المرأة في الجنة لآخر زوج صالح | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 19 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 16 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩٥٩

الصنـف: فتاوى الأسرة - عقد الزواج - إنشاء عقد الزواج

المرأة في الجنة لآخر زوج صالح

السـؤال:

تقدَّم لخطبتي -بعد انقضاء عِدَّتي من وفاة زوجي- عِدَّةُ خطاب، وامتنعتُ عن الزواج لأكون زوجةً لزوجي المتوفَّى، الذي لي معه ثلاث بناتٍ، وحُجَّتي قولُه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «المَرْأَةُ لآخِرِ أَزْوَاجِهَا»، وقد عملت به أمُّ الدرداء رضي الله عنها، فهل يلحقني إثمٌ في امتناعي عن قَبول من يُرضى دينُه وخُلُقُه؟

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمرأةُ إذا كانت تحت زوجٍ صالحٍ ثُمَّ مات عنها، وبقيت أرملةً بعده لم تتزوَّج؛ جمع اللهُ بينهما في الجنَّة، وإن كان لها أزواجٌ في الدنيا فهي في الجنَّة مع آخر أزواجها إذا تَسَاوَوْا في الخُلُق والصلاح لقوله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ فَهِيَ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا»(١).

والمرأةُ إذا خشيت على نفسها الفتنةَ أو لم يَسَعْها لوحدها القيامُ على نفسها وشئون أولادها المادِّيَّة والتربوية، فإن تقدَّم إليها خاطبٌ ممَّن يُرضى دينُه وخُلُقه، وله قُدرةٌ على تغطية حاجياتها ونفقات أبنائها فلا ينبغي أن تَرُدَّهُ لقوله صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ»(٢)، وعملاً بقاعدة «دَرْءُ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ»، فإن تساوى مع زوجها الأوَّل الميِّت عنها في الخُلُق والصلاح فهي لآخرهما، وإلاَّ فتختار أحسنَهما صلاحًا وخُلُقًا، وقد ورد هذا المعنى ضعيفًا منكرًا من حديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، حيث سألت النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عن المرأة تتزوَّج الرجلين والثلاثة والأربعة ثمَّ تموت ويدخلون معها: من يكون زوجَها؟ قال: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا»(٣)، وكذا من حديث أمِّ حبيبة رضي الله عنها(٤)، إلاَّ أنه يمكن الاستدلال بعموم قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ[الزخرف: ٧١]، أنها تخيَّر فتختار الذي تحبُّه وتشتهيه خُلُقًا وصلاحًا، كما قد تفيده الآية في قوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ[يس: ٥٦]، على أنَّ المرأة تكون مع الأقرب لها دينًا وخُلُقًا وطبعًا لِما في معنى الزوجية من المودَّة والرحمة والتقارب والتحابِّ، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[الروم: ٢١]، وكذلك المرأة العَزَبَة التي ماتت ولم يَسبق لها زواجٌ فإنها تُخَيَّر فتختار ما تحبُّ أن يكون الأقرب لها طبعًا وخُلُقًا فإنَّ الله يُوفِي لها طلبَها، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَا فِي الجَنَّةَ أَعْزَبُ»(٥).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ من ذي القعدة ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٣ نوفمبر ٢٠٠٨م


(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ٢٧٥)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٢٧٥).

(٢) أخرجه الترمذي «النكاح» باب ما جاء: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ» (١٠٨٤)، وابن ماجه في «النكاح» باب الأكفاء (١٩٦٧)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحسَّنه الألباني في «الإرواء» (٦/ ٢٦٦).

(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٣/ ٣٦٧) وفي «الأوسط» (٣/ ٢٧٩)، من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٥٥): «رواه الطبراني وفيه سليمان بن أبي كريمة: ضعَّفه أبو حاتمٍ وابن عديٍّ»، وضعَّفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٢/ ٢٥٤).

(٤) أخرجه الطبراني في «الكبير»: (٢٣/ ٢٢٢)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١/ ٣٦٥)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٥٢): «رواه الطبراني والبزَّار باختصارٍ وفيه عبيد بن إسحاق وهو متروكٌ وقد رضيه أبو حاتم، وهو أسوأ أهل الإسناد حالاً».

(٥) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٨٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.