Skip to Content
الخميس 14 رجب 1440 هـ الموافق لـ 21 مارس 2019 م

ردود وتعقيبات رقم: ١٧-١

الحقُّ المبين
في كشف شبهاتٍ مِنْ عقائد التجانيين
[الجزء الأوَّل]
[إدارة الموقع]

الحمد لله وَحْدَه لا شريكَ له، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ لا نبيَّ بعده، وعلى آله وأصحابه وأتباعِه ومَنْ تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ:

ففي خِضَمِّ الصراع العقديِّ والفكريِّ الذي تعيشه الساحةُ الدعوية، وَرَدَ إلى الموقع انتقادٌ يَستنكِرُ فيه صاحِبُه الكلامَ المنشورَ بالموقع في التحذير مِنْ عقيدة التجانيين، ويحتاج ـ في زعمه ـ إلى التراجع علنًا، والإصرارُ عليه خلافُ الأمانة والصدق.

وهذا نصُّ الانتقاد:

«بعد قراءة الفتوى المنشورة في موقعكم بخصوصِ حكم الصلاة وراءَ إمامٍ يتلو الأورادَ التجانية عند الفراغ مِنَ الصلاة، تَبيَّن لنا أنَّ محتوى الفتوى افتراءٌ في حقِّ الطائفة التجانية وطعنٌ في مصداقيَّتها؛ فالمعلومُ عنها أنَّ أتباعها زُهَّادٌ وَرِعون، يعظِّمون كتابَ الله ويتلونه أفرادًا وجماعاتٍ، ليلًا ونهارًا، ويُولُون حِفْظَه اهتمامًا كبيرًا، وهُمْ أصحابُ ذِكْرٍ يلهجون بالاستغفار والصلاةِ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وينتسبون إلى الكتاب والسنَّة؛ فهُمَا مصدرُ استدلالهم وعقائدِهم، ومؤسِّسُ الجماعة صاحبُ كراماتٍ مشهورةٍ ومعروفةٍ لدى القاصي والداني، كما يصرِّح به علماؤهم وخطباؤهم.

وما تضمَّنَتْه الفتوى في حقِّ الجماعة مبالَغٌ فيه، والأمانةُ تقتضي العدولَ عمَّا صَدَر منكم، وإعلانَ ذلك عبر موقعكم؛ لأنَّ الطعن في المؤمن محرَّمٌ لاسيَّما إذا كان المطعونُ فيه مِنْ أولياء الله، نسأل اللهَ لكم الهدايةَ والتوبة مِنْ تفريق المسلمين وتشتيتِ صفوفهم، واللهُ المستعان».

الجواب:

نُورِدُ ـ أوَّلًا ـ نصَّ فتوى الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ــ حفظه الله ــ كاملةً ثمَّ نعقبها بجوابٍ مفصَّلٍ عن الانتقاد الوارد عليها:

في حكم الصلاة وراء إمامٍ يأتي بأورادٍ تيجانية

السؤال:

عندنا إمامٌ يأتي بأورادٍ تيجانيةٍ بعد صلاة العصر يوم الجمعة، ويأتي بصلاة الفاتح ظُهْرَ الجمعةِ أيضًا، وليس لنا في الحيِّ الذي نسكن فيه مسجدٌ آخَرُ نذهب إليه، والإخوةُ السلفيون قِلَّةٌ ليسَتْ لهم كلمةٌ تُسْمَعُ؛ فهل تجوز الصلاةُ خلف هذا الإمام؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فتختلف صِحَّةُ الصلاةِ وبطلانُها باختلافِ حكمِ الإمام، فإِنْ كان يَعْتقِدُ الطريقةَ التيجانيةَ اعتقادًا تصوُّفيًّا شِركيًّا كطوافه بالضريح والدعاء له والذبحِ له والقيامِ بالحضرات والمَدائحِ الشركية وغيرِها مِنَ الأمور المُنْكَرَةِ فلا شكَّ أنَّ الصلاة وراءَه لا تصحُّ؛ لأنَّ هذه الصفاتِ تُناقِضُ التوحيدَ مِنْ كُلِّ وجهٍ(١)، أمَّا إذا كان يذكر هذه الكلماتِ الشركيةَ تقليدًا لا يدري معناها، ولم يَلْتزِمِ الطريقةَ التي يَلْتزِمُها التيجانيُّون، ولا يحمل عقيدتَهم؛ فالصلاةُ لنَفْسِه تصحُّ وصلاةُ المأمومِ وراءه تصحُّ أيضًا، والواجبُ تُجَاهَهُ: تقديمُ النصيحةِ له بالالتزام بالتوحيد الخالص وتركِ أعمال الجاهلية والاستقامةِ على الدِّين، فإِنْ أَبَى وظلَّ مُتمسِّكًا بما هو عليه فلا يُصَلَّى خلفه، ويسعى إلى الصلاة في مسجدٍ إمامُه سُنِّيٌّ تُقامُ فيه الجماعةُ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: شوَّال ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: نوفمبر ٢٠٠٦م(٢)

فنقول ـ وبالله التوفيقُ والسداد ـ:

إنَّ الذبَّ عن دِينِ الله تعالى، وحِفْظَ جنابِه، وصيانةَ حياضِه ممَّا يسوؤه، وتنقيتَه ممَّا شابَهُ مِنَ البِدَع والخرافات لمِنْ أعظمِ القُرُبات، والقائمُ بذلك مُرابِطٌ على حدود الإسلام مُنافِحٌ عنه، يرتقي بدفاعه عن الحقِّ إلى مَدارِجِ المجاهدين في ساحات الوغى الباذلين أعزَّ ما يملكون لتبقى كلمةُ الله ــ وهي التوحيدُ ــ عاليةً ورايتُه خفَّاقةً. قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وأَمَره اللهُ تعالى بالجهاد مِنْ حينِ بَعَثه وقال: ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١ فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢ [الفرقان]، فهذه سورةٌ مكِّيَّةٌ أَمَر فيها بجهاد الكُفَّار بالحجَّة والبيان وتبليغِ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بتبليغ الحجَّة، وإلَّا فهُمْ تحت قهرِ أهل الإسلام، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣ [التوبة]؛ فجهادُ المنافقين أصعبُ مِنْ جهاد الكُفَّار، وهو جهادُ خواصِّ الأمَّة ووَرَثةِ الرُّسُل، والقائمون به أفرادٌ في العالَم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه ــ وإِنْ كانوا هم الأقلِّين عددًا ــ فهُم الأعظمون عند الله قدرًا»(٣).

ولله الحمدُ والمنَّةُ حيث قيَّض لهذه الأمَّةِ صفوةً مِنْ خَلْقه فَتَح عليهم بالفقه في دِينِه وشرَّفهم بفهم كلامِه وكلامِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم، فتعبَّدوه ــ وَحْدَه سبحانه ــ ببيانِ البِدَع والخرافات والتحذيرِ منها ومِنَ الداعين إليها، وتلك مِنْ أسمَى وظائفِهم التي وَرِثوها عن الأنبياء والمُرْسَلين الموصوفين في كتاب الله بأنهم مبشِّرون مُنْذِرون.

