Skip to Content
الخميس 14 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 08 ديسمبر 2022 م

ردود وتعقيبات رقم: ٢٧

تهافُتُ تهاوي التَّهاوي

«تعقيب إدارة الموقع الرَّسمي لفضيلة الشيخ فركوس ـ حفظه الله ـ»

الحمدُ لله وليِّ الصَّالحين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى أصحابِهِ الطَّاهرين، وأتباعِهِ الصَّادقين أمَّا بعد:

فقد طلَعَ صاحبُ «انقضاض الاعتراض» بكتابةٍ مُطوَّلةٍ سَمَّاها: «تهاويَ التَّهاوي في دحض شُبُهات، ودحرِ مغالطات إدارة الموقع»، بعد انتظارٍ طالَ أمَدُه إِثرَ هالةٍ مِنَ التَّفخيم والتَّضخيم على صفحات التَّواصل الاجتماعيِّ، أثارها مَنْ لا صِلةَ لهم بالعلم الشَّرعيِّ ولا معرفةَ لهم بالنِّقاش العِلميِّ، وفورَ بروزها مِنْ سِردابها اطَّلعت إدارةُ الموقع عليها وأَمَلُها أَنْ تظفرَ بما مِنْ شأنه أَنْ يُلزِمَها بما وعدَتْ به سابقًا، مِنْ كونها غيرَ معنيَّةٍ بتسويداتِ القوم «إلَّا إذا أَوْرَدوا مَا له حظٌّ مِنَ النَّظر يستحقُّ الكشفَ والبيانَ مناقشةً وتباحثًا، أو جاؤوا بما يَشفعُ لهم قوَّةً في الدِّلالةِ، ورجاحةً في الحُجَّة، فإنَّ الإذعان إلى الحقِّ ـ عندها ـ واجبٌ لا مَناصَ منه، وعِزَّةٌ لا اعتياضَ عنها»، ولكن سُرعانَ ما خابَ ظنُّها وتلاشى عزمُها، وفي الوقتِ ذاتِه قَوِيَ يقينُها وصَدَق حدسُها بأنَّ المُعاندةَ صفةٌ تكاد تكون لازمةً غيرَ مُنفكَّةٍ عن تسويدات القوم وكتاباتِهم، وهذا مُنافٍ للصِّدق مُجانِبٌ لسلامة العقل، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وليس ممَّا أمر اللهُ به ورسولُه ولا ممَّا يَرتضيه عاقلٌ أَنْ تُقابَلَ الحُجَجُ القويَّةُ بالمعاندةِ والجَحْدِ، بل قولُ الصِّدقِ والْتِزامُ العدلِ لازمٌ عند جميع العقلاء»(١).

فلذلك عَدَلتِ الإدارةُ عن التَّعقيب على المحتويات غير المُجدِيةِ للمقال؛ نظرًا لكونِ غالبِ فقراتِه مكرَّرةً، لا يشهدُ لها فقهٌ ولا اعتبارٌ، وتمَّ إقحامُها مِنَ المقال السَّابق للمعترضِ للتَّضخيم، الأمرُ الذي يؤدِّي بطريقٍ أو بآخَرَ إلى حلقةٍ مُفرَغةٍ، وخروجٍ عن الموضوع الأصليِّ، وتطويلٍ في مسائلَ جانبيَّةٍ لا تستحقُّ ـ في واقع الأمر ـ ردًّا ولا تفنيدًا لِتَهافُتِها، ويُكتفى بالإحالةِ على ما سبَقَ تقريرُه وبيانُه في الكتابة الأولى الموسومة ﺑ: «تهاوي شبهات الانقضاض».

وقد ارتأت إدارةُ الموقع أَنْ تجعلَ التَّعقيبَ على المَقالِ المُتهافتِ المُشارِ إليه مُرتَّبًا على النَّسق التالي:

ـ وصفٌ إجماليٌّ للمَقال.

ـ الإجابةُ على المَسائل العلمية المتعلقة بمسألة حكم التباعد في صلاة الجماعة.

ـ خاتمةٌ (فيها خلاصة التعقيب).

وتتناول الإدارةُ بيانَ هذه النقاطِ مرقَّمةً في العناوين الفرعيَّة الآتية:

   أوَّلًا: الوصف الإجماليُّ للمقال:

اشتملت الكتابةُ الموسومة ﺑ: «تهاوي التَّهاوي في دحض شُبُهات، ودحر مغالطات إدارة الموقع» المنفوخةُ إعلاميًّا على عِدَّة عيوبٍ منها:

١ ـ الخروجُ عن جوهر الخلاف، والادِّعاء بأنَّ مسألةَ حكم التَّباعد في صلاة الجماعة سبَّبَتِ الفِتَنَ والتَّفرُّق داخِلَ بيوت الله وخارِجَها، وهذه مخادعةٌ للقُرَّاء وغشٌّ لا يُحسِنه إلَّا مُراوغٌ خَفَّ وَرعُه وانحرف طبعُه؛ لأنَّ فتوى حُكم الصَّلاة بالتَّباعد فقهيَّةٌ لا يُبنى عليه وَلاءٌ ولا براءٌ لِذاتِها، تَناولها الشيخُ أبو عبدِ المُعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ بالتَّوضيح والتَّجلية ـ وهو أهلٌ للاجتهاد والنَّظر ـ وأَيَّدها بجُملةٍ مِنَ الأدلَّةِ، ولم يخرج فيها عن فُهُومِ مَنْ سَبَقه مِنْ أهل العلم وعلى رأسهم إمامُ أهلِ السُّنَّةِ أحمد بنُ حنبل ـ رحمه الله ـ، والفتنة والفُرقة ـ في الحقيقة ـ نتيجةٌ مؤلِمَةٌ لِتَعصُّب الكاتبِ وصاحبِهِ وجماعتِهما، ومعارضتِهم للأدلَّة بالتَّقليد، ثمَّ محاربةِ كُلِّ مَنْ تَمسَّك بالدَّليل، وتأليبِ أئمَّةِ المساجد للوقوف ضِدَّهم بالتَّبليغ عنهم لدى الجهات الوصيَّةِ قصدَ إلحاقِ الضَّرر بهم، وطردهِم مِنَ المساجد، ولَمْزِهم والطَّعنِ في منهجهم، ووصفِهم بالخوارج، واتِّهامِهم بتقديس الشَّيخ وغيرِها مِنَ الأفعال الشَّائنةِ المُوَثَّقةِ بالأدلَّةِ والشُّهودِ، والتي ـ في الغالب ـ لا تصدر مِنْ مُبتغٍ للحقِّ ناشدٍ للصَّواب، بل هي شيمةُ كُلِّ حاقدٍ وحاسدٍ مُشرَبٍ بنزعةِ الانتصار للنَّفس.

٢ ـ تأخيرُ البيان إلى وقتٍ لا يتعلَّق عملُ المُكلَّفين به، ولا يَستفتون عنه لعدم وجوده واقعيًّا، ولا يخفى على ذي لُبٍّ أنَّه إذا كان مَعيبًا السُّؤالُ عن مسائلَ بعيدةِ الوقوع أو مقدَّرةٍ لم تقع بعدُ، فكذلك مِنَ المَعيب إشغالُ المُكلَّفين بمسائلَ مضى زمانُها وانقضَى ظرفُها وزال سببُها، وكأنَّ الكاتب المُعترضَ على فتوى الشَّيخ ـ حفظه الله ـ يكتب لقومٍ لا زالوا محبوسين في إقامتهم مُتجاوِبين مع أوامرِ وليِّ الأمر بالحَجر الصِّحِّيِّ، وكأنَّ البروتوكول الصِّحِّيَّ لا زال مُطبَّقًا، والمساجد يُصلَّى فيها بالتَّباعد، قد تكون الكتابةُ في الموضوع مَعقولةً لو طُرِحَتْ للنِّقاش قبل سنواتٍ حين كانت الإجراءاتُ الاحترازيَّةُ مَظهرًا يدلُّ على تَفشِّي الوباء وانتشارِ المَرَض، أَمَّا وإنَّ الحياة الطَّبيعيَّةَ عادت إلى العالَم بأسره فالكتابةُ في مِثلِ هذا الموضوعِ بمثل هذا التَّوسُّع المُخلِّ بآدابِ التَّأليف والتَّصنيف دليلٌ على إرادةِ التَّشفِّي وإخراجِ ضغائنِ النُّفوسِ وسخائِمِ القُلوبِ لتشويهِ سُمعة النَّاصح المُطَّلِع على الأخطاء والمُحذِّر مِنَ الانحراف عن المَسار الدَّعْوِيِّ السَّليم.

وقد صَدَقَ مَنْ قال:

لا يَحمِلُ الحِقدَ مَنْ تَعلُو بِهِ الرُّتَبُ    وَلا يَنالُ العُلا مَنْ طَبعُهُ الغَضَبُ

٣ ـ نُقولاتٌ مُقحَمَةٌ للتضخيم، وكأنَّ المَقالَ مكتوبٌ بأيادٍ مختلفةٍ، ثمَّ ضُمَّتْ صفحاتُهَا مِنْ غيرِ تنقيحٍ، ويظهر ذلك في صُوَرٍ أبرزُها صورتان:

·  الأولى: نُقُولٌ مُكرَّرةٌ دون داعٍ، ومِنْ أمثلتها:

ـ النَّقلُ عن الشِّيخ ابنِ عُثيمين في «فتح ذي الجلال والإكرام» (٢/ ٢٨٧) مُكرَّرٌ في الصَّفحات: (١٤٢) و(١٧٥) و(٢٥٧).

