في حكم شراء مسكن عن طريق البنك | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 15 شوال 1440 هـ الموافق لـ 18 يونيو 2019 م



الفتوى رقم: ٩٨

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - القرض والصرف

في حكم شراء مسكن عن طريق البنك

السؤال:

أنا أبٌ لعشرة أطفالٍ (٤ ذكور و٦ إناث منهنَّ أربعٌ غيرُ متزوِّجات) تتراوح أعمارُهم ما بين (٢٥) سنةً و(٨) سنوات، ساكنٌ عند حماتي (أمِّ الأهل) منذ (٢٠) سنةً في بيتٍ ومطبخٍ، دفعتُ عِدَّةَ طلباتٍ للحصول على سكنٍ طيلةَ هذه المدَّة (٢٠ سنة)، لكِنْ دون جدوى، أمَّا ابني صاحب (٢٣) سنةً فهو خاطبٌ منذ (٧) أشهرٍ، لكِنْ بسببِ غلاء السكن بيعًا وكراءً تَعسَّر عليه القيامُ بالعرس، حتَّى اقترح عليه أحَدُ أصحابه أَنْ يتنازل لابني عن نصيبٍ مِنَ الأرض التي أعطَتْه إيَّاها الشركةُ التي يعمل فيها، والتي يتكفَّل الصندوق الوطنيُّ للتوفير والاحتياط (CNEP)  بالمساهمة في تمويل مشروعِ بناءِ سكنٍ عليها بقرضٍ يسدِّده المستفيدُ مِنْ مرتَّبه الشهريِّ، لكِنْ بالفوائد الربوية؛ فما حكمُ الشرع في هذه المعاملةِ والحالُ ما ذَكَرْناه؟ وبارك الله فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ الاقتراض مِنَ البنوك أو ما يُماثِلها مِنَ المصارف المالية الحاليَّة المؤسَّسة على التعامل الربويِّ حرامٌ قطعًا بنصِّ الآيات القرآنيَّة المنزلة على هذا النوع مِنْ رِبَا الديون الذي آذَنَ الله الذين يتعاملون به بحربٍ مِنَ الله ورسوله، والأحاديث النبوية الكثيرة التي تنهى ـ أيضًا ـ عنه، منها: قولُه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩ [البقرة]، وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗ [آل عمران: ١٣٠]، وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ»»(١).

غير أنَّ مِثْلَ هذا الحرامِ القطعيِّ يُجوِّزه العلماءُ استثناءً لضرورةٍ حادثةٍ أو حاجةٍ مُلِحَّةٍ اقتضَتِ اللُّجوءَ إليه بعد تعذُّرِ كافَّةِ السُّبُل المُباحة للخروج مِنَ الضيق المادِّيِّ والمأزق الاجتماعيِّ كالقوت الضروريِّ لنفسه ولأولاده لدفعِ المجاعة عنهم، والملبسِ والمسكن الواقيَيْن، والعلاج الضروريِّ الذي يُخْشى تفاقمُ المرض إِنْ لم يُعالَجْ في الحالِ ونحوِ ذلك ممَّا يبلغ فيها العبدُ حالةً إذا لم تُراعَ لَجُزِم أو خِيفَ خوفًا مؤكَّدًا أَنْ تضيع مصالحُه الضروريةُ مِنْ حفظ الكُلِّيَّاتِ الخمس، على أَنْ تكون هذه الضرورةُ مقدَّرةً بقَدْرها وقائمةً بالفعل لا مُتوهَّمةً أو متوقَّعةً، وتقديرُ الضرورةِ موكولٌ لدِين المضطرِّ، فإذا تحقَّقَتِ الضرورةُ انتفَتْ عنه الحرمةُ بمقدارِ ما يدفع الضرورة؛ بناءً على ما تُمليهِ القواعدُ المبنيَّةُ على النصوص الشّرعية منها: «الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ»، وقاعدةُ: «إِذَا ضَاقَ الأَمْرُ اتَّسَعَ»؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِ [الأنعام: ١١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖ [الحج: ٧٨]، وقولِه تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ [المائدة: ٦].

هذا، ولا يفوتني أَنْ أُذكِّر بأنَّ الضروراتِ و الحاجيَّاتِ المنزَّلةَ منزلتَها يجب أَنْ تكونَ بقدرها؛ أخذًا بقاعدةِ: «الضَّرُورَاتُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا»، وقاعدةِ: «إِذَا اتَّسَعَ الأمرُ ضَاقَ»، وقاعدةِ: «إِذَا زَالَ الْخَطَرُ عَادَ الْحَظْرُ».

على أنَّه ـ أخيرًا ـ إذا أَقْدَم عليه يكون كارهًا له ساخطًا عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣ [البقرة](٢)

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ شعبان ١٤١٥ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٨ يناير ١٩٩٥م

 


(١) أخرجه مسلمٌ في «المساقاة» (١٥٩٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٢) انظر ضوابطَ الضرورة الشرعية على الموقع، في الفتوى رقم: (٦٤٣) الموسومة ﺑ: «في ضوابط قاعدةِ: «الضرورات تبيح المحظورات»».