«التصفيف السابع عشر: عقيدة الإيمان بالله (١)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 رجب 1442 هـ الموافق لـ 02 مارس 2021 م



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف السابع عشر: عقيدة الإيمان بالله (١)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الخَامِسُ وَالثَّلاَثُونَ: هُوَ المَوْجُودُ الحَقُّ لِذَاتِهِ، الَّذِي لاَ يَقْبَلُ وُجُودُهُ العَدَمَ(١)، فَهُوَ القَدِيمُ الَّذِي لاَ بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ(٢)، وَهُوَ البَاقِي الَّذِي لاَ نِهَايَةَ لِوُجُودِهِ(٣)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(٤)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ. وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(٥)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾(٦)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(٧)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَ يُوقِنُونَ. أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾(٨)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(٩).

السَّادِسُ وَالثَّلاَثُونَ: وَهُوَ المَوْجُودُ الَّذِي سَبَقَ وُجُودُهُ كُلَّ وُجُودٍ، فَكَانَ تَعَالَى وَحْدَهُ وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ مَا شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ(١٠)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾(١١)، ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾(١٢)، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾(١٣)، ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾(١٤)، ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾(١٥)...(يتبع).



(١) والمراد ﺑ «الموجود الحقُّ لذاته» هو: واجب الوجود بنفسه، أي: الموجود الذي لم يسبق وجودَه عدمٌ، ووجودُه مِن ذاته لذاته، لا من سببٍ خارجٍ، ولا لعلَّةٍ خارجةٍ.

وعبارة: «واجب الوجود لذاته» أحدثها الفلاسفة والمتكلِّمون، وهي لا تُعرف في كلام الشارع ولا في كلام السلف، لكنَّ المعنى ثابتٌ في كلام الشارع ومجمعٌ عليه، وهو قولُه تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]، وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ» [أخرجه مسلم في «الذكر والدعاء» (١٧/ ٣٦)، باب ما يقول عند النوم، وأبو داود في «الأدب» (٥/ ٣٠١)، باب ما يقول عند النوم، والترمذيُّ في «الدعوات» (٥/ ٤٧٢)، وابن ماجه في «الدعاء» (٢/ ١٢٧٤)، باب ما يدعو به إذا أوى إلى فراشه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

ولمزيدِ بيانِ هذه العبارة نفصِّل على الوجه التالي: أنَّ المعلوم: إمَّا أن يجب وجودُه لذاته، فهو الله سبحانه وتعالى هو الموجود الأوَّل الأزليُّ الخالق الغنيُّ عمَّا سواه.

- وإمَّا يمتنع وجودُه لذاته وهو المحال الممتنعُ الوجودِ كالجمع بين الضِّدَّين كالسواد والبياض في محلٍّ واحدٍ، أو بين النقيضين ككون الشيء معدومًا موجودًا في آنٍ واحدٍ.

- وإمَّا أن يكون لذاته جائزَ الوجود والعدم، ويُسمَّى: ممكنًا، كالعالَم وسائر أجزائه، وغيرُ الواجب بنفسه -وهو الممكن الجائز- لا يكون إلاَّ بالواجب بنفسه، فالمخلوقُ لا يكون إلاَّ بخالقٍ، والفقير لا يكون إلاَّ بغنيٍّ عنه.

فالشيء -إذن- إن افتقر في وجوده إلى سببٍ مؤثِّرٍ فيه خارجٍ عن ذاته فهو الممكن الجائز، وإن لم يفتقر فهو الواجب وهو موجودٌ لذاته، أي: دائم البقاء ما دامت ذاتُه موجودةً، بخلاف ما علَّة وجوده أمرٌ خارجٌ عن ذاته فإنه يزول بزوال علَّته.

وهذا التقسيم السابق إنما يختصُّ بالواجب والممكن؛ لأنَّ الممتنع لا وجود له حتى يفتقر إلى مؤثِّرٍ خارجٍ أو يستغنيَ عنه.

