«التصفيف الأربعون: الإيمان بالقَدَر (٤)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 رجب 1442 هـ الموافق لـ 02 مارس 2021 م

العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)
بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ

«التصفيف الأربعون: الإيمان بالقَدَر (٤

التاسع والخمسون: [فصل: الاحتجاج بالقَدَر]

لَا يُحْتَجُّ بِالقَدَرِ فِي الذُّنُوبِ؛ لِأَنَّ حُجَّةَ اللهِ قَائِمَةٌ عَلَى الخَلْقِ بِالتَّمَكُّنِ وَالِاخْتِيَارِ وَالدَّلَالَةِ الشَّرْعِيَّةِ(١)(٢)؛ لِقَوْلِهِ ـ تَعَالَى ـ: ﴿وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٢٠[الزخرف](٣).

الستُّون: [فصل: الحذر والقَدَر]

مَعَ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ يَجِبُ الأَخْذُ بِالحَذَرِ(٤)؛ لِقَوْلِهِ ـ تَعَالَى ـ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ[النساء: ٧١](٥)، وَقَوْلِهِ ـ تَعَالَى ـ: ﴿وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡ[النساء: ١٠٢](٦).

 



(١) في نسخة: «م.ف»: «بالتمكُّن والاختيار والهداية الفطرية والهداية الشرعية».

(٢) المُصنِّفُ ـ رحمه الله ـ أرادَ التنبيهَ على هذه المسألةِ الدقيقة في باب القدرة، وهي مسألةُ الاحتجاجِ بالقَدَر على المَعاصي التي أَخْطَأَ في فَهْمِها أهلُ الأهواءِ والبِدَع، وضلُّوا فيها عن سواءِ السبيل؛ ممَّا سوَّغ لهم فَتْحَ بابٍ عريضٍ وشرٍّ مُسْتَطيرٍ للدعوة إلى الفسوق والفجور والإقبالِ على ارتكابِ كُلِّ معصيةٍ ورذيلةٍ؛ احتجاجًا بالقَدَرِ على المَعايِبِ والذنوب.

وقد احتجَّ به الجبريةُ ومَن نَهَجَ طريقَهم مِنَ الجهميةِ وغيرِهم، بناءً على أصلهم الفاسد: أنَّ العبد لا قدرةَ له على عَمَلِه، ولا إرادةَ له ولا اختيارَ منه، وأنَّ العِبادَ مجبورون على أفعالهم وحَرَكاتهم فيها ومجبورون على الطاعةِ والمعصية، وإنما تُنْسَبُ إليهم أفعالُهم على سبيل المَجاز لا الحقيقة، وقد تَقدَّمَ بيانُ ذلك في مؤلَّفِنا: «تحفة الأنيس» (ص ٩٩).

وقد سَبَقَهم إلى هذا المشركون ـ قديمًا ـ الذين استدلُّوا بالقَدَرِ والمشيئةِ لتسويغِ المَعاصي وأعمالِ الجاهلية التي تَشبَّثوا بها مِن الشركِ والكفرِ ومَظاهِرِ الوثنية وما يَسْتتبِعُ ذلك مِن أنواعِ البِدَعِ ومُخْتَلَفِ الآثام، ظنًّا منهم أنَّ الاحتجاجَ بالمَشيئةِ والقَدَرِ ـ الذي لا مَدْفَعَ له ولا حيلةَ في ردِّه ولا عَمَلَ دونه ـ أنَّ ذلك ينفعهم ويَقِيهم مِن عقابِ الله ويُنْجيهم مِن عذابه، فأَبْطَلَ اللهُ زَعْمَهم الفاسدَ وفَهْمَهم الكاسد وحُجَّتَهم الزائفة بقوله ـ عزَّ وجلَّ ـ: ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ ١٤٨[الأنعام]، وقولِه ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٣٥[النحل]، وقولِه ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٢٠[الزخرف]؛ فاللهُ تعالى ـ في هذه الآيات ـ ذَمَّهم على جَعْلِهِمُ الشركَ كائنًا منهم بمَشيئةِ الله كما ذمَّ اللهُ ـ تعالى ـ إبليسَ الملعون حين أضافَ الإغواءَ إلى الله ـ تعالى ـ في قوله ـ تعالى ـ عنه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩[الحِجْر].

