جواب على منتقد فتوى الشيخ أبي عبد المعز محمّد علي فركوس حفظه الله تعالى  الموسومة بعنوان: في تحقيق تأويل ابن عباس رضي الله عنهما لصفة «الساق» في الآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 14 شعبان 1440 هـ الموافق لـ 19 أبريل 2019 م



جواب على منتقد فتوى الشيخ أبي عبد المعز محمّد علي فركوس حفظه الله تعالى
 الموسومة بعنوان: في تحقيق تأويل ابن عباس رضي الله عنهما لصفة «الساق»
في الآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾

 

لقد اطلعت إدارة الموقع على ما نشر في أحد المنتديات، استشكال أحد المشاركين فيه عن فتوى الشيخ المذكورة أعلاه، ووجهه أنّ القرطبي: «بيَّن في تفسيره للآية الكريمة أنَّه لا يقصد إثبات الأعضاء لله تعالى»، فأجابه أحدهم بنص الانتقاد الآتي:

«هذا الوهابي المدَّعي بالمشيخة لا حياء له بحيث يتهم سيدنا عبد الله بن عباس بالاعتزال لقوله: «كانت الآية في هذه الحالة من جملة آيات الصفات التي يجب إثباتها من غير تأويلها بشدَّة الهول وعظم الأمر خلافًا للمعطِّلة الذين حَمَلوا الآية على شدَّة الأمر».

والشخص الذي طرح له السؤال أحرجه بنقله تأويل ابن عباس لهذه الآية ويطلب منه رأيه، هذا الوهابي على عادته يفر بقوله: هذا معنى لغوي، وإنما المعنى الصحيح أنّ لله ساقًا نثبته.

نسأل الله أن يعافينا من هؤلاء الوهابيين الذين ينسبون أعضاءً لله.

هؤلاء الناس لا يتراجعون أمام أي شيء لبث سمومهم حتى أمام كلمة عالم كابن حجر أو النووي أو البيهقي أو السيوطي، حتى أمام كلام صحابي كما هو الحال هنا لابن عباس.

حسبنا الله ونعم الوكيل».

 

جواب الإدارة:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فقد اعترض نكرةٌ على فتوى شيخِنا أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس -حفظه الله تعالى- في تحقيق ما نُسب إلى ابن عباسٍ رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، بأنه شدة الأمر والهول، وقرَّر المعترض نفي هذه الصفة عن الله تعالى، ووصف المثبِتَ لها بالانحراف، وأنَّ الشيخ الوهابي ليست له الأهلية لتقويم سيِّدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كعادة الوهابيِّين الذين يقولون: إنَّ لله حقيقة ساقًا، ثمَّ دعا الله تعالى أن يحفظه من الوهابيِّين الذين ينشرون سمومهم.

هذا، ومِن مُنطلَق العدلِ المأمورِ به في كلِّ أحدٍ صديقًا أو عدوًّا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]، ومن مبدأ وجوه الإنصاف الذي هو غاية العدل في المناظرة، وهو أنه من أتى ببرهان ظاهر وجب الانصراف إلى قوله الذي يشهد له قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٩-٥٠]، لذلك كان للإدارة جواب يظهر فحواه في المقامات التالية:

المقام الأول:

ينبغي على من ينتقد غيرَه أن يسلك سبيلَ الأدب، وأن يقدّم على جدله تقوى الله عزّ وجلّ ليَزْكُوَ نظره، وأن يجتنب التهويل الذي ليس وراءَه تحصيلٌ، فإنَّ الحقَّ لا يُنصرُ بالسِّباب والشتم، ولا بالنَّبْزِ واللَّمْزِ، وإنما بالحُجج والبراهين، كما قال ابنُ جريرٍ الطبريُّ: «…فأمَّا الدعاوي فلا تتعذّر على أحد..» [«جامع البيان»: (٦/ ١٧)]، وقال السخاوي: «وقد روينا عن المُزني قال: سمعني الشافعي يومًا وأنا أقول: «فلان كذاب»، فقال لي: يا إبراهيم أكسُ ألفاظَك أحسنها، لا تقل: كذَّاب، ولكن قل: حديثُه ليس بشيء». [«الإعلان بالتوبيخ» للسخاوي: (٦٩)]، وأن يصلح منطقه ويهذّبه، فيجتنب الفحش في الخطاب، والتقعير في الكلام، والوحشي من الألفاظ، فإنه لا يضيف إلى الحجّة قوة ولا إلى الكلام حلاوة، بل يورث البلادة، ويقطع مادة الفهم والخاطر، وقد تنازع الأصمعي والمفضَّل يومًا في بيتٍ من الشعر، فرفع المفضَّل صوتَه، فقال له الأصمعي: «لو نفخت في الشّبور -أي: البوق- لم ينفعك، تكلَّم كلام النمل وأصب». [«الروض الأنف» للسهيلي: (١/ ٢٤٠)]، وقال أبو الوليد الباجي: «ويجتنب إظهار العجب من كلام خصمه، والتشنيع عليه في جداله، فإنّ ذلك يفعله الضعفاء، ومن لا إنصاف عنده». [«المنهاج في ترتيب الحجاج»: (١٠)]، وقال أبو محمّد ابن حزم: «ولا تحقر أحدًا حتى تعرف ما عنده، فربما فاجأك منه ما لم تحتسب، وليس ذلك إلاّ من فِعل أهل النُّوك(١) الذين لا يحصِّلون». [«التقريب لحد المنطق»: (١٩٦)].

وبعد هذا، فرمي المعترض مَن يُثبت الصفاتِ لله تعالى على الوجه اللائق به بالوهابية «شِنْشِنَةٌ أعرفها مِن أَخْزَمَ»(٢)، فإنَّ شيخ الإسلام محمَّد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لم يأت بشيءٍ جديدٍ، وإنَّما جدَّد للناس ما اندثر من معالم الدِّين، كما قال العلاَّمة مبارك الميلي عن شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا ابن تيمية فلم يبتدع ضلالةً، وإنما أحيا السُّنَّة، ودعا إلى الهُدى، واجتهد في النُّصح، وليست الدعوة إلى التوحيد بمذهبٍ خاصٍّ، ولكنّه دين الله العام». [«الشرك ومظاهره»: (٩٧)].

فما قرَّره الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب في مسائل التوحيد هو الإسلام الصحيح الذي بعث به محمَّد بن عبد الله صَلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ولم يبتدع للأمَّة دينًا جديدًا حتى تخصَّص دعوته باسمٍ خاصٍّ. [انظر: «فتاوى محمَّد بن إبراهيم»: (١/ ٧)]، قال أبو عبد المعز محمَّد علي فركوس –حفظه الله تعالى-: «أمَّا لفظة «الوهابية» فهي من إطلاق خصوم دعوة الحقّ من أهل الأهواء والبدع يريدون بذلك نبزَ الشيخِ محمّد بن عبد الوهاب -رحمه الله- والتنقّص من دعوته الإصلاحية إلى تجريد التوحيد من الشركيات، ونبذ جميع السبل إلاّ سبيل محمّد صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وما دعوته -رحمه الله- إلاّ امتداد لدعوة المتبعين لمحمّد صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم من السلف الصالح ومن سار على نهجهم من أهل السنّة والجماعة، التي لا تخرج عن أصولهم ولا على مسلكهم في الدعوة إلى الله بالحجّة والبرهان قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقد كانت دعوتُه ودعوةُ أئمّةِ الهدى والدِّين قائمةً على محاربة البدعِ والتعصّبِ المذهبيِّ والتفرّقِ، وعلى منع وقوعِ الفتن بين المذاهب والانتصار لها بالأحاديث الضعيفة والآراء الفاسدة، وترك ما صحّ عن النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم من السُّنن والآثار، كما حاربت دعوته تَنْزيل الإمام المتبوع في أتباعه مَنْزلة النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في أُمَّته، والإعراض عن الوحي والاستغناء عنه بأقوال الرجال، فمثل هذا الالتزام بمذهب واحد اتخِذَ سبيلاً لجعل المذهب دعوة يُدعى إليها يوالى ويعادى عليها، الأمر الذي أدّى إلى الخروج عن جماعة المسلمين، وتفريق صفّهم، وتشتيتِ وحدتهم، وقد حصل بسبب ذلك تسليط الأعداء عليهم واستحلال بيضتهم، فأهل السُّنَّة والجماعة إنما يدعون إلى التمسّك بوصية رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم المتمثّلة في الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة وما اتفقت عليه الأُمَّة، فهذه أصول معصومة دون ما سواها، قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا، أَوْ عَمِلْتُمْ بِهِمَا، كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»(٣)، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِن بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»(٤).