ـ النَّقلُ عن ابن حزم في «المحلَّى» (٢/ ٣٧٣) مُكرَّرٌ في الصَّفحات: (٤٥) و(١١٧) و(١٤٨).

ـ النَّقلُ عن ابنِ رسلان في «شرح أبي داود» (٤/ ١٨٦) مُكرَّرٌ في الصَّفحات: (٦٥)و(٩٧) و(١١٦) و(١٤٥) و(١٤٨) و(١٧٨) و(١٨٠) و(٢١٢).

·  الثانية: نُقُولٌ طويلةٌ مِنْ غيرِ احتياجٍ إليها في صُلبِ الموضوع: ومثالها: التَّعرُّض لِمَسألةِ معنى الإعراب مِنْ قولِ الأوزاعيِّ: «أَعرِبوا الحديثَ فإنَّ القوم كانوا عَرَبًا»، هل المقصودُ به الإعرابُ بمعناه الاصطلاحيِّ، أم المقصودُ به قراءةُ الحديثِ بلحون العرب؟ نقل فيها الكاتبُ نُقولاتٍ كثيرةً مِنْ (ص ١٥٢) إلى (ص ١٧٣)، سَوَّد فيها واحدًا وعشرين صفحةً تعقيبًا على كلامٍ ذكرَه الشَّيخ في فتواه عَرَضًا، مع أنه يعلم أنَّ الأوزاعيَّ ـ رحمه الله ـ لم يكن يلتزمُ بهذا الإعرابِ الاصطلاحيِّ في كُلِّ لفظةٍ مِنْ كُلِّ حديثٍ، ولا كانت عروبةُ العربِ تقتضي ذلك منهم، فيكون لازمُه أَنْ يكونَ الأوزاعيُّ آمرًا بشيءٍ لا يلتزمه في نفسه، واللازمُ باطلٌ فالملزومُ مِثلُه.

٤ ـ التَّكرار: ظَنًّا مِنً المُعترِضِ أو مِنَ المَخدوعين أنَّ كِفَّةَ الحُجَّةِ تميلُ بالإطالة والاستطراد وإعادة الكلام: ولا شكَّ أنَّ القارئ النَّبيهَ يتفطَّنُ لصنيع الكاتب بتَكراره لفقراتٍ سبقت في تسويده «انقضاض الاعتراض»، كما في (ص ٤٣) حيث يقول: «ولهذا أُعيدُ نقلَه في هذا الموضع وهذا نصُّه:..»، وكما في (ص ١٨٦) إلى (ص ١٨٩) حيث أعاد أغلبَ ما في الانقضاض.

٥ ـ الحشوُ العريض لنفخ الكتابة وزيادةِ حجمِ صفحاتها، وتكبيرُ عدد أوراقها، مِنْ غير حاجةٍ إليها في البحث العِلميِّ لا مِنْ قريبٍ ولا مِنْ بعيدٍ، ومثالُهُ: ما سوَّده في ذِكرِ حال النَّظَّامِ المعتزليِّ المُنكِرِ للقِياس، فقد استطرَدَ في انتقادِه وبيانِ مساوئِهِ، وقبَّحَ عقيدتَهُ ونَقَل كلامَ أهلِ العلم فيه: مِنْ (ص ٣١) إلى (ص ٣٣).

٦ ـ الاستشهادُ بنقولٍ في غيرِ موضعِها واستعمالها على عكس المراد منها، أو أخذُ بعضٍ ممَّا فيها وإهمالُ وبترُ ما لا يخدم الكاتبَ منها، ومِنْ أمثلةِ ذلك:

أ/  نقَلَ الكاتبُ المُعترِضُ عن القرافيِّ في «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام» (٢٤٩) قوله: «ومتى كان الاستفتاء في واقعةٍ عظيمةٍ، تتعلَّقُ بمَهَامِّ الدِّين أو مصالحِ المسلمين، ولها تعلُّقٌ بوُلاةِ الأمُور؛ فيَحسُنُ مِنَ المُفْتي الإِسهابُ في القولِ، وكثرةُ البيانِ، والمُبالغةُ في إِيضاح الحقِّ بالعبارات السَّريعةِ الفَهْم، والتَّهويلُ على الجُناة، والحضُّ على المبادرةِ لتحصيلِ المصالح ودرءِ المفاسد»، فاستلَّ مِنْ كلام القرافيِّ: الإسهابَ والكثرة والمبالغة، وأَغفلَ أهمَّ ما في كلامه وهو قوله: «الحضُّ على المبادرة».