وقد بيَّن ابنُ أبي العِزِّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح الطحاوية» (١٥٤)] وجوهَ إنكارِ الله على المشركين بأجوبةٍ بما نصُّه:

«... أَنْكَرَ عليهم ذلك لأنَّهم احتجُّوا بمَشيئتِه على رِضاهُ ومَحَبَّتِه، وقالوا: لو كَرِهَ ذلك وسَخِطَه لَما شاءَهُ، فجَعَلوا مَشيئتَه دليلَ رِضاهُ؛ فردَّ اللهُ عليهم ذلك، أو أنه أَنْكَرَ عليهم اعتقادَهم أنَّ مَشيئةَ اللهِ دليلٌ على أَمْرِه به، أو أنه أَنْكَرَ عليهم مُعارَضةَ شَرْعِه وأَمْرِه الذي أَرْسَلَ به رُسُلَه وأَنْزَل به كُتُبَه بقضائه وقَدَرِه؛ فجعلوا المَشيئةَ العامَّةَ دافعةً للأمر؛ فلم يذكروا المَشيئةَ على جهةِ التوحيد، وإنما ذَكَرُوها مُعارِضين بها لِأَمْرِه دافعين بها لشَرْعِه كفعل الزنادقة والجُهَّال: إذا أُمِروا أو نُهُوا احتجُّوا بالقَدَر، وقد احتجَّ سارقٌ على عُمَرَ رضي الله عنه بالقَدَرِ فقال: «وأنا أَقْطَعُ يَدَك بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه»؛ يَشْهَدُ لذلك قولُه ـ تعالى ـ في الآية: ﴿كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ[الأنعام: ١٤٨؛ يونس: ٣٩]؛ فعُلِمَ أنَّ مُرادَهم التكذيبُ؛ فهو ـ مِن قَبْلِ الفعلِ ـ مِنْ أين له أنَّ الله لم يُقَدِّرْه؟ أَطَّلَعَ الغيبَ؟! ... وأمَّا قولُ إبليس: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي[الحِجْر: ٣٩]، إنما ذُمَّ على احتجاجه بالقَدَر، لا على اعترافه بالمُقدَّرِ وإثباتِه له، ألم تَسْمَعْ قولَ نوحٍ عليه السلام: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤ [هود]، ولقد أَحْسَنَ القائلُ:

فَمَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ        وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ».

«فالقَدَرُ يُؤْمَنُ به ولا يُحْتَجُّ به؛ فمَنْ لم يُؤْمِنْ بالقَدَرِ ضارَعَ [أي: شَابَه] المجوسَ، ومَنِ احتجَّ به ضارَعَ المُشْرِكين، ومَنْ أَقَرَّ بالأمر والقَدَرِ وطَعَنَ في عَدْلِ اللهِ وحكمتِه كان شبيهًا بإبليس؛ فإنَّ الله ذَكَرَ عنه أنه طَعَنَ في حكمته وعارَضَه برأيه وهَوَاهُ وأنه قال: ﴿بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩[الحِجْر]» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ١١٤)].

وعليه يَتبيَّنُ أنه لا يجوز الاحتجاجُ بالقَدَرِ على تَرْكِ العَمَلِ ولا على مُخالَفةِ الشرع؛ إذ لو صحَّ الاحتجاجُ بالقَدَرِ على المَعاصي والانغماسِ في الشهوات لَأدَّى ذلك إلى مَفاسِدَ عظيمةٍ وتَرتَّبَتْ عليه آثارٌ غايةٌ في السوء والفساد: مِنِ انتهاكِ الأعراض، وسَلْبِ الأموال، وتضييعِ الفرائض، وتعطيلِ الحدود، وإهلاكِ الحرث والنسل، وغيرِ ذلك مِن المَفاسِد، بل لَمَا كان لخَلْقِ الجنَّةِ والنار والثوابِ والعقاب أيُّ معنًى؛ فكانَتْ هذه الحُجَّةُ مُتهافِتةً مردودةً.