وما تنقضي منهم طائفةٌ إلَّا ويُخْلِف اللهُ منهم مَنْ يسير سيرَهم وينهج نهجَهم، كما جاء في الحديث الحسن: «لَا يَزَالُ اللهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ في طَاعَتِهِ»(٤).

وقِيلَ لعبد الله بنِ المبارَك ـ رحمه الله ـ: «هذه الأحاديثُ المصنوعة؟» فقال: «يعيش لها الجهابذةُ»(٥).

وأَمَر هارونُ الرشيدُ بضربِ عنقِ زنديقٍ، فقال له: «لِمَ تضربُ عُنُقي؟» قال له: «أُريحُ العبادَ منك»، قال: «فأين أنتَ مِنْ ألفِ حديثٍ وضعتُها على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كُلُّها ما فيها حرفٌ نَطَق به؟»، فقال له الرشيد: «فأين أنتَ ـ يا عدوَّ الله ـ مِنْ أبي إسحاق الفزاريِّ وعبد الله بنِ المبارَك ينخلانها نخلًا فيُخْرِجانها حرفًا حرفًا»(٦).

وإنَّ المسلم له حرمتُه، وعِرْضُه مصونٌ ما لم يتلبَّسْ بما يُزيلُ المانعَ ويصيِّر الكلامَ فيه وبيانَ خطرِه وضررِه واجبًا شرعيًّا مُستمَدًّا مِنْ نصوصٍ مستفيضةٍ في كتاب الله وسنَّةِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم. قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «اعْلَمْ أنَّ الغِيبة تُباحُ لغرضٍ صحيحٍ شرعيٍّ لا يمكن الوصولُ إليه إلَّا بها وهو ستَّةُ أسبابٍ»(٧).

ثمَّ شَرَع النوويُّ في شرحِها إلى أَنْ قال: «الرابع: تحذير المسلمين مِنَ الشرِّ ونصيحتُهم، وذلك مِنْ وجوهٍ منها: جرحُ المجروحين مِنَ الرواة والشهود، وذلك جائزٌ بإجماع المسلمين، بل واجبٌ للحاجة»(٨).

ولمَّا سَلَك أهلُ الإصلاح سبيلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصحابتِه الكرام في ردِّ الاعتقادات الباطلة والتنفيرِ منها؛ كان لزامًا أَنْ يَلْقَوْا ما لقي سلفُهم الصالح مِنَ الأذى والتُّهَمِ الباطلة، كما قال ورقة بنُ نوفلٍ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ»(٩)، ومِنْ هذا القبيلِ قولُ المُنتقِدِ ــ هداه الله ــ: «إنَّ المحذِّر مِنَ البِدَعِ مفرِّقٌ للمسلمين»!! وهل الفُرقةُ إلَّا مِنْ أهل البِدَع والأهواء الذين غيَّروا ما كان مُجْمَعًا عليه بين القرون المفضَّلة، قال محمَّد البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ: «إنَّنا علِمْنا حقَّ العلم ــ بعد التروِّي والتثبُّت ودراسةِ أحوال الأمَّة ومناشئِ أمراضها ــ أنَّ هذه الطُّرُقَ المُبتدَعةَ في الإسلام هي سببُ تفرُّقِ المسلمين، لا يَستطِيعُ عاقلٌ سَلِم منها ولم يُبْتَلَ بأوهامها أَنْ يُكابِرَ في هذا أو يدفعه، وعلِمْنا أنها هي السببُ الأكبر في ضلالهم في الدِّين والدنيا، ونعلم أنَّ آثارَها تختلف في القوَّة والضعف اختلافًا يسيرًا باختلاف الأقطار، ونعلم أنها أظهرُ آثارًا وأعراضًا وأشنعُ صُوَرًا ومظاهرَ في هذا القطرِ الجزائريِّ والأقطارِ المُرتبِطةِ به ارتباطَ الجوار القريبِ منها في غيرِه؛ لأنها في هذه الأقطارِ فروعٌ بعضُها مِنْ بعضٍ، ونعلم أنَّنا حين نُقاوِمُها نُقاوِمُ كُلَّ شرٍّ، وأنَّنا حين نقضي عليها ــ إِنْ شاء الله ــ نقضي على كُلِّ باطلٍ ومُنْكَرٍ وضلالٍ، ونعلم ــ زيادةً على ذلك ــ أنه لا يتمُّ في الأمَّة الجزائرية إصلاحٌ في أيِّ فرعٍ مِنْ فروع الحياة مع وجودِ هذه الطُّرُقيةِ المشئومة، ومع ما لها مِنْ سلطانٍ على الأرواح والأبدان، ومع ما فيها مِنْ إفسادٍ للعقول وقتلٍ للمواهب»(١٠).

هذا، وإنَّ ما وَرَد في فتوى الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ــ حفظه الله ــ السالفة، ليس فيها أَدْنَى افتراءٍ أو تقوُّلٍ، وما ذَكَره ــ حَفِظه الله ــ عن التجانيِّين غيرُ مُبالَغٍ فيه كما زَعَم المعترضُ المُنتقِدُ، بل هو غيضٌ مِنْ فيضٍ، وقطرةٌ مِنْ بحرِ الانحرافات التي يموج فيها القومُ.

وحتَّى يطَّلِعَ القارئُ النبيهُ على أنَّ ما احتواهُ الانتقادُ مِنْ وصف التجانيِّ بأنه صاحِبُ كراماتٍ، وأتباعِه بأوصاف الصلاح وتعظيمِ كتاب الله، وأنهم يَستمِدُّون عقيدتَهم منه ومِنْ سنَّةِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ليطَّلِعَ القارئُ على عدمِ مطابَقةِ الدعوى لحقيقة الجماعة، وأنهم ــ وإِنْ كان ظاهِرُهم ما يدَّعون ــ إلَّا أنهم بعيدون كُلَّ البعد عن دعواهم؛ فإنَّ إدارة الموقع تَضَعُ بين يدَيِ القارئ النبيهِ بحثًا عن أهمِّ أصولِ وعقائدِ التجانيِّين(١١) مُوثَّقةً مِنْ كُتُبِهم ومَصادرِهم المُعتمَدة، مع عرضٍ لأهمِّ الشبهات التي يَستنِدون إليها وتفنيدِها بصريح القرآن وصحيحِ السنَّة ليَنتفِعَ به أهلُ الحقِّ، ويَسترشِدَ به مَنْ لا يَزالُ في قلبه ريبةٌ أو شكٌّ، بأسلوبٍ بعيدٍ عن السبِّ والشتم، امتثالًا لقولِ ربِّ العالَمِين لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام حين أرسلهما إلى فرعون الذي ادَّعى الربوبيةَ: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤ [طه].

قال ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ: «وينبغي إذا دارَتِ المُباحَثةُ بين الكُتَّاب أَنْ تكون في دائرة الموضوع، وفي حدود الأدب، وبروح الإنصاف، وخيرٌ أَنْ تُقيمَ الدليلَ على ضلالِ خصمك أو على غلطِه أو على جهلِه، مِنْ أَنْ تقول له: «يا ضالُّ»، أو «يا جاهلُ»، أو «يا غالطُ»؛ فبالأوَّل تحجُّه فيعترفُ لك، أو يكفيكَ اعترافُ قُرَّائك، وبالثاني تهيِّجُه فيُعانِدُ، ويَضيعُ ما قد يكون معك مِنْ حقٍّ بما فاتك معه مِنْ أدبٍ»(١٢)، سائلين اللهَ العونَ والتوفيقَ والسدادَ في القول والعمل.