وقد سبَقَ للمُعترضِ وأَنْ بَتَرَ كلامَ ابنِ حزمٍ حتَّى تتمَّ له دعواه في أنَّ ابنَ حزمٍ استدلَّ على بطلان صلاة المُنفرِد بدليلِ وجوبِ التَّسويةِ، وهذا إِنْ لم يكنِ المُعترِضُ فيه واهمًا وكان له قاصدًا فهو كذبٌ مُتعمَّدٌ على ابنِ حزمٍ، وإِنْ كان فيه واهمًا فعليه الرُّجوعُ عنه على كُلِّ حالٍ، وقد بيَّن الشيخ ـ حفظه الله ـ ذلك في الرَّدِّ على تخبُّطاته.

ب/  نقَلَ الكاتبُ المُعترض قولَ ابنِ السَّمعاني في «قواطع الأدلَّة» (١/ ٣٩٩): «فكان الأَولى به ـ عَفَا اللهُ عنه ـ [يعني: الدبوسي] أَنْ يترك الخَوْضَ في هذا الفنِّ ويُحيلَه على أهلِه؛ فإنَّ مَنْ خَاض فيما ليس مِنْ شأنِه، فأقلُّ ما يُصيبُه افْتضاحُه عند أهلِه؛ وليست العبرةُ بقَبولِ الجَهَلة، وأنَّ لكلِّ ساقطةٍ لاقطةً».

وكفى بهذا النَّقلِ ـ لِمَنْ كان له قلبٌ وألقى السَّمعَ ـ حُكْمًا على الكاتب وكتابتِه، فمَنِ الذي رَوَّج لتسويده على صفحات التَّواصل والقنوات، وطار به فرحًا قبل صدوره، وأَطرَوْه مدحًا قبل أَنْ يقرؤوه؟ أهُمْ طلبةُ العلم المشهودُ لهم بالفهم السَّليم والقُوَّة العلميَّة؟ أم هم أولئك الذين يمتهنون التَّسجيلَ مِنْ غيرِ استئذانٍ، والتَّصويرَ بالتَّخفِّي، ومِنْ ثَمَّ رفعُ التَّقارير للكاتب العلَّامة ـ زعموا ـ قَصْدَ الزُّلفى ونيلِ القُربى؟ ومِنْ وراء الصَّنيع المَاكر استخراجُ شهادةِ تزكيةٍ لترعيبِ المخالفين وترهيبِ الثَّابتين؟ الجواب يعرفه كُلُّ عاقلٍ منصفٍ.

هذا، وقد وقَعَ نكيرُ العلماءِ والمُحقِّقين سَلَفًا وخَلَفًا قديمًا وحديثًا على مَنْ يسلكُ سبيلَ نفخِ كتاباتِهِ بالنُّقُول الكثيرةِ والحَشْوِ الذي لا فائدةَ منه تعود على القارئ إلَّا بالتَّطويلِ المُمِلِّ، وقطعِ الهِمَمِ عن استيفاء القراءة حَقَّها، وعَدُّوا ذلك مَظهَرًا مِنْ مظاهرِ التكثُّر والتشبُّع والتَّعالمِ(٢).

قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في ترجمة شيخ الدِّيار المصرية ابنِ دِحيةَ المتوفَّى سَنَةَ: (٦٣٣هـ): «قال السِّبط: وقد كان كابنِ عنين في ثلب المسلمين والوقيعةِ فيهم، ويتزيَّد في كلامه، فترَكَ الناسُ الروايةَ عنه وكذَّبوه، وقد كان الكاملُ مُقبِلًا عليه، فلمَّا انكشف له حالُه أخَذَ منه دارَ الحديثِ وأهانه»(٣).

وفي مَعرِضِ تَعدادِ آداب المتناظرَيْن التي ينبغي أَنْ يلتزماها يقول الشنقيطيُّ ـ رحمه الله ـ: «أَنْ يتحرَّزا عن إطالة الكلام في غيرِ فائدةٍ، وعن اختصاره اختصارًا يُخِلُّ بفهم المقصود مِنَ الكلام، ومنها: أَنْ يتجنَّبَا غرابةَ الألفاظِ وإجمالَهَا، ومنها: أَنْ يكون كلامُهما مُلائِمًا للموضوع ليس فيه خروجٌ عَمَّا هما بصدده»(٤)، وصاحبُ المقالِ المتهافتِ لم يُراعِ ـ مع الأسفِ ـ هذه الآدابَ ولم يلتزمها، بل بالغَ في الإسهابِ بما لا طائلَ تحته.

وقد عدَّ ابنُ عثيمين ـ رحمه الله ـ تطويلَ البحثِ بالنُّقول دليلًا على الفراغ العلميِّ فقال: «ضِدُّ الرُّسوخ في العلم: السَّطحيَّةُ في العلم، وما أكثرَ السَّطحية اليومَ فينا!! أكثرُ النَّاس اليومَ علومُهم سطحيَّةٌ، ولهذا تجدهم إذا أَلَّفوا أو كتبوا يُكثِرون مِنَ النُّقُول، بسببِ أنَّه ليس عندهم حصيلةٌ علميَّةٌ»(٥).