أمَّا حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ»، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: «أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟»»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» مَرَّتَيْنِ [أخرجه البخاريُّ في «الأنبياء» (٦/ ٤٤١) بابُ وفاةِ موسى وذِكْرِه بعدُ، وفي «التفسير» (٨/ ٤٣٤) باب: ﴿وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي ٤١[طه] وباب: ﴿فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ ١١٧[طه]، وفي «القَدَر» (١١/ ٥٠٥) بابُ تَحَاجِّ آدَمَ وموسى عند الله، و«التوحيد» (١٣/ ٤٧٧) بابُ ما جاء في قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤[النساء]، ومسلمٌ في «القَدَر» (١٦/ ٢٠٠) بابُ حِجاجِ آدَمَ وموسى صلَّى الله عليهما وسلَّم، وأبو داود في «السُّنَّة» (٥/ ٧٦) بابٌ في القَدَر، والترمذيُّ في «القَدَر» (٤/ ٤٤٤) بابُ ما جاء في حِجاجِ آدَمَ وموسى عليهما السلام، وابنُ ماجه في «المقدِّمة» (١/ ٣١) باب (١٠)، مع تقديمٍ وتأخيرٍ واختلافٍ يسيرٍ في بعضِ ألفاظه].

فإنَّ «هذا الحديثَ أصلٌ جسيمٌ لأهلِ الحقِّ في إثباتِ القَدَر، وأنَّ الله قَضَى أعمالَ العباد؛ فكُلُّ أَحَدٍ يَصيرُ لِما قُدِّرَ له بما سَبَقَ في عِلْمِ الله» كما قال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ [انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٥٠٩)].

وليس في الحديثِ حُجَّةٌ للجبرية ومَنْ وافَقَهم على تسويغِ مذهبهم ومقولتهم في الاحتجاج بالقَدَر على القبائح والمَعايِب؛ لأنَّ آدَمَ عليه السلام لم يحتجَّ بالقَدَر على الذَّنْب، وموسى عليه السلام لم يَلُمْه عليه، وإنما لامَهُ على مُصيبةِ إخراجِ ذُرِّيَّته مِن الجنَّة؛ فاحتجَّ آدَمُ عليه السلام بالقَدَرِ على المُصيبةِ التي نَزَلَتْ به وبذُرِّيَّته بما فَعَل؛ فلو كان الاحتجاجُ بالقَدَرِ على الذَّنْب لَتَمسَّكَ به آدَمُ ولم يحصل منه توبةٌ ولا استغفارٌ، وهو أَحْسَنُ ما قِيلَ في الحديث.