وقد جاء البحثُ منتظمًا في المحاور التالية:

• مدخل:

ــ ترجمة التجاني.

ــ نشأة الطريقة التجانية وعوامل انتشارها.

ــ أشهر الكتب المؤلَّفة في الطريقة التجانية.

• عقائد التجانية:

• الفصل الأوَّل: عقيدتهم في الله تعالى.

ــ وحدة الوجود عند التجانية.

ــ إيمانهم بحصول العلم اللَّدُنيِّ لمشايخهم بالترقِّي في الطريقة.

ــ إيمانهم بأنَّ مشايخهم يعلمون الغيبَ.

• الفصل الثاني: عقيدة التجانيين في صلاة الفاتح.

• الفصل  الثالث: عقيدتهم في النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

ــ اعتقادهم رؤيةَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقظةً.

ــ اعتقادهم بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كَتَم شيئًا مِنَ الوحي.

ــ إيمانهم بجواز التوسُّل بذات النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

ــ غُلُوُّهم في حقِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

• الفصل الرابع: عقيدة التجانيِّين في اليوم الآخِر.

ــ اعتقادهم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ضَمِنَ للتجانيِّ وأتباعِه الجنَّةَ.

ــ اعتقادهم أنَّ التجانيَّ ضَمِنَ الجنَّةَ لمَنْ رآه.

• الفصل الخامس: الأدعية والأذكار عند التجانيِّين.

• خلاصة عقائد التجانيين.

ترجمة التجاني(١٣):

هو أبو العبَّاس أحمد بنُ محمَّد بنِ المختار بنِ أحمد بنِ محمَّد بنِ سالمٍ التجانيِّ، نسبةً إلى «بني توجين» أصحابِ «تاهرت» و«تاكدمت» مِنَ البربر، إخوانِ بني زيان ملوكِ تلمسان وبني مرينٍ ملوكِ المغرب الأقصى، وبنو توجين هم أخوالُ أحمد التجاني، ولمَّا طال مُقامُه بينهم نُسِب إليهم.

وُلِد سنة: (١١٥٠ﻫ ــ ١٧٣٧م) ﺑ «عين ماضي» مدينةٍ مِنْ مُدُنِ صحراء الجزائر، وفيها نَشَأ وتَرَعْرَع، ويقال: إنه حَفِظ القرآنَ وعمرُه سبعةُ أعوامٍ على يد الشيخ محمَّد التجاني، ثمَّ اشتغل بعد ذلك بطلب العلوم الشرعية والأدبية، فقَرَأ «مختصرَ خليل» و«الرسالةَ» و«مقدِّمةَ ابنِ رشد» و«الأخضري» على الشيخ المبروك بن بعافية المضاوي التجاني.

وفي سنة: (١١٧١ﻫ) ارتحل إلى ناحية فاس وسَمِع فيها شيئًا مِنَ الحديث، وأوَّلُ مَنْ لَقِيَه فيها الطيِّب بنُ محمَّد اليملحي، وقد أخَذ منه طريقتَه وأَذِن له في تلقينِ وِرْده، كما لَقِيَ فيها مجموعةً مِنَ مشايخ الصوفية وأخَذ طُرُقَهم، ثمَّ انتقل مِنَ المغرب إلى جهة الصحراء قاصدًا زاويةَ عبد القادر بن محمَّد الأبيض، فأقام بها مُدَّةً ثمَّ انتقل منها إلى تلمسان، ومنها قَصَد بيتَ الله الحرام، ثمَّ انتقل إلى تونس ودَخَلها سنة: (١١٨٦ﻫ)، وأقام بها سنةً كاملةً بعضُها بمدينةِ «سوسة» وبعضُها بمدينةِ «تونس»، درس فيها كتابَ «الحِكَم العطائية» المحتوي على أنواعٍ مِنَ السلوك كالإخلاص والعزلة والزهد والمحبَّة والرضا، ثمَّ سافر إلى القاهرة، وفي شوَّالٍ سنة: (١١٨٧ﻫ) وصل إلى مكَّة، ولمَّا أكمل حَجَّه تَوجَّه إلى المدينة، ثمَّ رَجَع إلى بلده.

تُوُفِّيَ يومَ الخميس السابع عشر مِنْ شوَّالٍ سنة: (١٢٣٠ﻫ ــ ١٨١٥م) وقد بَلَغ ثمانين سنةً.

نشأة الطريقة التجانية وعوامل انتشارها

سَبَق في ترجمة أحمد التجاني أنه الْتقى عددًا مِنْ مشايخِ الصوفية وأخَذَ عنهم عِدَّةَ طُرُقٍ، لكنَّه لم يَلْبَثْ أَنْ تَرَكها جميعًا وبَدَا له أَنْ يُنْشِئَ طريقةً جديدةً يَستقِلُّ بها عمَّنْ سَبَقه، فكان ذلك ما حَصَل سنة: (١١٩٦ﻫ).

قال في «جواهر المعاني»(١٤): «ثمَّ رَجَع إلى قريةِ أبي سمغون وأقام بها واستوطن، وفيها وَقَع له الفتحُ وأُذِنَ له صلَّى الله عليه وسلَّم في تلقين الخَلْق، وعُيِّن له الوردُ الذي يُلقِّنه في سنة: (١١٩٦ﻫ)، وعُيِّن له صلَّى الله عليه وسلَّم الاستغفارُ والصلاةُ عليه صلَّى الله عليه وسلَّم»، ومِنْ هذا النقلِ يتَّضِح أنَّ نشأة الطريقة التجانية إنما كانَتْ بناءً على ما ادَّعاهُ أحمد التجاني مِنْ أنه رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقظةً وخاطَبَه ولَقَّنه الوِرْدَ التجانيَّ، فقَدْ صارَتْ «فاس» المركزَ الأوَّل لهذه الطريقة، ومنها انتشرَتِ الطريقةُ على يد الأتباع حتَّى شَمِلَتِ الجزءَ الأكبر مِنْ غرب إفريقيا وشمالها.

وترجع أهمُّ أسباب انتشار الطريقة التجانية إلى ما يلي:

١ــ تدهوُرُ الحالة الأمنية لعصرِ نشأة الطريقة، حيث تَكالبَتْ دُوَلُ أوربا على الدولة العثمانية الحاكمة للجزائر آنَذاك، وكَثُرَتِ الثوراتُ الداخلية ضِدَّها نتيجةَ سوءٍ في الإدارة السياسية والأحوالِ المعيشية نهايةَ حكمِ الأتراك، ممَّا أورث ضعفًا في الحركة العلمية، اقتصر على بعض الدروس لتعليم القرآن الكريم وبعضِ شروح الكتب الفقهية، وغَلَب التقليدُ الأعمى والتعصُّبُ المَقيت، وفَشَا الجهلُ وعمَّتِ الخرافةُ، وهما عاملان مساعدان على البِدَع والمُحْدَثات.