   ثانيًا: الإجابة على المسائل العلميَّة المتعلِّقة بمسألة حكم التباعد في صلاة الجماعة:

زعم المعترضُ: أنَّ الشيخَ عَدَلَ عن إثبات العِلَّة عن الطَّريق النَّقليِّ وتَعدَّى إلى الاستنباط حتَّى يُسوِّغَ لنفسه إلغاءَ وصفِ: «خلف الصَّف» مِنْ خلال حصر الأوصاف.

عنده العِلَّة المنصوص عليها: «الانفراد خلف الصَّف»، والعِلَّة المُستنبَطة: «الانفراد في صلاة الجماعة». (ص ٨٣).

الجواب:

لا يزالُ المُعترِضُ يُدندِنُ حولَ إثبات الحكم عن طريق القياس وأنَّها عِلَّةٌ مركَّبةٌ منصوصٌ عليها، وقد أجابت الإدارةُ على هذه الشُّبهة إجابةً كافيَةً شافيَةً في «تهاوي الانقضاض»، ولعلَّنا نلخِّصُ ـ في هذا المَقامِ ـ أهمَّ النِّقاطِ الدَّالَّةِ على ضعفِ ما جنَحَ إليهِ المعتِرضُ فيما يأتي:

الأولى: أنَّ المجتهدَ ـ بحقٍّ ـ أوَّلَ ما تُعرَض عليهِ نازلةٌ فقهيَّةٌ ينظرُ ويطلبُ حُكمَها في الكتاب والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ إِنْ كان فيهما مِنَ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ العَامَّةِ الَّتي تَشمَلُ باستغراقها تلك المسألةَ الفرعيَّةَ الفقهيَّةَ المَبحوثَ عن حُكمِها كما سيأتي بيانُه قريبًا، إِذْ هما مصدرُ التَّشريع الإسلاميِّ وإليهما تَستنِدُ كافَّةُ الأدلَّةِ الأخرى، سواءٌ المتَّفَقُ عليها مثل: الإجماعِ والقياسِ، أو المختلفُ فيها: كقول الصَّحابيِّ وعملِ أهل المدينةِ وسدِّ الذرائع والمصالحِ المُرسَلةِ وغيرِها؛ ولا يخفى على ذي لُبٍّ أنَّ قولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حديثِ عليِّ بنِ شَيْبانَ اليماميِّ الحنفيِّ رضيَ اللهُ عنه: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ؛ فَلَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، وفي روايةٍ: «.. لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»(٦) ونزيد هنا ما استدلَّ به الألبانيُّ في بعضِ أجوبته وهو ما أخرجه أحمدُ مِنْ حديثِ وابصةَ رضي الله عنه وفيه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي فِي الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ»(٧)، فلا يخفى أنَّ هذا نصٌّ صريحٌ في مسألةِ حكمِ التَّفردِ في صَلاةِ الجماعةِ، فالدِّلالةُ على الحُكمِ ـ إذًا ـ نصِّيَّةٌ نقليَّةٌ استُفيدَتْ مِنَ النَّكرة في سياق النَّفيِ وفي قولِ الصحابيِّ: «.. رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي فِي الصَّفِّ وَحْدَهُ،فَأَمَرَهُ ..» وقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: في قوله «فَلَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» والتي هي صيغةٌ مِنْ صِيَغِ العمومِ، وهذا أغنانا عن النَّظر في القياسِ واختبارِ الأوصاف الواردةِ في النَّصِّ وتنقيح المَناط، وكفانا بالنَّقل عن العقل، وهذا أقوى حجَّةً وأمتَنُ دلالةً على الحكم الشرعيِّ وأسلمُ سبيلًا، إذِ النَّصُّ مقدَّمٌ على القياس كما أنَّ النَّقل مقدَّمٌ على العقلِ حالَ التَّعارضِ، إذ النَّقلُ وحيٌ مِنْ ربِّ العالمين، أمَّا القياس والإلحاق فهو مِنْ فعل المجتهدِ.