وقد أَوْضَحَ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ صوابَ المسألةِ في [«مجموع الفتاوى» (٨/ ٣١٩)] بقوله: «الصوابُ في قصَّةِ آدَمَ وموسى: أنَّ موسى لم يَلُمْ آدَمَ إلَّا مِن جهةِ المُصيبةِ التي أصابَتْه وذُرِّيَّتَه بما فَعَلَ لا لأَجْلِ أنَّ تارِكَ الأمرِ مُذْنِبٌ عاصٍ؛ ولهذا قال: «لماذا أَخْرَجْتَنا ونَفْسَك مِنَ الجنَّة؟» لم يَقُلْ: «لماذا خالَفْتَ الأمرَ ولماذا عَصَيْتَ؟»، والناسُ مأمورون عند المَصائبِ التي تُصيبُهم بأفعالِ الناس أو بغيرِ أفعالهم بالتسليم للقَدَرِ وشهودِ الربوبية كما قال ـ تعالى ـ: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥ[التغابن: ١١]، قال ابنُ مسعودٍ أو غيرُه: «هو الرجلُ تُصِيبُهُ المُصيبةُ فيَعْلَمُ أنها مِن عندِ الله فيرضى ويُسَلِّمُ» ... وما زال أئمَّةُ الهدى مِنَ الشيوخ وغيرِهم يُوصُونَ الإنسانَ بأَنْ يفعل المأمورَ ويترك المحظورَ ويصبر على المقدور وإِنْ كانَتْ تلك المُصيبةُ بسببِ فعلِ آدَمِيٍّ؛ فلو أنَّ رجلًا أَنْفَقَ مالَه في المَعاصي حتَّى مات ولم يُخَلِّفْ لولده مالًا أو ظَلَمَ الناسَ بظلمٍ صاروا لأَجْله يبغضون أولادَه ويَحْرِمونهم ما يُعْطُونه لأمثالهم؛ لَكان هذا مُصيبةً في حقِّ الأولاد حَصَلَتْ بسببِ فِعْلِ الأب، فإذا قال أَحَدُهم لأبيه: «أنتَ فَعَلْتَ بنا هذا» قِيلَ للابن: هذا كان مقدورًا عليكم وأنتم مأمورون بالصبر على ما يُصيبُكم، والأبُ عاصٍ لله فيما فَعَلَه مِن الظلم والتبذيرِ مَلُومٌ على ذلك، لا يَرْتفِعُ عنه ذَمُّ اللهِ وعقابُه بالقَدَرِ السابق، فإِنْ كان الأبُ قد تابَ توبةً نصوحًا وتابَ اللهُ عليه وغَفَرَ له لم يَجُزْ ذَمُّه ولا لَوْمُه بحالٍ، لا مِنْ جهةِ حَقِّ الله؛ فإنَّ الله قد غَفَرَ له، ولا مِنْ جهةِ المُصيبةِ التي حَصَلَتْ لغيره بفعله؛ إذ لم يكن هو ظالمًا لأولئك؛ فإنَّ تلك كانَتْ مُقَدَّرةً عليهم.

وهذا مثالُ «قصَّةِ آدَمَ»: فإنَّ آدَمَ لم يَظْلِمْ أولادَه، بل إنما وُلِدُوا بعد هبوطه مِنَ الجنَّة، وإنما هَبَطَ آدَمُ وحوَّاءُ، ولم يكن معهما ولدٌ حتَّى يُقالَ: إنَّ ذَنْبهما تَعَدَّى إلى وَلَدِهما، ثمَّ بعد هبوطهما إلى الأرض جاءَتِ الأولادُ؛ فلم يكن آدَمُ قد ظَلَمَ أولادَه ظلمًا يَسْتحِقُّون به مَلَامَه، وكونُهم صاروا في الدنيا دون الجنَّةِ أمرٌ كان مُقَدَّرًا عليهم لا يَسْتَحِقُّون به لَوْمَ آدَمَ، وذَنْبُ آدَمَ كان قد تابَ منه، قال اللهُ ـ تعالى ـ: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١ ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ ١٢٢[طه]، وقال: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِ[البقرة: ٣٧]؛ فلم يَبْقَ مُسْتَحِقًّا لذمٍّ ولا عقابٍ.

وموسى كان أَعْلَمَ مِنْ أَنْ يَلُومَهُ لحقِّ اللهِ على ذَنْبٍ قد عَلِمَ أنه تابَ منه؛ فموسى ـ أيضًا ـ قد تابَ مِن ذَنْبٍ عَمِلَه، وقد قال موسى: ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ١٥٥[الأعراف]، وآدَمُ أَعْلَمُ مِنْ أَنْ يحتجَّ بالقَدَرِ على أنَّ المُذْنِبَ لا مَلامَ عليه؛ فكيف وقد عَلِمَ أنَّ إبليس لَعَنَه اللهُ بسببِ ذَنْبه وهو ـ أيضًا ـ كان مُقَدَّرًا عليه؟ وآدَمُ قد تابَ مِنَ الذَّنْب واستغفر؛ فلو كان الاحتجاجُ بالقَدَرِ نافعًا له عند ربِّه لَاحْتَجَّ ولم يَتُبْ ويَسْتغفِرْ».