٢ــ مساندة الاستعمار الفرنسيِّ للطُّرُق الصوفية، يقول روم لاندو في كتابه: «تاريخ المغرب في القرن العشرين»(١٥): «وقد خَبِر الفرنسيون قضيَّةَ الطُّرُق الصوفية والدورَ الذي تلعبه مرَّاتٍ متعدِّدةً مِنْ قبلُ، وثَمَّة وثيقتان قَلَّما يعرفهما الناسُ تُزوِّدُنا بالمعلومات الطريفة: أولاهما رسالةٌ بَعَث بها قبل قرنٍ مِنَ الزمن المارشال بوجو أوَّلُ حاكمٍ للجزائر إلى شيخ التجانية ذاتِ النفوذ الواسع؛ إذ لولا موقفُها المُشْبَعُ بالعطف لَكان استقرارُ الفرنسيِّين في البلاد المُفتتَحةِ حديثًا أصعبَ بكثيرٍ ممَّا كان».

٣ــ إقبال الناسِ عليها لكثرةِ ما فيها مِنَ الثواب المزعوم وضمانِ الجنَّة بأيسرِ الأسباب، خصوصًا عند أُناسٍ لا يفقهون مِنَ الدِّين إلَّا الشيءَ اليسير، وعلى سبيلِ المثال نسوق ما ذَكَره التجانيون في فضلِ وِرْدِهم: «إنَّ مِنْ جملةِ ما ذَكَره سيِّدُنا رضي الله عنه مِنْ فضلِ هذا الوِرْدِ العظيم عن نبيِّنا المصطفى الكريمِ عليه أفضلُ الصلاةِ والتسليم، أنَّ كُلَّ مَنْ أَخَذه عن الشيخ أو عَمَّنْ عنده الإذنُ الصحيح في التلقين، يكون مَقامُه ومُستقَرُّه مِنْ فضلِ الله تعالى في أعلى عِلِّيِّين بجوارِ سيِّد المُرْسَلين وإمامِ المتَّقين صلَّى الله عليه وسلَّم وعلى آله وصحبِه أجمعين، ويغفر اللهُ له تعالى بفضله مِنْ ذنوبه الكِبار والصغائر، وتُؤدَّى عنه التبعاتُ مِنْ خزائنِ الربِّ المجيد القادر؛ ولذلك كان آمنًا مِنْ أَنْ يُروِّعه هولُ المحشر، أو يؤلمه ضنكُ القبر، وأزواجُه وأولادُه المُنفصِلون عنه دِنْيةً، وكذا أبواه داخلون معه في هذا الخير الجزيل، بشرطِ ألَّا يصدر بغضٌ مِنَ الجميع في هذا الشيخِ الجليل وجانبِه الأعزِّ المنيع»(١٦).

أبرز آثار أبي العبَّاس التجاني
وأشهر الكتب المؤلَّفة في طريقته التجانية

يأتي في المَقام الأوَّلِ فيما خلَّفه مِنْ آثارٍ لمَنْ بعده: زاويتُه التجانية في «فاس»، ومِنْ أشهر الكُتُب المؤلَّفة في الطريقة التجانية ما يلي:

١ــ «جواهر المعاني»: وهو أهمُّ كتابٍ في الطريق والمرجعُ الأساسيُّ لهم، حتَّى إنهم يزعمون أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال فيه: «كتابي هذا وأنا ألَّفْتُه»(١٧)، واسْمُه الكامل: «جواهر المعاني وبلوغُ الأماني في فيض سيِّدي أبي العبَّاس التجاني» جَمَعه علي حرازم، وقَرَأه على شيخه أحمد التجاني فأجازه في سائرِ ما فيه.

وقد ذَكَر عبد الحيِّ الكتَّاني شيخ الطريقة الكتَّانية أنَّ الجزء الأوَّل مِنْ كتابِ: «جواهر المعاني» المؤلَّف سنة: (١٢١٣ﻫ) منقولٌ عن كتابِ: «المَقْصِد الأحمد» المؤلَّف سنة: (١٠٩٤ﻫ)، وأنَّ التجانيَّ نَقَله عن هذا الكتابِ ونَسَبه لنفسه، ولقد كان اكتشافُ هذا الكتابِ قاصمةَ الظهر للتجانيين.

٢ــ «رماح الحزب الرحيم على نحور حزب الرجيم» لمؤلِّفه: عمر بن سعيدٍ الفوتي الطوري الكدوي، كَتَبه سنة: (١٢٦١ﻫ)، وقد قال فيه بعضُ التجانيين: «إنَّ «الرماح» في هذه الطريقة مثلُ «المدوَّنة» في المذهب»(١٨).

٣ــ «الجامع لِمَا افترق مِنَ العلوم الفائضة مِنَ القطب المكتوم» لمؤلِّفه: محمَّد بن المشري، أحَدِ كِبار تلامذةِ التجاني، وقد اشتمل الكتابُ على جُلِّ ما اشتمل عليه «جواهرُ المعاني» إلَّا أنه زاد فيه بعضَ المسائل؛ لطول اجتماعه بشيخه بعد وفاة علي حرازم، وأفرد أحمد سكيرج ما انفرد به هذا الكتابُ عن «الجواهر» في كتابٍ سمَّاه ﺑ «السرِّ الباهر فيما انفرد به الجامعُ عن الجواهر».

٤ــ «الإفادة الأحمدية» لمؤلِّفه: الحاجِّ الطيِّب السفياني، وقد جَمَع فيه المؤلِّفُ ما سَمِعه بنفسه مِنَ الشيخ التجانيِّ مشافهةً أو بَلَغه على لسانِ مَنْ سَمِعه منه، ورتَّبه على حروف المعجم، واختصره أحمد سكيرج في «كشف الحجاب» وجَعَل عليه شرحًا سمَّاه ﺑ  «الإجادة على الإفادة».

٥ــ «بُغْية المستفيد شرح مُنْية المريد» لمؤلِّفه: محمَّد العربي السائح الشرقي العمري التجاني، و«منية المريد» مِنْ نظمِ: أحمد التجاني ابن بابا الشنقيطي العلوي.

٦ـ «الدرَّة الخريدة على الياقوتة الفريدة» لمؤلِّفه: محمَّد فتحا بن عبد الواحد السوسي النظيفي، وهو شرحٌ لمنظومةٍ في الطريقة التجانية اسْمُها: «الياقوتة الفريدة».

تلكم هي أهمُّ الكُتُبِ التي ألَّفها أصحابُها عن الطريقة التجانية وأُسُسها وعقائدها.

عقائد التجانية

الفصل الأوَّل: عقيدتهم في الله تعالى

في كُتُبِ التجانية ومَصادرِهم نصوصٌ تُثْبِتُ عقائدَ مُنْحرِفةً وزائغةً عن الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن تصديقُ أنَّ هذه الطائفةَ التي تدَّعي الصلاحَ والزهد تؤمن بعقائدَ كفريَّةٍ إلَّا بعد الاطِّلاع على ما دَوَّنه علماؤهم وكُبَراؤهم في مؤلَّفاتهم.