وإذا اتَّفق الواجب والممكن في مسمَّى الوجود والعلم والقدرة فهذا المشترَك مُطلَقٌ كلِّيٌّ يوجد في الأذهان لا في الأعيان، والموجودُ في الأعيان مختصُّ لا اشتراك فيه، وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن تيمية في «منهاج السنَّة النبوية» (٤/ ١٥١) ما نصُّه: «وأمَّا المعنى الكلِّيُّ العامُّ المشترَك فيه فذلك -كما ذكرنا- لا يوجد كلِّيًّا إلاَّ في الذهن، وإذا كان المتَّصفان به بينهما نوعٌ من موافقةٍ ومشاركةٍ ومشابهةٍ من هذا الوجه فذاك لا محذور فيه، فإنَّ ما يَلزم ذلك القدرَ المشترَك من وجوبٍ وجوازٍ وامتناعٍ فإنَّ الله مُتَّصفٌ به، فالموجود من حيث هو موجودٌ أو العليم أو الحيُّ، مهما قيل إنه يَلزمه مِن وجوبٍ وامتناعٍ وجوازٍ فاللهُ موصوفٌ به، بخلاف وجود المخلوق وحياته وعلمه فإنَّ اللهَ لا يوصف بما يختصُّ به المخلوقُ من وجوبٍ وجوازٍ واستحالةٍ، كما أنَّ المخلوق لا يوصف بما يختصُّ به الربُّ من وجوبٍ وجوازٍ واستحالةٍ».

وقال ابن أبي العزِّ الحنفيُّ في «شرح العقيدة الطحاوية» (١٠٣): «فلو تماثلا لَلَزم أن يكون كلٌّ منهما واجبَ القِدَم ليس بواجب القِدَم، موجودًا بنفسه غيرَ موجودٍ بنفسه، خالقًا ليس بخالقٍ، غنيًّا غيرَ غنيٍّ، فيَلزم اجتماعُ الضِّدَّين على تقدير تماثُلهما، فعُلم أنَّ تماثُلهما مُنتفٍ بصريح العقل، كما هو منتفٍ بنصوص الشرع».

قلت: ومن هذه النصوص النافية للتمثيل والتشبيه قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقولُه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وسيأتي ذلك من كلام المصنِّف.

(٢) يلاحَظ أنَّ المصنِّف لم يورِد ذِكْرَ «القديم» على أنه اسمٌ من أسماء الله تعالى، وإنما ذكره من باب الخبر بمعنى أنه متقدِّمٌ على كلِّ ما سواه، وبابُ الإخبار أوسع من باب الصفات التوقيفية -كما أفاد ذلك ابنُ القيِّم -رحمه الله- في «بدائع الفوائد» (١/ ١/ ١٦١)- حيث قال: «إنَّ ما يدخل في باب الأخبار عنه تعالى أوسعُ ممَّا يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإنه يُخْبَر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العلى».

قلت: ويجوز الإخبار بهذه الألفاظ عنه ولا تدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولكن يُشترط في اللفظ أن لا يكون معناه سيِّئًا، ومن أمثلة ذلك لفظ: «الذات»، ولفظ «بائن» فهذه الألفاظ تحمل معانيَ صحيحةً دلَّت عليها النصوص، وهذا النوع من الألفاظ يجيز أهلُ السُّنَّة استعمالَها كقولهم: «إنَّ الله استوى على العرش بذاته»، أو قولهم: «إنَّ الله عالٍ على خلقه بائنٌ منهم»، فلفظة: «بذاته» مرادٌ بها أنَّ الله مستوٍ على العرش حقيقةً، وأنَّ الاستواء صفةٌ له، ولفظة: «بائن» يراد بها إثبات العلوِّ حقيقةً والردُّ على زَعْمِ مَن قال: إنَّ الله في كلِّ مكانٍ بذاته.

وأمَّا مِن جهة التسمية ﻓ«القديم» لم يَرِدْ به نصٌّ من الشرع على صحَّته، لذلك لا ينبغي عدُّه في أسماء الله الحسنى لعدم ثبوته من جهة النقل، ويُغني عنه اسمُه سبحانه: «الأوَّل» كما تقدَّم من سورة الحديد والحديث.

قال ابنُ أبي العزِّ في «شرح العقيدة الطحاوية» (١١٤-١١٥): «وقد أدخل المتكلِّمون في أسماء الله تعالى «القديم»، وليس هو من الأسماء الحسنى، فإنَّ «القديم» -في لغة العرب التي نزل بها القرآنُ- هو المتقدِّم على غيره، فيقال: «هذا قديمٌ» للعتيق، و«هذا حديثٌ» للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسمَ إلاَّ في المتقدِّم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدمٌ، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حينِ وجود العرجون الثاني، فإذا وُجد الجديد، قيل للأوَّل: قديمٌ.. وأمَّا إدخال «القديم» في أسماء الله تعالى فهو مشهورٌ عند أكثر أهل الكلام، وقد أنكر ذلك كثيرٌ من السلف والخلف، منهم: ابن حزمٍ.

