في رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ربَّه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩٦٨

الصنـف: فتاوى العقيدة - أركان الإيمان - مسائل الإيمان

في رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ربَّه

السـؤال:

هل رأى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ربَّه حقيقةً بعينه، أم رآه بقلبه، أم أنه لم يره بعينه ولا بقلبه، وإنما رآه رؤيةً لا يُعقل معناها؟

وهل حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: «رَأَيْتُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى»(١) يُؤكِّد المعنى الأول أنه رآه حقيقة بالرؤية البصرية؟ وشكرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فلا يخفى أنَّ الأُمَّة أجمعت على أنَّ اللهَ تبارك وتعالى لا يراه أحدٌ بعينه حتى يموت لقوله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: في الدنيا، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في معرض التحذير من الدَّجَّال: «تَعَلَّمُوا أَنَّه لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمُوتَ»(٢).

هذا، والظاهر أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لا يخرج حُكمُه عن عموم النصوص الشرعية القاضية بنفي الرؤية البصرية، لذلك شَدَّدت عائشة رضي الله عنها النكير على مَنْ قال أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم رأى ربَّه عزَّ وجَلَّ بعينه حتى قالت: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيَةَ»(٣)، وقد نُقل هذا النفيُ عن غيرها من الصحابة رضي الله عنهم، وقد جاء -صريحًا- نفي الرؤية البصرية في حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟»(٤).

قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحدٍ من الصحابة، ولا في الكتاب والسُّنَّة ما يدلُّ على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلّ»(٥).

أمَّا حديث ابن عباس رضي الله عنهما فلم يثبت لفظٌ صريحٌ عنه بأنه رآه بعينه، فقد جاء في بعض الألفاظ عنه التصريح بالرؤية مُطلقًا كما في الحديث المذكور في السؤال، وورد في بعضها عنه مقيَّدًا بالرؤية القلبية، فقد روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما بعد ذكره لقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، ولقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]: «رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ»(٦).

وقد جمع الحافظ ابن حجر -رحمه الله- بين النفي والإثبات جمعًا ارتضاه أهلُ العلم حيث قال: «وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر وإثباته على رؤية القلب، ثمَّ المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب لا مجرَّد حصول العلم؛ لأنَّه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كان عالمًا بالله على الدوام»(٧).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١ المحرم ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٩ ديسمبر ٢٠٠٨م


(١) أخرجه أحمد في «المسند»: (٢٦٢٩)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٥٠): «رواه أَحمد، ورجاله رجال الصحيح»، وصححه الألباني في «صحيح الجامع»: (٣٤٦٦).

(٢) أخرجه مسلم كتاب «الفتن» وأشراط الساعة: (٧٣٥٦)، والترمذي كتاب «الفتن»، باب ما جاء في علامة الدجال: (٢٢٣٥)، وأحمد في «المسند»: (٢٣١٦٠)، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(٣) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء.. (٣٠٦٢)، ومسلم، كتاب الإيمان: (٤٣٩)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام: (٣٠٦٨)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان: (٤٤٣)، وأحمد في «المسند»: (٢١٠١٧)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

(٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (٦/ ٥٠٩).

(٦) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان: (٤٣٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٧) «فتح الباري» حجر: (٨/ ٦٠٨).