وحدة الوجود عند التجانية:

تلك العقيدة التي لا يُقِرُّها عقلٌ ولا فطرةٌ فضلًا عن دِينِ الله الحقِّ، يؤمن بها التجانيون ويصرِّحون بها، وإِنْ كان الإنصاف يحملنا على أَنْ نصرِّح بأنَّ التجانيِّين ـ حيالَ عقيدةِ وحدة الوجود ـ على ثلاثةِ أقسامٍ:

ــ قسمٌ يؤمنون بها ويُدافِعون عنها وهُمْ أكثرُ مشايخِ التجانية المتقدِّمين.

ــ قسمٌ يُنْكِرونها ويكفِّرون قائلَها ــ كما يقولون ــ وهُمْ بعضُ المتأخِّرين منهم.

ــ قسمٌ ثالثٌ هم غالِبُ العامَّة الذين يَقِفون مع مشايخهم موقفَ: «اعتقِدْ ولا تنتقِدْ»، فهُمْ جَهَلَةٌ مقلِّدون.

قال علي بن محمَّد آل الدخيل: «وقد سألتُ الدكتورَ الهلالي(١٩) الذي ظلَّ تجانيًّا مُدَّةَ تسعِ سنواتٍ: هل هذه العقيدةُ تُعَلَّم للأتباع أم هي للخاصَّة دون العامَّة؟ فأجاب بأنَّ هذه العقيدة لا يؤمن بها إلَّا خواصُّ التجانيِّين»(٢٠).

وهذه بعضُ النصوص الدالَّة على انتحالِ التجانية لعقيدة وحدة الوجود:

قال في «جواهر المعاني»(٢١): «..اعْلَمْ أنَّ أذواق العارفين في ذوات الوجود أنهم يرَوْنَ أعيانَ الموجودات كسرابٍ بِقِيعةٍ، فما في ذواتِ الوجود كُلِّه إلَّا اللهُ سبحانه وتعالى تجلَّى بصُوَرِها وأسمائها، وما ثَمَّ إلَّا أسماؤه وصفاتُه؛ فظاهرُ الوجودِ وصُوَرُ الموجوداتِ وأسماؤها ظاهرةٌ بصورة الغير والغيرية، وهي مَقامُ أصحابِ الحُجُب الذين حُجِبوا بظاهرِ الموجودات عن مُطالَعة الحقِّ فيها».

وقال أيضًا: «فكُلُّ عابدٍ أو ساجدٍ لغير الله في الظاهر فما عَبَد ولا سَجَد إلَّا لله تعالى؛ لأنه هو المتجلِّي في تلك الألباس، وتلك المعبودات كُلُّها تسجد لله تعالى، وتعبده وتسبِّحُه خائفةً مِنْ سطوةِ جلاله سبحانه وتعالى، ولو أنَّها برَزَتْ لعبادة الخَلْق وبرَزَتْ لها بدونِ تجلِّيه فيها لَتحطَّمَتْ في أسرعَ مِنْ طَرْفةِ العين لِغَيْرتِه تعالى لنسبة الألوهية إلى غيره، قال سبحانه وتعالى لكليمه موسى: ﴿إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي [طه:١٤]، والإلهُ ـ في اللغة ـ هو المعبودُ بالحقِّ، وقولُه: ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ يعني: لا معبودَ غيري وإِنْ عَبَد الأوثانَ مَنْ عَبَدها فما عَبَد غيري، ولا تَوجَّهوا بالخضوعِ والتذلُّل لغيري..»(٢٢).

وقال في «ميدان الفضل والإفضال»: «..وأنَّ هذا الاعتقادَ ليس هو اعتقادَ القائلِ بوحدة الوجود؛ لأنَّ ذلك اعتقادٌ صحيحٌ شرعًا يقبله العقلُ السليمُ بالوهب الإلهيِّ والفيضِ الرحمانيِّ وإِنْ لم يُدْرِكه بالنظر الفكريِّ...»(٢٣).

التعليق:

إنَّ حكايةَ هذه الأقوالِ تغني عن رَدِّها وتفنيدِ أدلَّتها؛ ذلك لأنَّ القرآن صريحٌ في أنَّ الله تعالى بائنٌ مِنْ خَلْقه لا يُشْبِهُه شيءٌ مِنْ مخلوقاته، مُتَّصِفٌ بصفات الكمال، منزَّهٌ عن النقائص والعيوب، ولقد كَفَّر اللهُ النصارى القائلين بأنَّ الله حَلَّ واتَّحد بعيسى عليه السلام، ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ [المائدة:١٧]، فكيف بمَنْ يعتقد أنَّ اللهَ مُتَّحِدٌ بجميع مخلوقاته، وأنَّ ما في الكون إلَّا اللهُ، تعالى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.

إيمانهم بحصول العلم اللدنيِّ لمشايخهم بالترقِّي في الطريقة:

إنَّ ممَّا ابتُليَ به الصوفيَّةُ عمومًا، والتجانيةُ خصوصًا دعوَى مُريدِي مشايخهم لأشياخهم أنهم ــ برياضةِ نفوسهم على أورادِهم وسلوكِهم ــ يترقَّوْن في الطريق فتحصل لهم معرفةٌ بالأحكام الشرعية تعلُّما بلا واسطةٍ يُسمُّونه علمًا لَدُنِيًّا وإلهامًا وكشفًا ربَّانيًّا يُوفَّقون به لمعرفة الحكم الشرعيِّ مِنْ غيرِ مكابدة الطلب، ولا تَلَقٍّ بمطالعةِ الكتب أو مزاحمةِ العلماء بالرُّكَب، ولا استخدامٍ للقواعد والأصول، كأنما كُشِف لهم عن مخدَّرات العلم ومخبَّآته الحجابُ، ولسانُ حالِهِم يقول: إنَّ مَنِ اتَّقى اللهَ علَّمه اللهُ؛ عملًا ـ زعموا ـ بقوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ [البقرة: ٢٨٢]؛ فجعلوا طريقَ معرفةِ الأحكام الشرعية مبناها على الاستحسان والمواجيدِ والأذواق والخواطر النفسية للشيخ المتبحِّر في طريقتهم.

جاء في «الدرَّة الخريدة»: «إنَّ العبد إذا دَخَل في طريق القوم وتَبحَّر فيه أعطاه اللهُ عزَّ وجلَّ هناك قوَّةَ الاستنباط نظيرَ الأحكام الإلهية الظاهرةِ على حدٍّ سواءٍ، فيستنبط في الطريقِ واجباتٍ ومندوباتٍ وآدابًا ومحرَّماتٍ ومكروهاتٍ وخلافَ الأَوْلى نظيرَ ما فَعَله المجتهدون..»(٢٤).

التعليق:

هذا الكلام ــ في حقيقته ــ ينبئ عن صفةٍ ذميمةٍ هي «كذبُ الحال»، وقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»(٢٥)، فقَدْ جَمَع فيه أصحابُ الطريقة بين ادِّعاء العلم وادِّعاءِ الأفضلية على العلماء، حيث زعموا أنه يحصل لهم ما يحصل للعلماء دون واسطةٍ أو كدٍّ أو طلبٍ، فقَدْ جاء التحديدُ النبويُّ لطريقِ العلم الشرعيِّ محصورًا بالتعلُّم، فلا سبيلَ للحصول عليه والوصولِ إليه إلَّا بالتعلُّم الذي يقتضي بَذْلَ الجهدِ في طلبِه وتحصيله، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ»(٢٦)، ثمَّ إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جَعَل طلبَ العلمِ فريضةً على كُلِّ مسلمٍ يسعى إليه ويسلكه لتحصيله، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»(٢٧)، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ»(٢٨).