ولا ريب أنه إذا كان مستعمَلاً في نفس التقدُّم فإنَّ ما تقدَّم على الحوادث كُلِّها فهو أحقُّ بالتقدُّم مِن غيره، لكنَّ أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدلُّ على خصوص ما يُمدح به، والتقدُّم -في اللغة- مطلَقٌ لا يختصُّ بالتقدُّم على الحوادث كلِّها فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه «الأوَّل» وهو أحسن من «القديم»؛ لأنه يُشعر بأنَّ ما بعده آيلٌ إليه وتابعٌ له بخلاف «القديم»، واللهُ تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة».

قلت: والمصنِّف -رحمه الله- قد احتاط في عبارته فقيَّدَ «القديم» بأنه «الذي لا بداية لوجوده»، فلو أطلقها مِن غير تقييدٍ لم يكن معناها الحقُّ صحيحًا إلاَّ بالزيادة المذكورة.

(٣) ففيما ذكره المصنِّف في هذا الجانب من عقيدة الإيمان بالله تقريرٌ لاِسْمَيِ الله الأحسنين وهما:

- اسمه سبحانه «الأوَّل» أي: مبدأ الوجود الذي ليس قبله شيءٌ، الدالُّ على أنه المبتدئُ بالإحسان من غير وسيلةٍ من العبد، إذ كلُّ ما سواه حادثٌ يجب على العبد أن يَعِيَ فَضْلَ الله عليه، ويلحظ نِعَمَه التي لا تحصى، سواءٌ دينيةً كانت أو دنيويةً؛ لأنَّ مِن الله الإعدادَ ومنه الإمدادَ، وفضلُه سابقٌ على الوسائل؛ ولأنَّ الله تعالى خالقُ السبب والمسبَّب.

- اسمه سبحانه «الآخر» أي: منتهى الوجود الذي ليس بعده شيءٌ، الدالُّ على أنه هو الغاية الذي تقصده جميع المخلوقات بالذلِّ والحاجة والافتقار، وتفزع إليه بتألُّهها ورغبتها ورهبتها، وتصمَد إليه في جميع مطالبها، فيجب على العبد أن لا يثق بالأسباب لانعدامها لا محالة، وانتهائها بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها لا نهاية لوجوده.

والاسمان يَدُلاَّن على تفرُّد الله تعالى بالكمال المطلق والإحاطة المطلقة من حيث الزمانُ فهو «الأوَّل والآخر»، كما يدلُّ اسما «الظاهر والباطن» على تفرُّده به من حيث المكانُ.

(٤) الآية ١٠ من سورة إبراهيم.

والاستفهام في الآية للتقريع والتوبيخ والإنكار، والظاهر أنَّ المصنِّف -رحمه الله- استدلَّ بالآية على معنى الوجود الحقِّ لذاته -وهو أحد معاني الآية- ويكون معناها: «أفي وجود الله شكٌّ؟!» ذلك لأنَّ الفطرة السليمة شاهدةٌ بوجوده ومجبولةٌ على الإقرار به، غير أنه قد يقترن بالفطرة بعضُ حالات الاضطراب والشكِّ، الأمرُ الذي تحتاج إلى نظرٍ في الدليل الموصِل إلى وجوده، ومن مَهَمَّة الرسل إرشادُهم إلى طريق معرفته بأنه فاطرُ السماوات والأرض الذي خلقهما وأنشأهما وابتدعهما من العدم، فهي شواهدُ دالَّةٌ على عدم الشكِّ في وجوده سبحانه ووحدانيته.

قال ابن القيِّم -رحمه الله- في «مدارج السالكين» (١/ ٥٩): «فالعارفون أربابُ البصائر يستدلُّون بالله على أفعاله وصنعِه إذا استدلَّ الناس بصنعه وأفعاله عليه، ولا ريب أنهما طريقان صحيحان، كلٌّ منهما حقٌّ، والقرآن مُشتمِلٌ عليهما.

فأمَّا الاستدلال بالصنعة فكثيرٌ، وأمَّا الاستدلال بالصانع فله شأنٌ، وهو الذي أشارت إليه الرسل بقولهم لأُمَمِهم: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، أي: أيُشَكُّ في الله حتى يُطلب إقامةُ الدليل على وجوده؟ وأيُّ دليلٍ أصحُّ وأظهر مِن هذا المدلول؟ فكيف يُستدلُّ على الأظهر بالأخفى؟ ثمَّ نبَّهوا على الدليل بقولهم: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].