وقد أكَّد هذا المعنى ابنُ أبي العِزِّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح الطحاوية» (١٥٤)] بقوله: «فإِنْ قِيلَ: فما يقولون في احتجاجِ آدَمَ على موسى عليهما السلام بالقَدَرِ إذ قال له: «أَتَلُومُني على أَمْرٍ قد كَتَبَهُ اللهُ عليَّ قبل أَنْ أُخْلَقَ بأربعين عامًا؟» وشَهِدَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ آدَمَ حجَّ موسى، أي: غَلَبَ عليه بالحجَّة؟

قِيلَ: نَتَلقَّاهُ بالقَبولِ والسمعِ والطاعةِ لصحَّته عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا نَتَلقَّاهُ بالردِّ والتكذيبِ لراويهِ كما فَعَلَتِ القدريةُ ولا بالتأويلات الباردة، بل الصحيحُ أنَّ آدَمَ لم يحتجَّ بالقضاءِ والقَدَرِ على الذَّنْب، وهو كان أَعْلَمَ بربِّه وذَنْبه، بل آحادُ بَنِيهِ مِنَ المؤمنين لا يحتجُّ بالقَدَرِ فإنه باطلٌ، وموسى عليه السلام كان أَعْلَمَ بأبيه وبذَنْبه مِنْ أَنْ يلوم آدَمَ على ذَنْبٍ قد تابَ منه وتابَ اللهُ عليه واجْتَبَاهُ وهَدَاهُ، وإنما وَقَعَ اللومُ على المُصيبةِ التي أَخْرَجَتْ أولادَه مِنَ الجنَّة؛ فاحتجَّ آدَمُ بالقَدَرِ على المُصيبةِ لا على الخطيئة؛ فإنَّ القَدَرَ يُحْتَجُّ به عند المَصائبِ لا عند المَعائبِ. وهذا المعنى أَحْسَنُ ما قِيلَ في الحديث، فما قُدِّرَ مِنَ المَصائبِ يجب الاستسلامُ له؛ فإنه مِنْ تمامِ الرضى بالله ربًّا، وأمَّا الذنوبُ فليس للعبد أَنْ يُذْنِبَ، وإذا أَذْنَبَ فعليه أَنْ يَسْتغفِرَ ويتوب: فيتوبُ مِنَ المعائب، ويصبر على المَصائب. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ[غافر: ٥٥]، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡ‍ًٔا[آل عمران: ١٢٠]».

(٣) وهذه الآيةُ تدلُّ ـ بالنظر إلى ظاهِرِها ـ على صحَّةِ قولِ الكُفَّار: ﴿لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُم﴾ وأنه حقٌّ؛ لأنَّ اللهَ لو شاءَ أَنْ لا يُشْرِكوا به وأَنْ لا يعبدوا مِنْ دونِه مِنْ شيءٍ ما عَبَدُوهم ولا أَشْرَكوا به شيئًا. ويُؤكِّدُ صحَّةَ المعنى: قولُه ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًا[يونس: ٩٩]، وقولُه ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ[الأنعام: ٣٥]، وقولُه ـ تعالى ـ: ﴿فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٤٩[الأنعام]، وقولُه ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْ[الأنعام: ١٠٧]، وقولُه ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا[السجدة: ١٣].

لكِنْ لمَّا صرَّح اللهُ بكَذِبهم في هذه الدعوى التي ظاهِرُها حقٌّ بقوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٢٠[الزخرف]؛ فدلَّ على أنَّ ذَمَّ اللهِ لقولهم واقعٌ على غيرِ هذا الوجهِ، وإنما وَقَعَ مِنْ جهةِ تَعَلُّقِهم بشبهةٍ مُتهافِتةٍ مَفادُها: أنَّ الله ـ تعالى ـ لمَّا كان قادرًا بإرادته على مَنْعِهم مِنَ الكفر بالله والكذبِ عليه في اتِّخاذِ الشُّرَكاءِ له وتحريمِ ما لم يُحَرِّمْه، وكان قادرًا بمَشيئتِه على هدايتهم ولم يمنعهم مِنْ ذلك؛ فدلَّ على أنه ـ في زَعْمِهم ـ شاءَ لهم الشركَ والضلال ورَضِيَ لهم ذلك؛ إذ لو لم يَرْضَ لهم ذلك لَصَرَفه عنهم؛ احتجاجًا منهم بالمَشيئةِ القَدَريةِ ـ والحال هذه ـ.