أمَّا الآية في قوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ، فإنَّ الواو ليسَتْ عاطفةً وإنما هي للاستئناف كما ذَكَر ابنُ جريرٍ الطبريُّ ـ رحمه الله ـ، وإِنْ سلَّمْنا ــ جدلًا ــ أنها للعطف فإنَّ معناها أنَّ مَنِ اتَّقى اللهَ وطلب العلمَ النافع أورثه اللهُ فَهْمًا يَعْرِف به الحقَّ والباطل(٢٩)، فبالعلم تحصل التقوى فهو سابقٌ عليها؛ فالتقوى ثمرةُ العلم النافعِ والعمل الصالح، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْ [فاطر: ٢٨]، غيرَ أنَّ التجانيِّين جعلوا الأمرَ معكوسًا؛ فصارَ العلمُ ــ عندهم ــ ثمرةً للتقوى، ناهيك عن نوعِ تقواهم التي جَعَلوها مسلكًا لهم.

والمتأمِّل في هذا الكلامِ يلمس أنَّ حقيقته اعتمادُ المواجيدِ والأذواقِ والخواطر مِنْ غيرِ وزنِها بميزان الشرع، فجعلوها أصلًا سابقًا لِمَا سواه، وقدَّموها على الشرعيات حالَ التعارض.

قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «فالمتكلِّمة جعلوا بإزاء الشرعيَّاتِ العقلياتِ أو الكلاميات، والمتصوِّفةُ جعلوا بإزائها الذوقياتِ والحقائق، والمتفلسفةُ جعلوا بإزاءِ الشريعة الفلسفةَ، والملوكُ جعلوا بإزاء الشريعةِ السياسةَ، وأمَّا الفقهاءُ والعامَّةُ فيخرجون عمَّا هو ـ عندهم ـ الشريعةُ إلى بعضِ هذه الأمور، أو يجعلون بإزائها العادةَ أو المذهب أو الرأي. والتحقيق: أنَّ الشريعة التي بَعَث اللهُ بها محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم جامعةٌ لمصالح الدنيا والآخرة، وهذه الأشياءُ ما خالف الشريعةَ منها فهو باطلٌ وما وافقها منها فهو حقٌّ»(٣٠).

فالمكاشَفُ الحقُّ مَنْ يَزِنُ مكاشفاته بالكتاب والسنَّة؛ إذ لا عصمةَ للمكاشفات والخطاباتِ ونحوِها مِنَ الأحوال ولا دليلَ يدلُّ عليها، وغيرُ المعصوم لا ثِقَةَ بخواطره لأنه لا يأمن وسوسةَ الشيطان(٣١).

وحَسْبُنا مِنْ ذلك أنَّ عمر بنَ الخطَّاب رضي الله عنه الذي كان مُلْهَمًا بالصواب وينطق الحقُّ على لسانه، وأهلُ المكاشفات والمحادثات والإلهامات مِنْ هذه الأمَّةِ هم دون عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه ببونٍ شاسعٍ، مع ذلك كان رضي الله عنه يحتاج إلى عرضِ ما قُذِف في قلبه وانقدح في خاطِرِه على الكتاب والسنَّة، فما وافقهما قَبِلَه وما خالفهما ردَّه؛ ولذلك كان يُعارِضه الصحابةُ رضي الله عنهم ولا يحتجُّ عليهم بما أُلْقِيَ في نفسِه مِنْ إلهامٍ، أو يُقابِل اعتراضَهم بكونه محدَّثًا، ولا أدلَّ على ذلك ممَّا وَقَع منه في الحديبية وعند وفاة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «فإنَّ مرتبة الصدِّيق فوق مرتبة المحدَّث؛ لأنَّ الصدِّيق يتلقَّى عن الرسول المعصوم كُلَّ ما يقوله ويفعله، والمحدَّثُ يأخذ عن قلبه أشياءَ، وقلبُه ليس بمعصومٍ؛ فيحتاجُ أَنْ يَعْرِضه على ما جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ولهذا كان عمر رضي الله عنه يُشاوِرُ الصحابةَ رضي الله عنهم ويُناظِرُهم ويرجع إليهم في بعض الأمور ويُنازِعونه في أشياءَ، فيحتجُّ عليهم ويحتجُّون عليه بالكتاب والسنَّة ويُقرِّرهم على منازَعتِه ولا يقول لهم: أنا محدَّثٌ مُلْهَمٌ مخاطَبٌ فينبغي لكم أَنْ تقبلوا منِّي ولا تُعارِضوني، فأيُّ أحَدٍ ادَّعى أو ادَّعى له أصحابُه أنه وليُّ لله وأنه مخاطَبٌ يجب على أتباعِه أَنْ يقبلوا منه كُلَّ ما يقوله ولا يُعارِضوه ويسلِّموا له حالَه مِنْ غيرِ اعتبارٍ بالكتاب والسنَّة فهو وهُمْ مخطئون، ومثلُ هذا مِنْ أضلِّ الناس»(٣٢).

أمَّا الاستحسان المجرَّد عن الأدلَّة الشرعية فلا يُلْتَفتُ إليه فضلًا عن جعلِه مرجعًا وأصلًا تُبنى عليه العقائدُ والأحكام؛ إذ الناسُ مُتفاوِتون في أذواقهم كتَفاوُتهم في عقولهم وإدراكاتهم، فما يَستحسِنُه أحَدُهم قد يَستقبِحُه آخَرُ، فإِنْ لم يرجعوا إلى الكتاب والسنَّة في استحسانهم ضاعَ الدِّينُ بين أهوائهم وأذواقهم، وقد تجتمع كلمةُ طائفةٍ منهم على استحسانِ ما استقبحه الشرعُ وأجمعَتِ الأمَّةُ على ردِّه، أو استقباحِ ما استحسنه الشرعُ، وذلك هو الضلالُ الذي ما بعده ضلالٌ.

قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «..فإنَّ مجرَّد الاستحسان بالذوق والوجدان إِنْ لم يشهد له الكتابُ والسنَّة وإلَّا كان ضلالًا»(٣٣).

وسرُّ ذلك أنَّ الاستحسان الذي لا يشهد له الشرعُ ذريعةٌ إلى التشريع مِنْ دون الله؛ ولذلك قال الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ: «مَنِ استحسن فقَدْ شَرَع»(٣٤)، ومِنَ المعلوم أنَّ الأُمَّة قاطبةً مُتَّفِقةٌ على أنَّ الله سبحانه مُتفرِّدٌ بالتشريع، وهو مِنْ خصائصِ ربوبيته لا يُنازِعُه في ذلك أحَدٌ، كما جاء صريحًا في نصوصٍ كثيرةٍ منها: قولُه تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧ [الأنعام]، وقولُه تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠ [يوسف]، فلا حلالَ إلَّا ما أحلَّه اللهُ ولا حرامَ إلَّا ما حرَّمه.