وقد سمعتُ شيخَ الإسلام تقيَّ الدِّين بنَ تيمية -قدَّس اللهُ روحَه- يقول: «كيف يُطلب الدليلُ على مَن هو دليلٌ على كُلِّ شيءٍ؟ وكان كثيرًا ما يتمثَّل بهذا البيت:

وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَذْهَانِ شَيْءٌ * إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ

ومعلومٌ أنَّ وجود الربِّ تعالى أظهرُ للعقول والفِطَر مِن وجود النهار، ومَن لم يَرَ ذلك في عقله وفطرته فليتَّهِمْهما».

هذا، والآية تحتمل معنى الإلهية وتوحيد العبادة، ويكون معناها: «أفي إلهيَّته وتفرُّده بوجوب العبادة له شكٌّ!!»، وهو المخترِع لجميع الموجودات والمبدِعُ لها على غير مثالٍ سابقٍ، فإنَّ شواهد الحدوث والخَلق والتسخير ظاهرٌ عليهما، والإلهية مشارٌ إليها بلفظ الجلالة في الآية، وعليه فلا يستحقُّ العبادةَ إلاَّ هو وحده لا شريكَ له، ذلك لأنَّ غالب الأمم كانت مُقِرَّةً بالصانع، ولكن كانت تعبد معه غيرَه من الأولياء والوسائط. [انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٢٤)، و«تفسير الشوكاني» (٣/ ٩٧)].

وللآية معنًى ثالثٌ ذكره القرطبيُّ -رحمه الله- في «تفسيره» (٩/ ٣٤٦) بقوله: «ويحتمل وجهًا ثالثًا: «أفي قدرة الله شكٌّ؟» لأنهم متَّفقون عليها ومختلفون فيما عداها، يدلُّ عليه قوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾: خالقها ومخترعها ومنشئها وموجدها بعد العدم، لينبِّه على قدرته فلا تجوز العبادة إلاَّ له».

قلت: والمعنى الأوَّل الذي ذكره المصنِّف أقربُ في المجادلة وأوضحُ عند المحاججة؛ لأنَّ كثيرًا ما يَرِدُ في القرآن الاستدلالُ بتوحيد الربوبية التي جُبلت عليه فِطَرُ العقلاء، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] الدالِّ على استلزام توحيد الإلهية بإفراد الله بجميع أنواع العبادات، والإخلاصِ له فيها على وجه ما شرعه الله على ألسنة رسله. ومُعظمُ الآيات القرآنية في هذا النوع من التوحيد، وهو محلُّ دعوةِ الرسل وموضعُ معركتهم مع أُممهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].

(٥) الآيات: ٢، ٣، ٤ من سورة الرعد.

(٦) الآية ٥٠ من سورة طه.

(٧) الآية ٢ من سورة الفاتحة. قال ابن القيِّم -رحمه الله- في «مدارج السالكين» (١/ ٥٩): «تضمَّنت الفاتحة إثباتَ الخالق تعالى والردَّ على مَن جَحَده بإثبات ربوبيَّته تعالى للعالَمين، وتأمَّلْ حالَ العالَم كُلِّه علويِّه وسفليِّه بجميع أجزائه تجدْه شاهدًا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، فإنكارُ صانعه وجحدُه في العقول والفِطَر بمنزلة إنكار العلم وجحدِه لا فرق بينهما، بل دلالةُ الخالق على المخلوق، والفعَّال على الفعل، والصانع على أحوال المصنوع عند العقول الزكيَّة المشرقة العلويَّة والفِطَر الصحيحة أظهرُ من العكس».

(٨) الآيات ٣٥، ٣٦، ٣٧ من سورة الطور.

ومعنى الآية: أَخُلق هؤلاء المشركون مِن غير خالقٍ ولا موجِدٍ، أم هم الذين خلقوا أنْفُسَهم؟ وإذا كان كلا الأمرين باطلاً ومستحيلاً فتعيَّن أنَّ الله تعالى هو الذي خلقهم، وهو المستحقُّ للعبادة وحده المتفرِّدُ بها مِن غيرِ شريكٍ له ولا نظيرٍ، ولا تبتغي العبادةُ ولا تصلح إلاَّ له سبحانه.

(٩) الآية ٣ من سورة الحديد.

