والبزَّار باختصارٍ، وفيه عُبَيد بنُ إسحاق وهو متروكٌ، وقد رَضِيَه أبو حاتمٍ، وهو أسوأُ أهلِ الإسناد حالًا».

(٧) أخرجه مسلمٌ في «الجنَّة وصِفَةِ نعيمها» (٢٨٣٤) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.