فكان تكذيبُ اللهِ ـ تعالى ـ مُنْصَبًّا ـ مِنْ الناحية الأولى ـ على استدلالهم بأنَّ الإرادة الكونية القَدَرية تَسْتلزِمُ المَحَبَّةَ والرِّضى، أي: أنَّ الله أَحَبَّ لهم الضلالَ والكفر والمَعاصيَ ورَضِيَها منهم، ولا يخفى بطلانُ هذا المُعْتَقَدِ؛ ولهذا كذَّب اللهُ ـ تعالى ـ هذه الدعوى في هذه الآيةِ وغيرِها مِن الآيات، ومنها قولُه ـ تعالى ـ: ﴿وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَ[الزمر: ٧]، وإنما الإرادةُ الشرعيةُ الدينية ـ وهي المتعلِّقةُ بالأمر الذي أرادَ اللهُ مِنْ عِبادِه فِعْلَه شرعًا ـ هي مَحَلُّ مَحَبَّتِه ورِضَاه، أمَّا الإرادةُ الكونيةُ القَدَريةُ فقَدْ يُحِبُّها اللهُ ويَرْضاها وقد لا يُحِبُّها ولا يَرْضاها؛ لذلك فهي لا تَسْتلزِمُ مَحَبَّتَه ورِضاهُ.

ومِنَ الناحية الثانية، فإنَّ إنكار اللهِ عليهم احتجاجَهم بالقَدَرِ على شِرْكِهم وتحريمِ ما حرَّموا؛ فإنه يدلُّ على أنَّ هذه الأعمالَ ـ مِن الشركِ وتحريمِ ما حرَّموا ـ مِن أعمالهم، ليس لهم التذرُّعُ إليها بالمَشيئةِ والاحتجاجُ عليها بالقَدَر [انظر: «شرح الطحاوية» لابن أبي العزِّ (١٥٣)، «تفسير ابنِ كثير» (٢/ ١٨٦)، «أضواء البيان» للشنقيطي (٧/ ٢٢٠)].

(٤) وفي نسخة: «م.ف»: «الحذر مع الإيمانِ بالقَدَر، يجب الأخذُ بالحذر».

(٥) وتمامُها: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١[النساء].

(٦) أكَّد المُصنِّفُ رحمه الله ـ في هذا الفصلِ ـ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُه مِنْ وجوبِ التوسُّلِ إلى المُسبَّباتِ المشروعةِ بأسبابها، والأخذِ بالأسباب، مع الإيمانِ بسَبْقِ قَدَرِ الله فلا يكون إلَّا ما قدَّره منها؛ ذلك لأنَّ الله ـ تعالى ـ قَضَى بحكمته تَعَلُّقَ الأسبابِ بمُسَبَّباتها وارتباطَها بها وبناءَها عليها؛ فرتَّب حصولَ النفعِ والخير على العمل، والمعلولِ على العِلَّة، والمسبَّبِ على السبب ترتيبَ الجزاء على الشرط، ومِن الأسباب التي أَمَرَ اللهُ ـ تعالى ـ عِبادَه المؤمنين هو الحذرُ مِنْ عَدُوِّهم؛ وهذا يقتضي ـ لزومًا ـ التأهُّبَ لهم بإعدادِ العُدَّة المادِّيَّة مِنَ الأسلحة والعُدَدِ وتكثيرِ العَدَدِ بالنفير في سبيل الله، مع العلم اليقينِ أنَّ الأسباب التي تُتَّخَذُ بما في ذلك الحذرُ هي ـ في حَدِّ ذاتها ـ داخلةٌ في قضاءِ الله وقَدَرِه ـ كما تَقَدَّمَ ـ لأنَّ اللهَ خَلَقَ الأسبابَ والمسبَّبات؛ فجَعَلَ هذا سببًا للآخَر، وكُلٌّ مُقدَّرٌ بالسبب.