وإنَّ العبد مهما بَلَغ عبادةً وصلاحًا وتقوَى فإنه لا يُشارِكُ اللهَ في تشريعٍ لا في أمرٍ ولا نهيٍ، وليس لأحَدٍ مِنَ العباد أَنْ يقول: «هذا سُنَّةٌ وهذا واجبٌ» لشيءٍ لم يَرِدْ فيه دليلٌ مِنْ شرع الله، وإِنْ فَعَل ذلك فقَدْ نازع اللهَ في حقِّ الحاكمية وهو حقٌّ مِنْ حقوقه تعالى لا يجوز إلَّا له، ومَنْ فَعَل ذلك فقَدْ أَشْبَهَ النصارى الذين اتَّخذوا أحبارَهم ورُهْبانَهم أربابًا مِنْ دون الله، قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١ [التوبة].

ففي «سنن الترمذي» عن عديِّ بنِ حاتمٍ رضي الله عنه قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي «سُورَةِ بَرَاءَة»: ﴿ ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ»»(٣٥).

فالله وَحْدَه هو الذي يحرِّم ويحلِّل وما أحلَّه فهو الحلالُ وما حرَّمه فهو الحرامُ، وليس لأحَدٍ مهما سَمَا وبَلَغ أيُّ حقٍّ في التشريع، فالاعتمادُ على الكشف والإلهام ونحوِ ذلك مِنَ الأحوال بمَعْزِلٍ عن الشرع هو مِنْ أصول الإلحاد، ومَنِ اعتقد أنَّ للشيخ القدرةَ على تشريع أحكامٍ تُضاهي الأحكامَ الإلهية فقَدْ ضلَّ ضلالًا بعيدًا.

قال الشنقيطيُّ ـ رحمه الله ـ: «وبالجملة، فلا يخفى على مَنْ له إلمامٌ بمعرفةِ دِينِ الإسلام أنه لا طريقَ تُعْرَف بها أوامرُ الله ونواهيه، وما يُتقرَّبُ إليه به مِنْ فعلٍ وتركٍ إلَّا عن طريق الوحي، فمَنِ ادَّعى أنه غنيٌّ في الوصول إلى ما يرضي ربَّه عن الرُّسُل وما جاءوا به ولو في مسألةٍ واحدةٍ فلا شكَّ في زندقته، والآياتُ والأحاديثُ الدالَّةُ على هذا لا تُحصى»(٣٦).

إيمانهم بأنَّ مشايخهم يعلمون الغيب:

قال في «جواهر المعاني»: «ومِنْ كماله رضي الله عنه(٣٧) ونفوذِ بصيرته الربَّانية وفراستِه النورانية التي ظَهَر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب، وفي غيرها مِنْ إظهار مُضْمَراتٍ، وإخبارٍ بمغيَّباتٍ، وعلمٍ بعواقب الحاجات، وما يترتَّب عليها مِنَ المصالح والآفات، وغيرِ ذلك مِنَ الأمور الواقعات»(٣٨).

وقال في «رماح حزب الرحيم»: «وينبغي على المريد أَنْ يعتقد في شيخه أنه يرى أحوالَه كُلَّها كما يرى الأشياءَ في الزجاجة»(٣٩).

وقال محمَّد العربي السائح الشرقي: «ومِنْ إخباره بالغيب عن طريقِ كشفِه رضي الله عنه إخبارُه بأمورٍ لم تقع إلَّا بعد وفاتِه، إمَّا بالتصريح أو بالتلويح»(٤٠).

تفنيد شبهة التجانيين:

استند التجانيون لإثبات معرفة شيوخهم الغيبَ والأشياءَ المستقبَلِية التي لم تقع بعدُ إلى شبهةٍ واهيةٍ لخَّصها محمَّد فتحا بقوله: «قلتُ: لا مانِعَ مِنْ كونه تعالى يُطْلِعُ على غيبه بعضَ أصفيائه كما قال تعالى: ﴿فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ [الجنّ: ٢٦ ــ ٢٧]، يعني: «أو وليٍّ» كما قال بعضُ العارفين، والصحيحُ أنه لم يُنْقَلْ مِنْ هذه الدارِ حتَّى أطلعه اللهُ على مفاتح الغيب، فلْتَكُنْ بعضُ خواصِّ أمَّتِه كذلك بطريقِ الوراثة المحمَّدية..»(٤١).

الجواب:

جوابُ هذا الإيرادِ أنَّ الاطِّلاع على الغيب مِنْ خصوصيات الله سبحانه وتعالى، جاء ذلك صريحًا في أكثرَ مِنْ آيةٍ في كتاب الله عزَّ وجلَّ منها: قولُه تعالى: ﴿فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٢٠ [يونس]، وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٢٣ [هود]، وقولُه: ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُ [النمل: ٦٥]، وغيرُها مِنَ الآيات المصرِّحة بحصرِ علمِ الغيب بالله وَحْدَه ونفيِه عَمَّنْ سواه، فلا يعلم الغيبَ مَلَكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ إلَّا مَنْ أطلعهم اللهُ عليه.

وأمَّا إلحاقُ الوليِّ بالرسول كما ادَّعاهُ التجانيُّ فإلحاقٌ مع ظهور الفارق؛ ذلك لأنَّ الله يُطْلِعُ رُسُلَه على الأمور الغيبية عن طريقِ الوحي الذي يستحيل في حقِّ الوليِّ.

قال القرطبيُّ المالكيُّ ـ رحمه الله ـ: «فاللهُ تعالى عنده علمُ الغيب وبيده الطُّرُقُ المُوصِلةُ إليه لا يملكها إلَّا هو، فمَنْ شاء إطلاعَه عليها أَطْلَعه، ومَنْ شاء حَجْبَه عنها حَجَبَه، ولا يكون ذلك مِنْ إفاضته إلَّا على رُسُله بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ [آل عمران: ١٧٩]، وقال: ﴿إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ [الجن: ٢٧]»(٤٢).

وأمَّا قوله: «والصحيح أنه لم يُنْقَلْ مِنْ هذه الدارِ حتَّى أطلعه اللهُ على مفاتح الغيب، فلْتَكُنْ بعضُ خواصِّ أُمَّته كذلك بطريق الوراثة المحمَّدية» فلا نسلِّم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُطْلِعَ على مفاتح الغيب؛ لقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَ [الأنعام: ٥٩]، فالآيةُ صريحةٌ في أنَّ الله اختصَّ نَفْسَه بمفاتح الغيب ولم يُطْلِعْ عليها أحَدًا مِنْ خَلْقه، وفي الحديث: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ: لَا يَعْلَمُ مَا في غَدٍ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَاعَةُ إِلَّا اللهُ»(٤٣)، قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «أُعطِي نبيُّكم كُلَّ شيءٍ إلَّا مفاتحَ الغيب»(٤٤)، وإذا كانَتِ المقدِّمةُ غيرَ سليمةٍ فما بُنِيَ عليها فمثلُها؛ لأنَّ «مَا بُنِيَ عَلَى فَاسِدٍ فَفَاسِدٌ».