إنّ استصغار أهلِ السُّنَّة والجماعة والتنقصَ من قدرهم بنبزهم «بالوهابية» تارة، و«بعلماء البَلاط» تارة، و«بالحشوية» تارة، و«بأصحاب حواشٍ وفروع» تارة، وﺑ «علماء الحيض والنفاس» تارة، وﺑ «جهلة فقه الواقع» تارة، وﺑ «تَلَفِيُّون أتباع ذنب بغلة السلطان»تارة، وﺑ «العُملاء» تارة، وﺑ «علماء السلاطين»، ما هي إلاّ سُنَّة المبطلين الطاعنين في أهل السُّنَّة السلفيين، ولا تزال سلسلة الفساد متصلة لا تنقطع يجترُّها المرضى بفساد الاعتقاد، يطلقون عباراتهم الفَجَّة في حقّ أهل السُّنَّة والجماعة، ويلصقون التهم الكاذبة بأهل الهدى والبصيرة، لإبعاد الناس عن دعوتهم، وتنفيرهم عنها وصدِّهم عمّا دعوا إليه، والنظر إليهم بعين الاحتقار والسخط والاستصغار، وهذا ليس بغريب ولا بعيد على أهل الباطل في التجاسر على العلماء وما يحملونه من علم ودين باللمز والغمز والتنقّص، فقد طُعن في النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بألقاب كاذبة ووصف بأوصاف خاطئة، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]، وقد جاء هذا الخُلُق الذميم على لسان رجلٍ من الخوارج في قوله للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «اعْدِلْ»(٥)، وقال آخر منهم لعثمان رضي الله عنه عندما دخل عليه ليقتله: «نعثل»(٦). قال: الشاطبي: «ورُوِي أنَّ زعيمًا من زعماء أهلِ البدعِ كان يريد تفضيلَ الكلام على الفِقه، فكان يقول: إنَّ عِلم الشافعيِّ وأبي حنيفةَ جُملته لا يخرج من سراويل امرأة» فعلّق عليه قائلاً: «هذا كلامُ هؤلاء الزائغين، قاتلهم الله»(٧). والطعن في ورثة الأنبياء بريد المروق من الدِّين، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، ومتى وُجدت أُمّةٌ ترمي علماءَها وصفوتَهَا بالجهل والتنقّص فاعلم أنهم على بابِ فتنةٍ وهَلَكةٍ، وأيّ سعادة تدخل على أعداء الإسلام بمثل هذا الأذى والبهتان». [«الإصلاح النفسي للفرد»: (٤٩-٥٦)].

المقام الثاني:

لا يلزم من إثبات الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به تشبيه ولا تمثيل، وإنما ذلك وَهْمٌ دائرٌ في خلد الممثِّلة والمعطِّلة، أمَّا الممثلة فتشبيههم ظاهر، وأمَّا المعطِّلة فما جنحوا إلى التعطيل إلاَّ بعد أن تلوثت أذهانهم بمرض التشبيه، وأمَّا أهل السُّنَّة فهداهم الله لما اختلف فيه من الحقِّ بإذنه، فجمعوا بين الإثبات والتَّنْزِيه، وصانهم الله تعالى من وصمة التمثيل والتعطيل، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].

قال نعيم بن حماد: «من شبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف اللهُ به نفسَه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسَه ولا رسوله تشبيهًا». [انظر: «العلو»: (٢/ ١٠٩٣)، «السير»: (١٠/ ٦١٠-٦١١) كلاهما للذهبي].