ويدلُّ على أنَّ حصول المسبَّباتِ عند حصول الأسباب مِنْ جملةِ القَدَرِ حديثُ ابنِ أبي خزامة عن أبيه أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا: هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؟» فَقَالَ: «هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ» [أخرجه الترمذيُّ في «القَدَر» (٤/ ٤٥٣) بابُ ما جاءَ: لا تَرُدُّ الرُّقى ولا الدواءُ مِنْ قَدَرِ اللهِ شيئًا، وابنُ ماجه في «الطبِّ» (٢/ ١١٣٧) باب: «مَا أَنْزَلَ اللهُ داءً إلَّا أَنْزَلَ له شفاءً». قال الترمذيُّ: «حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ»، وحسَّنه الألبانيُّ في «تخريج أحاديثِ مُشْكِلةِ الفقر» (١١)، وضعَّفه في «ضعيف الترمذي» (٢٢٠) و«ضعيف ابنِ ماجه» (٢٨٠)].

وبيَّن ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (٨/ ٢٧٦)] أَمْرَ ارتباطِ المسبَّبات بأسبابها وأنها مِنْ قَدَرِ الله وقضائه بقوله: «وذلك لأنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو يعلم الأشياءَ على ما هي عليه وكذلك يكتبها؛ فإذا كان قد عَلِمَ أنها تكون بأسبابٍ مِن عَمَلٍ وغيرِه، وقَضَى أنها تكون كذلك وقدَّر ذلك؛ لم يَجُزْ أَنْ يُظَنَّ أنَّ تلك الأمورَ تكون بدونِ الأسباب التي جَعَلها اللهُ أسبابًا، وهذا عامٌّ في جميعِ الحوادث.

مثال ذلك: إذا عَلِمَ اللهُ وكَتَبَ أنه سيُولَدُ لهذين ولدٌ وجَعَل اللهُ ـ سبحانه ـ ذلك مُعَلَّقًا باجتماعِ الأبوين على النكاح وإنزالِ الماء المَهينِ الذي ينعقد منه الولدُ؛ فلا يجوز أَنْ يكون وجودُ الولد بدون السبب الذي عُلِّقَ به وجودُ الولد، والأسبابُ ـ وإِنْ كانَتْ نوعين: معتادةً وغريبةً: فالمعتادة: كولادة الآدَمِيِّ مِن أبوين، والغريبةُ: كولادة الإنسان مِنْ أمٍّ فقط كما وُلِدَ عيسى، أو مِنْ أبٍ فقط كما وُلِدتْ حوَّاءُ، أو مِنْ غيرِ أبوين كما خُلِقَ آدَمُ أبو البشر مِنْ طينٍ ـ فجميعُ الأسبابِ قد تَقَدَّمَ عِلْمُ اللهِ بها وكتابتُه لها وتقديرُه إيَّاها وقضاؤه بها، كما تَقَدَّمَ رَبْطُ ذلك بالمسبَّبات؛ كذلك ـ أيضًا ـ الأسبابُ التي بها يُخْلَقُ النباتُ مِنْ إنزالِ المطر وغيرِه مِنْ هذا البابِ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ[البقرة: ١٦٤]، وقال: ﴿فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ[الأعراف: ٥٧]، وقال: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّ[الأنبياء: ٣٠]، وأمثال ذلك؛ فجميعُ ذلك مُقَدَّرٌ معلومٌ مَقْضِيٌّ مكتوبٌ قبل تكوينه، فمَنْ ظنَّ أنَّ الشيءَ ـ إذا عُلِمَ وكُتِبَ ـ أنه يكفي ذلك في وجوده ولا يحتاج إلى ما به يكون ـ مِنَ الفاعلِ الذي يفعله وسائرِ الأسباب ـ فهو جاهلٌ ضالٌّ ضلالًا مُبينًا».

قلت: وقد تَقدَّمَ قولُ بَعْضِهم: إنَّ الالتفات إلى الأسبابِ شركٌ في التوحيد، ومَحْوَ الأسبابِ أَنْ تكون أسبابًا نقصٌ في العقل، والإعراضَ عن الأسباب بالكُلِّيَّة قَدْحٌ في الشرع، ومجرَّدَ الأسبابِ لا يُوجِبُ حصولَ المسبَّب.

