في الفرق بين المحدِّث والفقيه ومدى التلازم بينهما | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 13 رجب 1440 هـ الموافق لـ 20 مارس 2019 م



الفتوى رقم:٩٨٦

الصنـف: فتاوى الحديث وعلومه

في الفرق بين المحدِّث والفقيه ومدى التلازم بينهما

السـؤال:

ما الفرق بين المحدِّث والفقيه؟ وهل تُوجَدُ لأهل الحديث ألقابٌ مثل: «أمير المؤمنين» و«الحافظ» و«المحدِّث» وما الفرقُ بينها؟ وهل كُلُّ محدِّثٍ فقيهٌ والعكس؟ وجزاكم الله عنَّا خيرَ الجزاء؟

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالفرقُ بين المحدِّث والفقيه يختلف باختلاف موضوعِ كُلٍّ مِن الحديث والفقه.

فموضوعُ علمِ الحديث روايةُ أقوال النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأفعالِه وتقريراته وصفاتِه مِن حيث ضبطُ كُلِّ حديثٍ ونقلِه نقلًا دقيقًا، ودرايةُ القواعدِ المعرِّفة بحالِ الراوي والمرويِّ مِن حيث القَبولُ والرَّدُّ، فموضوعُه -إذًا- السندُ والمتنُ: فمِنْ جهةِ السندِ: معرفةُ أحوالِ رُواتِه، واتِّصالِه أو انقطاعه، وعُلُوِّه أو نزوله ونحو ذلك، ومِن جهةِ المتن معرفةُ صحَّتِه وضَعْفِه وما يَتَّصِلُ بذلك.

«فالمحدِّثُ» في الاصطلاح يُطْلَقُ على المُشْتَغِلِ بعلم الحديث الممكَّنِ فيه روايةً ودرايةً، وله القدرةُ على التمييز بين سقيمِ الحديث مِن صحيحه، مع معرفةٍ بعلومه واصطلاحات أهله، والمُخْتَلِفِ والمُؤْتَلِفِ مِن رُواتِه، وغريبِ ألفاظِ الحديث، وغيرِ ذلك.

والمبتدئ في طلبِ الحديث يُلقَّبُ بطالِبِ الحديث، أما المسْنِد فهو من يروي الحديث بإسناده سواء حصل له علم به أو لم يحصل، وهما رتبتان دون رتبةِ المحدث، وأمّا لقبُ «الحافظ» فيصدُق على من اجتمعت فيه صفات المحدّث، وضمّ إليها كثرة الحفظ وجمْعَ الطرق، فإن وعى أكثر من مائة ألف إلى ثلاثمائة ألف حديث مسندةٍ فهو «حافظ حجة»، فإن كان المحدّث قد أحاط بجميع الأحاديث المروية متنًا وإسنادًا وجرحًا وتعديلاً وتاريخًا فيلقب ﺑ «الحاكم» وأمّا لقب «أمير المؤمنين» فإنّما يطلق على من اشتهر في عصره بالحفظ والدرايةِ والتقدمِ والرسوخِ في علم الحديث كشعبةَ بن الحجاج وسفيانَ الثوري ومالك بن أنس ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهم من أعلامِ الحديث.

أمّا موضوعُ الفقه فهو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، فميدانُ الفقه الأدلةُ التفصيليةُ الجزئية الخاصة، وغايةُ الفقيه الوصولُ إلى الحكم الجزئي العملي لكلِّ فعلٍ من أفعال المكلفين، فالفقيه –في الاصطلاح- هو: الذي يستنبطُ الأحكامً الشرعية العمليةً من أدلتها التفصيليةِ باستخدامِ القواعدِ الأصوليةِ الكليةِ.

«واسمُ الفقهِ في العصرِ الأول كان مطلَقًا على علم الآخرةِ ومعرفةِ دقائقِ آفات النفوسِ، والاطلاع على الآخرة وحقارة الدنيا، ولذا قيل: الفقيهُ هو الزاهدُ في الدنيا الراغبُ في الآخرةِ، البصيرُ بذنبهِ، المداوم على عبادةِ ربه، الورعُ الكافُّ عن أعراضِ الناسِ»(١).

هذا، ولا يلزم أن يكونَ كلّ محدث فقيهًا، إذ قد يقتصر طالب الحديث والمسنِد على الاشتغالِ بحفظ الحديثِ وكتابته وجمعِ طرقهِ، وقد يزيدُ عن ذلك إلى النظرِ في القواعد المعرِّفَةِ بأحوال الراوي والمروي من حيث القبول والرد، مع ذلك يبقى محدثا غير فقيه، وكذلك الفقيهُ فليس بمحدث إذا فَقَدَ التمكين في رواية الحديث ودرايته.

والذي عليه معظم المحدثين المتقدمين والمتأخرين أنهم لا يُقصِرون الدراية الحديثية بمعرفة القواعد المعرِّفَة بأحوال الراوي والمروي، بل يتوسعون فيها إلى فهم المروي، واستنباطِ أحكامه ومعانيه وفوائده، منه ومن عموم ما تتضمنه السنن والآثار، كما كان عليه حالُ سلفِ المحدثين، فالمحدِّث بهذا الاعتبار فضلا عن فقهِه فيما يرويه يزيد عن الفقيهِ بالرواية والدرايةِ، وهي زيادةُ فضلٍ وكمالٍ، فهو محدثٌ فقيهٌ.    

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٤ ربيع الأوَّل ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ٠١ مـارس ٢٠٠٩م


(١) «التعريفات الفقهية» للمجدّدي البركتي: ١٦٧.