فكلُّ ما ورد به الكتاب والسُّنَّة من صفات الله تعالى فهو حقٌّ على الوجه اللائق به، ويسهل على المعترض فهم ذلك إذا أنعم النظر في أربع قواعد:

القاعدة الأولى: إنَّ الاتفاق في الأسماء لا يقضي التماثل في المسمَّيات، وسبب انحراف المشبِّهة والمُعطِّلة هو عدم تمييزهم بين القَدْرِ المشترك بين صفات الخالق والمخلوق، والقدر المميِّز بينها، فظنُّوا أنَّ الاتفاق في اللفظ والمعنى العامّ يقتضي المماثلة والاتفاق في الكيفية. [انظر: «منهاج السنة» لابن تيمية: (٢/ ١٩٩-١٢٠، ٢٠٤)، «بدائع الفوائد» لابن القيم: (٢/ ٣٩٥)].

القاعدة الثانية: إنَّ القول في الصفات كالقول في الذات، فإذا كان المعترِض يثبت لله ذاتًا تليق بجلاله وكماله، ويثبت للمخلوق ذاتًا تليق بضعفه وعجزه، فكذلك القول بالنسبة للصفات.

القاعدة الثالثة: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.

فإذا كان المعترض لا يستشكل إثبات الحياة والقدرة -مثلاً- لله تعالى مع أنَّ المخلوق له حياةٌ وقدرة تليقان بعجزه وضعفه، ولم يجعل ذلك مانعًا من إثبات الحياة والقدرة لله تعالى على وجه الحقيقة، فلِمَ يستوحش من صفة الساق التي ورد النصُّ الصحيح بإثباتها؟

فما أورده من لوازم لنفي صفة الساق يلزم مثله، ونظيره فيما أثبته من الصفات ولا سبيل له إلى التفريق بينهما تفريقًا صحيحًا؛ لأنه من قبيل التفريق بين المتماثلات.

القاعدة الرابعة: يجب الاقتصار على ألفاظ الكتاب والسُّنَّة وترك الألفاظ المجملة الموهمة؛ لأنها تحتمل حقًّا وباطلاً، وليس لها ضابطٌ يضبطها، بل كلُّ طائفة تستعملها لتأييد اعتقادها، فلا يجوز اتخاذ الألفاظ المجملة تُكَأَةً لنفيِ وتأويلِ ما ثبت بالكتاب أو السنة من الصفات.

فالسلف -كما قال ابن تيمية-: «كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه وينفونه في الله وصفاته وأفعاله، ولا يأتون بلفظٍ مبتدع في النفي والإثبات، بل كلّ معنى صحيح فإنه داخل فيما أخبر به الرسول صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم». [«شرح حديث النُّزُول»: (٧١)].

وبهذا يتبيَّن أنَّ قول المعترض عن القرطبي: «بيَّن في تفسيره للآية الكريمة أنَّه لا يقصد إثبات الأعضاء لله تعالى»اﻫ. داخل في عدم مراعاة هذه القاعدة.

ومن هذا القبيل ما نقله ابن حجر عن الحافظ الإسماعيلي في ترجيحه للفظة: «يكشف عن ساق» على لفظة «عن ساقه»: «هذه أصحُّ لموافقتها لفظ القرآن في الجملة، لا يظن أنَّ الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين». [«الفتح» لابن حجر: (٨/ ٦٦٤)].

فمن التزم ألفاظَ الكتاب والسُّنَّة، واجتنب الألفاظَ المجملةَ الموهمةَ سَلِمَ من أمثال هذه المخالفات.

المقام الثالث: إنَّ مِن أهل العلم من ضعَّف ما ورد عن ابن عباس من تفسير الآية بشدَّة الأمر والهَوْلِ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والرواية في ذلك عن ابن عباس ساقطة الإسناد». [«الردُّ على البكري»: (٢٩٣)].

المقام الرابع: إنه ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ بالتاء المثناة الفوقية من «تكشف».