وقد بيَّن ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (٨/ ١٦٩ ـ ١٧٧)] مدلولَ هذه المَقالةِ، ونُورِدُ قولَه مُخْتَصَرًا بما نصُّه: «أنَّ الالتفات إلى السبب هو اعتمادُ القلبِ عليه ورجاؤه والاستنادُ إليه، وليس في المخلوقاتِ ما يَسْتَحِقُّ هذا لأنه ليس مُسْتقِلًّا ولا بُدَّ له مِن شُرَكاءَ وأضدادٍ، ومع هذا كُلِّه فإنْ لم يُسَخِّرْه مسبِّبُ الأسباب لم يُسَخَّرْ، وهذا ممَّا يُبيِّنُ أنَّ اللهَ ربُّ كُلِّ شيءٍ ومليكُه ... وأمَّا قولُهُم: «محوُ الأسباب أَنْ تكون أسبابًا نقصٌ في العقل»؛ فهو كذلك وهو طعنٌ في الشرع أيضًا؛ فإنَّ كثيرًا مِنْ أهل الكلام أنكروا الأسبابَ بالكُلِّيَّة وجعلوا وُجُودَها كعَدَمِها، كما أنَّ أولئك الطَّبعيِّين جعلوها عِلَلًا مُقْتَضِيَةً، وكما أنَّ المعتزلة فرَّقوا بين أفعالِ الحيوان وغيرِها، والأقوالُ الثلاثةُ باطلةٌ؛ فإنَّ الله يقول: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ[الأعراف: ٥٧] ... وأمثال ذلك. فمَنْ قال: يفعل عندها لا بها فقَدْ خالَفَ لفظَ القرآنِ مع أنَّ الحِسَّ والعقل يَشْهَدُ أنها أسبابٌ ويَعْلَمُ الفَرْقَ بين الجبهة وبين العين في اختصاصِ أَحَدِهما بقوَّةٍ ليست في الآخَرِ، وبين الخبز والحصى في أنَّ أَحَدَهما يحصل به الغذاءُ دون الآخَر.

وأمَّا قولهم: «الإعراض عن الأسباب بالكُلِّيَّةِ قَدْحٌ في الشرع»، بل هو ـ أيضًا ـ قَدْحٌ في العقل؛ فإنَّ أفعال العِبادِ مِنْ أقوى الأسبابِ لِما نِيطَ بها؛ فمَنْ جَعَل الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ كالمُفْسِدين في الأرض أو يجعلُ المُتَّقِين كالفُجَّار فهو مِنْ أَعْظَمِ الناسِ جهلًا وأَشَدِّهم كفرًا، بل ما أَمَرَ اللهُ به مِنَ العباداتِ والدعَوَاتِ والعلومِ والأعمالِ مِن أَعْظَمِ الأسباب فيما نِيطَ بها مِنَ العبادات، وكذلك ما نَهَى عنه مِن الكفر والفسوق والعصيان هي مِنْ أَعْظَمِ الأسباب لِما عُلِّقَ بها مِنَ الشقاوات...

وكذلك مَنْ تَرَكَ الأسبابَ المشروعة المأمورَ بها أَمْرَ إيجابٍ أو أَمْرَ استحبابٍ مِنْ جَلْبِ المَنافِعِ أو دَفْعِ المَضَارِّ قادحٌ في الشرع خارجٌ عن العقل، ومِنْ هنا غَلِطوا في تَرْكِ الأسبابِ المأمورِ بها وظنُّوا أنَّ هذا مِن تمامِ التوكُّل، والتوكُّلُ مقرونٌ بالعبادة في قوله: ﴿فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِ[هود: ١٢٣]، والعبادةُ فِعْلُ المأمورِ؛ فمَنْ تَرَكَ العبادةَ المأمورَ بها وتَوَكَّلَ لم يكن أَحْسَنَ حالًا ممَّن عَبَدَه ولم يتوكَّلْ عليه، بل كلاهما عاصٍ لله تاركٌ لبعضِ ما أُمِرَ به».