الثَّانيةُ: أمَّا قول المعترض: إنَّ الشيخَ ـ حفظه الله ـ «عدَلَ عن إثباتِ العلَّة عن الطريقِ النَّقليِّ وتعدَّى إلى الاستنباط حتَّى يسوِّغ لنفسه إلغاءَ وصفِ: «خَلفَ الصَّف» مِنْ خلالِ حصر الأوصاف»، فهذا تقوُّلٌ ظاهرٌ على الشيخِ ـ حفظه الله ـ ثمَّ ناقش تقوُّلَه المزعوم، إذ الشَّيخ ما تكلَّمَ عن العلَّة لا المُستنبَطة ولا المنصوصِ عليها على النَّحوِ الذي بيَّنَّاه في النُّقطةِ الأولى، إذ عمدتُهُ في الفتوى بالحكم الذي سَبَقه إليه الإمامُ أحمد وابنُ تيميَّة والألبانيُّ وغيرُهم هو التَّنصيصُ على مناطِ الحكمِ لا القياسُ؛ وعلى فرض التَّسليمِ بالتَّعليل والدِّلالةِ القياسيَّة فإنَّ التَّفرُّدَ في الصَّفِّ أو بعدَ الصَّفِّ أو قبله هو مِنَ الأوصاف المنصُوصِ عليها في الحديثِ لا المُستنبَطة، وهو الوصف اللَّائقُ لتعليلِ الحكمِ ـ دون ما سواه ـ على ما سبَقَ تحقيقُه مِنَ الشيخِ في «تهاوي الانقضاض».

هذا؛ وإِنْ كان أحَدٌ يُلامُ على العدول عن النَّصِّ لكان أَنسبَ بالمعترض، إذْ عدَلَ عن الاستدلال بالنصِّ إلى الاستدلال بالقياس كما سبَقَ بيانُه، وهذا لا شكَّ ولا ريبَ أنَّهُ عدولٌ عن الفاضلِ إلى المفضولِ وعن الأقوى دلالةً وترجيحًا ـ عند الاعتراضِ ـ إلى ما دونه، فتنبَّه! لا سيَّما مع الأدلَّةِ الكثيرةِ الآمرةِ بالتراصِّ والتسويةِ والاعتدالِ والإتمامِ وألَّا يُشرَع في صفٍّ حتَّى يُتِمُّوا الذي قبله، ومقاربةِ الصفوف والدُّنُوِّ مِنَ الإمام وسدِّ الفُرَج والنهيِ عن قطعِ الصفوف والصلاةِ بين السواري؛ فبِغَضِّ النظر عن صحَّةِ الصلاة وإجزائها فهي مُخالِفةٌ لهذه الأحاديثِ دون ضرورةٍ إلَّا ضرورة الوباء أو المرض المُعدي، فلو كانت مناقشتُه في تصحيحِ تلك الضرورةِ فقَدْ أَبطلَها عملُ الصحابةِ في الطاعون، وأمَّا تقريرُ الصحَّةِ والإجزاء في غيرِ ضرورةٍ فلو سلَّمْناها لم نَسْلَمْ مِنْ مخالفةِ أكثرِ النصوص المُشارِ إليها آنفًا؛ فهل يُقدِمُ العاقلُ على الفعل المنهيِّ عنه بحجَّةِ صِحَّتِه وإجزائه دون أَنْ يكون مُضطَرًّا؟!، وهو إِنْ كان مُضطرًّا إلى ما ليس في الأصل صحيحًا صحَّ منه عملُه كمَنْ عجَزَ عن الوضوء والتيمُّمِ لكونه مقيَّدًا: صحَّتْ صلاتُه بدونهما.

وزعم: أنَّ علَّةَ الحكمِ كونُه صلَّى فردًا خلفَ الصَّفِ، بدليل قوله: «أَعِدْ صَلَاتَكَ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لَفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، لأنَّ تعقِيبَ الحكمِ للوصفِ بالفاءِ يدلُّ على أنَّ الوصفَ علَّةٌ للحُكمِ، وعليهِ فيجبُ الوقوفُ عندَ الحديث والتَّقَيُّدُ بلفظِه، ولا يجوزُ تبدِيلهُ بألفاظِ غيرِ المعصُوم (ص ١٥٣).

الجواب:

ما ذكره المُعترِضُ في هذه الشُّبهةِ لا يُسلَّمُ له أنَّ الفاء جاءت للتَّعقيب، وأنَّ وصفَ «خلف الصَّفِّ» مُعتبَرٌ مِنْ جهةِ أنَّ صلاةَ الرَّجل وَحْدَه خلف الصَّفِّ ـ بغير عذرٍ ـ لا تصحُّ، ولكِنْ لا يَلزَمُ مِنْ ذلكَ حصرُ وقصرُ الحكمِ على هذا الوصف، فقَدْ ورَدَ مثلُ هذا في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ حيثُ جاءَ تعقيبُ الحكم للوصف بالفاء ولم يَفهَمْ منهُ ترجُمانُ القرآن رضي الله عنه تعليقَ الحكمِ بذلك الوصفِ دون ما سواه، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦[التوبة]، فبعدما ذكَرَ سبحانه وتعالى أنَّ منها أربعةً حُرُمًا قال: ﴿فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡ﴾، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في تفسيره لهذه الآية: «قالَ حمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن عليِّ بنِ زَيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهران، عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، في قولهِ: ﴿فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡ﴾ قال: في الشُّهورِ كُلِّهَا.