(١٠) تقدَّم مِن كلام المصنِّف: «هو الموجود الحقُّ لذاته.. القديمُ الذي لا بداية لوجوده»، فأراد المصنِّف أن يُبيِّن أنَّ كُلَّ ما سوى الله سبحانه فهو محدَثٌ مخلوقٌ، كائنٌ بعد أن لم يكن، ووجودُه لا يكون إلاَّ بموجِده الخالقِ الذي لم يسبقه العدمُ، وسَبَق وجودُه كُلَّ وجودٍ، فكان اللهُ تعالى بجميع صفاته العلى وحده ولا شيء قبلَه ولا معه، ثُمَّ أحدث المخلوقاتِ بقدرته وعلمِه وأوجدها مِن العدم، ذلك لأنَّ صفاتِه سبحانه ليست شيئًا غيرَ الموصوف في الخارج، وأمَّا أفعالُه سبحانه فهي قديمةُ النوع حادثةُ الآحاد، فهو الموصوف بالخالق قبل أن يصدر منه الخلقُ بلا بدايةٍ، والموصوف بالمتكلِّم قبل أن يصدر منه الكلام، وإنما خلقُه وكلامُه مُتجدِّدٌ، فأوَّلية صفاته سبحانه بأوَّلية ذاتِه قديمةُ النوع، وملازِمةٌ له في الماضي والمستقبل، فهو بصفاته أبديٌّ لا نهاية له. ويدلُّ عليه قولُه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لأهل اليمن: «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (١٣/ ٤٠٣) باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾، ﴿وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمُ﴾، من حديث عمران بن حصينٍ رضي الله عنه]، وقوله: «أَنْتَ الأَوَّلُ وَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ وَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ» [تقدَّم تخريجه قريبًا].

هذا، ومِن سياق كلام المصنِّف فإنَّ إثبات ربوبية الله تعالى المحضةِ لجميع المخلوقات تقتضي مباينتَه لعالَم المخلوقاتِ بالذات، والخلقُ مبائنون له، كما تقتضي علوَّه على خلقه وتميُّزه وانفصالَه عنهم وعدمَ اختلاطه بهم أو حلولِه فيهم، وهو قول سلف الأمَّة وأئمَّتها، قال ابن القيِّم -رحمه الله- في «مدارج السالكين» (١/ ٦١): «فمن لم يثبت ربًّا مبائنًا للعالَم فما أثبت ربًّا».

ويترتَّب على هذا المعتقد إبطالُ قول طوائف المعطِّلة من الجهمية والمعتزلة ومَن وافقهم من متأخِّري الأشاعرة والماتريدية الذين ينكرون المبايَنة بالجهة، فبعضُهم ينفي المباينةَ ويثبت المحايثة، فيقولون: إنه بذاته في كلِّ مكانٍ، وبعضهم ينفي المباينة والمحايثة، ويقولون: لا مباينٌ ولا محايثٌ، ولا داخل العالَم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن يساره، ولا خلفه ولا أمامه، ولا فيه ولا بائنٌ عنه، ولا شكَّ أنَّ العقول لا تتصوَّره حتى تُصدِّقَ به.

كما يترتَّب على هذا المعتقد إبطالُ زعم الاتِّحادية مِن أهل الإلحاد والتعطيل، القائلين بوحدة الوجود، الذين يعتقدون أنه ليس في الوجود: قديمٌ خالقٌ، وحادثٌ مخلوقٌ، وإنما وجودُ العالَم هو عينُ وجود الله، وهو حقيقة وجود هذا العالَم، فلا تبايُنَ بين الخالق والمخلوق، فالربُّ هو نفسُ العبد وحقيقتُه، والمالكُ هو عين المملوك، والراحمُ هو عين المرحوم، والعابدُ هو نفس المعبود، فالكلُّ مِن عينٍ واحدةٍ، بل هو العين الواحدة، قال ابن عربيٍّ الحاتميُّ:

العَبْدُ رَبٌّ وَالرَّبُّ عَبْدٌ * يَا لَيْتَ شِعْرِي، مَنِ المُكَلَّفْ؟

إِنْ قُلْتَ: عَبْدٌ، فَذَاكَ مَيْتٌ * أَوْ قُلْتَ: رَبٌّ، أَنَّى يُكَلَّفْ؟

﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٣].

(١١) الآية ٣ من سورة الحديد.

(١٢) الآية ٤ من سورة السجدة.

(١٣) الآية ٢ من سورة الفرقان.

(١٤) الآية ٥٩ من سورة الفرقان، والآية ٤ من سورة السجدة.

(١٥) الآية: ٩، ١٠، ١١، ١٢ من سورة فصِّلت.