وإذا كان كذلك فلا إشكال في تفسيرها بالشِّدة والكرب كما هو ظاهر، قال ابن جرير: «وذُكر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: «يوم تكشف عن ساق»، بمعنى: تكشف القيامة عن شدَّة شديدة». [«جامع البيان» لابن جرير (٢٩/ ٤٢)، وانظر: «معاني القرآن» للفرّاء: (٣/ ١٧٧)].

المقام الخامس: على فرض ثبوت هذا التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما، فليس من باب التأويل لصفة من صفات الله تعالى؛ لأنَّ كلمة «الساق» في الآية نكرةٌ غير مضافة إلى الله تعالى، فلا يلزم من تفسير «الساق» في الآية بالشدَّة تفسيرها كذلك إذا وردت مضافة إلى الله تعالى، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عند البخاري (٤٩١٩) بلفظ: «يكشف ربُّنا عن ساقه»، وهذا المعنى الذي قرّره الشيخ محمّد علي فركوس في فتواه.

قال القاضي أبو يعلى: «والذي رُوي عن ابن عباس والحسن فالكلام عليه من وجهين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون هذا التفسير منهما على مقتضى اللغة، وأنَّ الساق في اللغة هو الشِّدَّة، ولم يقصدَا بذلك تفسيره في صفات الله تعالى بموجب الشرع، والثاني: أنه يعارض ما قاله قول عبد الله بن مسعود...». [«إبطال التأويلات» للقاضي أبي يعلى: (١/ ١٦٠)].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ليس في ظاهر القرآن أنَّ ذلك صفة لله تعالى؛ لأنه قال: «يوم يكشف عن ساق»، ولم يقل: عن ساق الله، ولا قال: يكشف الرب عن ساقه، وإنما ذكر ساقًا منكَّرة غير معرفة ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرَّده لا يدلُّ على أنها ساق الله، والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسِّر للقرآن، وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرَّج في الصحيحين الذي قال فيه: «فيكشف الرب عن ساقه». [«بيان تلبيس الجهمية» لابن تيمية: (٥/ ٤٧٣)، وانظر: «مجموع الفتاوى» له: (٦/ ٣٩٤-٣٩٥)].

المقام السادس: إنه قد ثبت عن طائفة من السلف كأبي سعيد الخدري وابن مسعود تفسير «الساق» في الآية بساق الله تعالى. [انظر: «إبطال التأويلات» لأبي يعلى: (١/ ١٦٠-١٦١)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (٦/ ٣٩٤)].

وتفسير الآية بذلك أولى موافقة لحديث أبي سعيد عند البخاري.

قال ابن القيم: «ومن حمل الآية على ذلك، [أي: على أنها من آيات الصفات] قال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ مطابق لقوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «فيكشف عن ساقه»، وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة» [«مختصر الصواعق المرسلة» لأحمد الموصلي: (١/ ٢٣)].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد يقال: إنَّ ظاهر القرآن يدلُّ على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود، والسجود لا يصلح إلاَّ لله، فعلم أنَّه هو الكاشف عن ساقه، وأيضًا فحمل ذلك على الشدة لا يصح؛ لأنَّ المستعمل في الشدة أن يقال: كشف الله الشدة، أي: أزالها كما قال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠]، وقال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ﴾ [الأعراف: ١٣٥]، وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥]، وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أنه يقال: كشف الشدّة، أي: أزالها، فلفظ الآية: ﴿يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾، وهذا يراد به الإظهار والإبانة، كما قال: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمُ﴾، وأيضًا فهناك تحدث الشدَّة لا يُزِيلها، فلا يكشف الشدَّة يوم القيامة، لكنَّ هذا الظاهر ليس ظاهرًا من مجرَّد لفظ ساق، بل بالتركيب والسياق وتدبُّر المعنى المقصود». [«بيان تلبيس الجهمية» لابن تيمية: (٥/ ٤٧٣-٤٧٤)، وانظر: «الرَّد على البكري» له: (٢٩٣)].