وقال عليُّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: قولُه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا﴾ الآية ﴿فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡ﴾ في كُلِّهنَّ، ثمَّ اختصَّ مِنْ ذلك أربعةَ أَشهُرٍ فجعلهنَّ حرَامًا، وعَظَّم حُرُماتِهنَّ، وجعَلَ الذَّنبَ فيهنَّ أعظمَ، والعملَ الصَّالحَ والأجرَ أعظمَ»(٨)، فإنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما لم يعتبر ذلك الحكمَ مختصًّا بذلك الوصف، ذلك لأنَّ اللهَ تعالَى قد يخصُّ أشياءَ بِذكرِ بعضِ أوصافِها ويُعلِّق الحكمَ بتلك الأوصاف، ولكنَّ ذلك التَّخصيصَ لا يكونُ مُوجِبًا للحكمِ فيمَا لم يُذكَر مِنَ الأوصافِ بخلافها(٩).

ويُعزِّزُ ما ذكَرْناه في هذا البابِ مِنْ عدمِ اعتبارِ وصفِ: «خلف الصَّفِّ»، ما نقله ابنُ هانئٍ النَّيسابوريُّ ـ رحمه الله ـ في مسائلهِ للإمام الأحمد ـ رحمه الله ـ حيث قال: «سألتُه عن الرَّجلِ يُصلِّي بالرَّجلِ الواحدِ فيقومُ المصَلَّى به على يسارِ الإمامِ، صلاتُه تامَّةٌ أو يُعيدُ الصَّلاةَ؟ قال أبو عبدِ الله: هذا بِمنزلةِ حديثِ وابصةَ بنِ مَعْبَدٍ، كأنَّه صلَّى خلفَ الصَّفِّ وَحْدَه، يُعيدُ الصَّلاة»(١٠)، فالإمام أحمدُ ـ رحمه الله ـ اعتبره مُنفرِدًا لأنَّه صلَّى على يسار الإمام، وحكَمَ على صلاتهِ بالبطلان بحديثِ وابصةَ بنِ مَعبَدٍ رضي الله عنه مع أنَّه انتفى فيه وصفُ: «خلف الصَّفِّ»، ولو كان هذا الوصفُ مُعتبَرًا ومُؤثِّرًا وكان مَدارُ الحكمِ عليه، لكانَ الإمامُ أحمدُ أوْلَى النَّاس بهذا الفهمِ واعتباره؛ وهذا الانفرادُ هو مَناطُ الحكمِ الَّذي استنبطَه أو حقَّقه الإمامُ أحمد ـ رحمه الله ـ حيث نقَلَ ابنُ القيِّمِ ـ رحمه الله ـ عنه أنَّه قال: «إذا صَلَّى بين الصَّفَّيْن وَحْدَه يُعيدُها، لأنَّه فَذٌّ وإِنْ كان بين الصَّفَّيْن»(١١) كما حكَمَ ابنُ تيميَّة ـ أيضًا ـ ببطلان صلاة الجماعة يكون كُلُّ واحدٍ منفردًا خلفَ صاحبِه مع أنه مُنفرِدٌ خلف مُنفرِدٍ لا مُنفرِدٌ خلف صفٍّ، وحكَمَ الألبانيُّ ببطلانِ صورةٍ كصورةِ هذا التباعدِ بحيث يكون المصلِّي وَحْدَه بعيدًا عن غيره في الصَّفِّ، وفرَّق بينها وبين ما إذا كانا رجلين مُتقاربَيْنِ فيما بينهما مُتباعدَيْن عن باقي الصَّفِّ الذي هما فيه فحكَمَ للمنفرد بالبطلان وحكَمَ للرَّجلين بصحَّة الصَّلاة مع الإثم، ولكِنْ لعلَّ المُعترِض أفقهُ مِنْ إمام السُّنَّةِ وحبرِ الأُمَّةِ أحمدَ بنِ حنبلٍ ومِنْ سائرِ هؤلاء العلماء!

مع الإشارة إلى أنَّ دَنْدَنَةَ المعترضِ على العِلَّة المركَّبة بدعوى عدمِ إهمال النصِّ لا يستقيم في المفاهيم إذا اقترنت بما يمنع اعتبارَها كما هو مقرَّرٌ في الأصول ويعلمه المعترضُ نفسُه ولا يمكنه جحدُه تأصيلًا ولا تمثيلًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِ[البقرة: ١٨٧]، وكذلك في قوله تعالى: ﴿لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗ[آل عمران: ١٣٠]، فهل يقول المعترض ـ ولا نظنُّه يكابر ويتعسَّفُ فيقول ما لا يعتقد فيهما لِنُصرةِ ما قرَّره ـ: هل يقول: إنه يجوز للمعتكف أَنْ يباشر النساءَ في غير المسجد، أو يجوزُ أكلُ الرِّبا إذا لم يكن أضعافًا مضاعفةً؟

وزعم: أنَّه قد تقرَّر في الأصول: أنَّ الوصف المستقِلَّ بنفسه [الانفراد] إذا قَيَّده وصفٌ غيرُ مُستقِلٍّ بنفسه [خلفَ الصَّفَّ] صار المُستقِلُّ بنفسه غيرَ مستقِلٍّ بنفسه، قال القرافيُّ في «الفروق» (١/ ١١٤): «قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ لغويَّةٌ وهو: أنَّ كُلَّ لفظٍ لا يستقِلُّ بنفسه إذَا لحق لفظًا مستقِلَّا بنفسه صارَ المُستقِلُّ بنفسِه غيرَ مُستقِلٍّ بِنَفسِه».