ـ يُتْبَع ـ

 


(١)      وقد أفتَتِ اللجنةُ الدائمةُ للبحوث العلمية والإفتاء بعدَمِ صِحَّةِ الصلاة خلف مَنْ يعتقد العقيدةَ التيجانية؛ لأنها عقيدةُ كفرٍ وضلالٍ، [انظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» جمع وترتيب الدويش (٧/ ٣٦٢)].

(٢) انظر الفتوى رقم: (٣١٦) الموسومة ﺑ: «في حكم الصلاة وراء إمام يأتي بأوراد تيجانية» على الموقع الرسميِّ لفضيلة الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ.

(٣) «زاد المعاد» لابن القيِّم (٣/ ٥).

(٤)     أخرجه ابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابُ اتِّباعِ سنَّةِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (٨) مِنْ حديثِ أبي عِنَبةَ الخولانيِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٥/ ٥٧١).

(٥)     انظر: «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» للسيوطي (٢/ ٤٧٢).

(٦) «تذكرة الحُفَّاظ» للحافظ شمس الدين الذهبي (١/ ٢٧٣).

(٧)     وقد جُمِعَتْ في بيتين هما:

القَدْحُ لَيْسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ ... مُتَظَلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ وَمُحَذِّرِ

وَمُجَاهِرٍ فِسْقًا وَمُسْتَفْتٍ وَمَنْ ... طَلَبَ الإِعَانَةَ فِي إِزَالَةِ مُنْكَرِ

(٨) «رياض الصالحين» للنووي: باب ما يُباحُ مِنَ الغِيبة.

(٩)     أخرجه البخاريُّ في «بدء الوحي» باب: كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ (٣)، ومسلمٌ في «الإيمان» (١٦٠)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١٠) «آثار الإمام محمَّد البشير الإبراهيمي» (١/ ١٩٠).

(١١)     لمَنْ أراد التوسُّعَ يمكنه الاستعانةُ بالمراجع التالية:

«التجانية، دراسةٌ لأهمِّ عقائد التجانية على ضوءِ الكتاب والسنَّة» للدكتور علي بن محمد آل دخيل الله،

«الهداية الهادية إلى الطائفة التجانية» للدكتور محمَّد تقي الدين الهلالي،

«مشتهى الخارف الجاني في ردِّ زلقات التجانيِّ الجاني» لمحمَّد الخضر بن سيدي عبد الله الجكني الشنقيطي،

«كشف الحجاب عمَّنْ تَلاقى مع الشيخ التجاني مِنَ الأصحاب» لأحمد بن الحاج العياشي سكيرج،

«الدرر السنية في شروط وأحكام وأوراد الطريقة التجانية» لمحمَّد سعد بن عبد الله الرباطابي التجاني.

(١٢) «مجلَّة الشهاب» (٤/ ٢٤٤).

(١٣)    انظر ترجمته في: «جواهر المعاني» لعلي حرازم (١/ ٣٠)، «سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمَنْ أُقْبِرَ مِنَ العلماء والصُّلَحاء بفاس» لمحمَّد بن جعفر الكتَّاني رقم: (١١٩).

(١٤) «جواهر المعاني» لعلي حرازم (١/ ٥١).

(١٥)    (ص ١٤٠)، طبعة دار الثقافة.

(١٦) «بغية المستفيد شرح مُنْية المريد» لمحمَّد العربي السائح التجاني (٢٧٣).

(١٧)    المصدر نفسُه (١٨٣).

(١٨) «جناية المنتسب العاني» لأحمد سكيرج (٢/ ٧٢).

(١٩)    هو محمَّد تقي الدين الهلالي.

(٢٠) «التجانية، دراسةٌ لأهمِّ عقائد التجانية على ضوء الكتاب والسنَّة» للدخيل (٨٦).

(٢١) «جواهر المعاني» لعلي حرازم (١/ ٢٥٩).

(٢٢) «جواهر المعاني» لعلي حرازم (١/ ١٨٤).

(٢٣) «ميدان الفضل والإفضال في شمِّ رائحة جوهرة الكمال» لعبيدة بن محمَّد الصغير (٦٢).

(٢٤) «الدرَّة الخريدة» لمحمَّد فتحا بن عبد الواحد السوسي (٣/ ٢١٦).

(٢٥)   أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب المتشبِّع بما لم يَنَلْ، وما يُنهى مِنِ افتخار الضرَّة (٥٢١٩)، ومسلمٌ في «اللباس والزينة» (٢١٣٠)، مِنْ حديثِ أسماءَ رضي الله عنها.

(٢٦)   أخرجه الطبرانيُّ في «الأوسط» (٣/ ١١٨) مِنْ حديثِ أبي الدرداء رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «السلسة الصحيحة» (١/ ٦٧٠).

(٢٧)   أخرجه ابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابُ فضلِ العلماء والحثِّ على طلب العلم (٢٢٤) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه. وهو في «صحيح الجامع» (٣٩١٣).

(٢٨)   أخرجه الترمذيُّ في «العلم» بابُ فضلِ طلبِ العلم (٢٦٤٦) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وهو في «صحيح الجامع» (٦٢٩٨).

(٢٩)   انظر: «تفسير القرطبي» (٣/ ٤٠٦).

(٣٠) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٣٠٨).

(٣١) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ١٥٩).

(٣٢)   المصدر السابق (١١/ ٢٠٧)

(٣٣)«الاستقامة» لابن تيمية (١/ ٣٩١).

(٣٤)   انظر: «الأمَّ» للشافعي (٦/ ٢١٩).

(٣٥)   أخرجه الترمذيُّ في «التفسير» باب: ومِنْ سورة التوبة (٣٠٩٥). وحسَّنه الألبانيُّ في «غاية المَرام» (١٩)، وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٨٦١).

(٣٦) «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ١٥٩).

(٣٧)   الترضيةُ تُطْلَقُ على الصحابة خاصَّةً على أَرْجَحِ أقوالِ أهل العلم على وجهٍ لازمِ التحقيق لمَنْ عيَّنَتْهم الآياتُ القرآنية في قوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨[الفتح]، ولقوله تعالى: ﴿رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ[البيِّنة: ٨]، وانظر الفتوى رقم: (٥٤٩) الموسومة ﺑ «في صحَّةِ إطلاق عبارة «رضي الله عنه» على صغار الصحابة ومَنْ دونهم» على الموقع الرسميِّ لفضيلة الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ.

(٣٨) «جواهر المعاني» لعلي حرازم (١/ ٦٣).

(٣٩) «رماح حزب الرحيم في نحور حزب الرجيم» لعمر بن سعيد الفوتي الطوري (١/ ٢٨).

(٤٠) «بغية المستفيد» لمحمَّد العربي السائح الشرقي (٢٤٦).

(٤١) «الدرَّة الخريدة» لمحمَّد فتحا بن عبد الواحد السوسي (١/ ٢١٩).

(٤٢) «تفسير القرطبي» (٧/ ٥).

(٤٣) أخرجه البخاريُّ في «التفسير» (٤٦٩٧) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٤٤) أخرجه الطبريُّ في «تفسيره» (٥/ ٢١٠).