فإن قيل: قد رجَّح الحافظ الإسماعيلي في حديث أبي سعيد الخدري روايةَ حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ «يكشف عن ساق» على لفظة عن «ساقه» [انظر: «الفتح» لابن حجر: (٨/ ٦٦٤)]، وبذلك يكون لفظ الحديث موافقًا للفظ الآية، أي: ليس فيه إضافة الساق لله تعالى فلا يكون الحديث دالاًّ على الصفة أيضًا!

فالجواب من وجهين:

- الأوَّل: أنَّ سياق الحديث دالٌّ على أنَّ المقصود ساق الله تعالى.

قال القاضي أبو يعلى عن تفسير الساق في الحديث بشدَّة الأمر:

«هذا غلط لوجوه:

أحدها: أنَّه قال: «فيتمثَّل لهم الرَّب وقد كشف عن ساقه»، والشدائد لا تسمَّى ربًّا.

والثاني: أنَّهم التمسوه ليتَّبعوه فينجوا من الأهوال والشدائد التي وقع فيها من كان يعبد غيره، وإذا كان كذلك لم يجز أن يلتمسوه على صفة تلحقهم فيها الشدَّة والأهوال.

الثالث: أنَّه قال: «فيخرون سُجَّدًا»، والسجود لا يكون للشدائد، وهذا جواب أبي بكر رأيته في تعاليق أبي إسحاق عنه.

الرابع: إن جاز تأويل هذا على الشدَّة جاز تأويل قوله: «ترون ربَّكم» على رؤية أفعاله وكراماته، وقد امتنع مثبتوا الصفات من ذلك». [«إبطال التأويلات» لأبي يعلى: (١/ ١٥٩-١٦٠)].

وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: «وأنا وإن كنت أرى من حيث الرواية أنَّ لفظ: «ساق» أصحُّ من لفظ «ساقه» فإنَّه لا فرق بينهما عندي من حيث الدِّراية؛ لأنَّ سياق الحديث يدلُّ على أنَّ المعنى هو ساق الله تبارك وتعالى، وأصرح الروايات في ذلك رواية هشام عند الحاكم بلفظ: «هَل بينكم وبين الله من آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم الساق، فيكشف عن ساق...»، قلت: فهذا صريح أو كالصريح بأنَّ المعنى إنَّما هو ساق ذي الجلالة تبارك وتعالى، فالظاهر أنَّ سعيد بن أبي هلال كان يرويه تارة بالمعنى حيث كان يقول: «عن ساقه»، ولا بأس عليه من ذلك ما دام أنَّه أصاب الحقَّ». [«السلسلة الصحيحة» للألباني: (٢/ ١٢٨)].

- الوجه الثاني:

أنَّ لحديث أبي سعيد الخدري بلفظ «ساقه» شاهدًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجودًا، وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]. [رواه الدارمي في «سننه» (٢/ ٣٢٧) بإسناد جيِّد كما قال العلاَّمة الألباني رحمه الله تعالى في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ١٢٩)].

وأخيرًا نختم هذا الردَّ بقول ابنِ بطَّةَ -رحمه الله- وهو يتحدَّث عن أهل زمانه: «إنهم يناظرون مغالبةً لا مناظرةً، ومكايدةً لا مناصحةً، ولربما ظهر من أفعالهم ما قد كثر وانتشر في كثير من البلدان، فممَّا يظهر من قبيح أفعالهم، وما يبلغ بهم حب الغلبة ونصرة الخطأ أن تحمرَّ وجوههم، وتدر عروقهم، وتنتفخ أوداجهم، ويسيل لعابهم، ويزحف بعضهم إلى بعض، حتى ربما لعن بعضُهم بعضًا، وربما بَزَق بعضُهم على بعض، وربما مدّ أحدهم يده إلى لحية صاحبه، ولقد شهدت حلقة بعض المتصدرين في جامع المنصور فتناظر أهل مجلسه بحضرته فأخرجهم غيظ المناظرة، وحمية المخالفة إلى أن قذف بعضهم زوجةَ صاحبه ووالدتَه، فحسبك -بهذه الحال- بشاعةً وشناعةً على سفلة الناس وجهالهم». [«الإبانة»: (٢/ ٥٨٤)].

وعلى المعترض أن ينظر فيما تقرَّر من الجواب وحُرِّر، بعين الإنصاف والتجرُّد للحقِّ، وابتغاء الرشد، فإن العناد والشغب والعيب لا يُغني من الحقِّ شيئًا، قال المتنبي:

وكم من عائبٍ قولاً صحيحًا   وآفتُه من الفهم السَّقِيـمِ

ولكن تـأخـذ الأذهـان منـه       على قدر القرائـح والفهـوم

 وعليه أن لا يعترض على الحق بعد ظهوره، ولا يُشهِرَ رُمحَه على أهل السُّنَّة المتمسِّكين بها غير مبالٍ بهم، فإنَّ أهل الحقِّ فيهم رماح يصدون بها أهل الباطل.

جاء شقيـق عـارضًا رُمحه     إنَّ بني عمِّك فيهم رمـاح

   نسأل اللهَ الكريم أن يُريَنا الحقَّ حقًّا ويرزقَنا اتباعَه، ويُريَنا الباطلَ باطلاً ويرزقَنا اجتنابَه، قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨].

وآخرُ دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٩ جمادى الثانية ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٤ جوان ٢٠٠٨م

 

١- النُّوك: الحمق. [«لسان العرب» لابن منظور: (٤/ ٣٣٤)].

٢- الشِّنشِنةُ: الطبيعة والعادة، قال ابن الكلبي: إن الشعر لأبي أخزم الطائي، هو جدّ أبي حاتم أو جد جده، وكان له ابن يقال له أخزم، وقيل: كان عاقًّا، فمات وترك بنين، فوثبوا يومًا على جدّهم أبي أخزم فأدموه فقال:

«إنّ بنيَّ ضرَّجوني بالدم    شِنْشِنَةٌ أعرفها من أخزم»

يعني أنّ هؤلاء أشبهوا أباهم في العقوق. [«المستقصى» للزمخشري: (٢/ ١٣٤)، «مجمع الأمثال» للميداني: (٢/ ١٥٥)].

٣- أخرجه الحاكم في «المستدرك»: (٣١٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٢٠٩١٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٤/ ٣٣١): «وهذا أيضًا محفوظ معروف مشهور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند أهل العلم شهرة يكاد يستغني بها عن الإسناد». وصححه الألباني في «صحيح الجامع»: (٢٩٣٧)

٤- أخرجه أبو داود في «السنة» باب في لزوم السنة: (٤٦٠٧)، والترمذي في «العلم» باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع: (٢٦٧٦)، وابن ماجه في «المقدمة» باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين: (٤٢)، والدارمي في «سننه»: (٩٥)، والحاكم في «المستدرك»: (٣٢٩)، وأحمد: (١٦٦٢٩)، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه. والحديث حسنه البغوي في «شرح السنة»: (١/ ١٨١)، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير»: (٩/ ٥٨٢)، والألباني في «صحيح الجامع»: (٢٥٤٩)، وفي «السلسلة الصحيحة»: (٩٣٧).

٥- أخرجه البخاري في «أبواب الخمس» باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين: (٢٩٦٩)، ومسلم في «الزكاة» باب ذكر الخوارج وصفاتهم: (٢٤٤٩)، وابن ماجه في «المقدمة» باب في ذكر الخوارج: (١٧٢)، وابن حبان في «صحيحه»: (٤٨١٩)، وأحمد: (١٤٤٠٥)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

٦- أخرجه البغوي في «حديث علي بن الجعد»: (٢٢٣٩)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى»: (٣/ ٥٨)، من حديث كنانة مولى صفية قال: «رأيت قاتل عثمان في الدار رجلا أسود من أهل مصر يقال له: جبلة باسط يديه أو قال رافع يديه يقول: أنا قاتل نعثل».

قال ابن الأثير في «النهاية» (٥/ ٨٠): «كان أعداء عثمان رضي الله عنه يسمونه نعثلاً تشبيهًا برجل من مصر، كان طويل اللحية اسمه: نعثل، وقيل: النعثل: الشيخ الأحمق وذَكَر الضِبَاع».

٧- «الاعتصام» للشاطبي: (٢/ ٢٣٩).

 

إدارة الموقع