وبناءً عليه: لا ينبني الحكمُ على الانفراد وحده، بل لا بُدَّ مِنْ تقييدِه بوصفِ «خلف الصَّفِّ». (ص ١٨٢).

الجواب:

حاول المُعترِضُ في هذه الشُّبهةِ أَنْ يستدلَّ على تلازمِ الوصفين الواردين في الحديث وعدمِ انفكاكهما بالقاعدة اللُّغويَّةِ الَّتي ذكَرَها القرافيُّ في قوله: «أنَّ كُلَّ لفظٍ لا يستقلُّ بنفسه إذَا لحق لفظًا مستقِلًّا بنفسه صارَ المُستقِلُّ بنفسِه غيرَ مُستقِلٍّ بِنَفسِه»، وقد بيَّنَ القرافيُّ ـ رحمه الله ـ بعد التَّمثيلِ لهذه القاعدةِ أنَّ غيرَ المستقِلِّ بنفسه في لغةِ العرب بمجموعِ اثنَيْ عشر وهي: الشَّرط والغاية والاستثناء والصِّفة وظرف الزَّمان وظرف المكان والمجرور والمفعول معه والمفعول مِنْ أجله والحالُ والبدل والتَّمييز(١٢)؛ وهذه القاعدةُ صحيحةٌ ومعمولٌ بها في حدودِ ما إذا كانَ اللَّفظُ الذي لا يستقلُّ بنفسهِ أراده المتكلمُّ وظهَرَ منه قصدُ تقييدِ اللَّفظِ المُستقِلِّ به نحو قول الحالفِ: «لا آكل لحمًا أبيضَ» فإنَّه لا يحنَثُ بأكلهِ لِلُّحومِ الحمراء، إذ اللَّحم وصفٌ عامٌّ خُصِّصَ بوصفِ «الأبيض» وهو لفظٌ مُفرَدٌ لا يستقلُّ بنفسهِ فصارَ الأوَّل غيرَ مُستقِلٍّ بنفسهِ وصار المجموعُ لا يفيدُ إلَّا اللُّحومَ البيضاءَ، وغيرُها لم ينطِق بِها بطريقٍ مِنَ الطُّرُقِ فلا يحنث بها، إلَّا أنَّ هذه القاعدة ليست مُطَّرِدةً، والدَّليلُ على ذلك انخرامُها في بعضِ المواضع، وعمومُها ليس بالعموم المحفوظ، خاصَّةً إذَا وردت قرائنُ تدلُّ على عدمِ اعتبارِ ذلكَ اللَّفظِ غيرِ المستقِلِّ بنفسه، ومثالُ ذلكَ خروجُ ذلك الوصفِ مخرجَ الغالبِ الأعمِّ في مثلِ قوله تعالى: ﴿وَرَبَٰئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ[النِّساء: ٢٣]، فإنَّ لفظ: ﴿فِي حُجُورِكُمظرفُ زمانٍ لا يستقِلُّ بنفسه، وتعلَّق بالرَّبائب وهو لفظٌ مستقِلٌّ بنفسه، إلَّا أنَّ الجمهور قالوا: إنَّ كونَ الرَّبائبِ في الحجور إنَّما خرَجَ مَخرجَ الغالب، فلا يعني أنَّه إذا لم يكنَّ في الحجور لا يَحرُمْنَ، وما خرَجَ مَخرجَ الغالبِ لا مفهومَ له بالإجماعِ ولا يُخصَّص به، قال القرافيُّ في بيانِ ضابطه: «وإذَا خرَجَ مخرجَ الغالبِ لا يكونُ حجَّةً إجماعًا، وضابِطُه أَنْ يكونَ الوصفُ الذي وقعَ بِه التَّقيِيدُ غالبًا على تلكَ الحقِيقَة وموجودًا مَعها في أكثرِ صُوَرِها، فإذَا لم يكن موجودًا معهَا في أكثرِ صُوَرِهَا فهو المفهومُ الذي هو حجَّةٌ، وسرُّ الفرقِ بينَهُما أنَّ الوصفَ إذَا كانَ غالبًا على الحقيقةِ يصِيرُ بينَها وبينَه لُزومٌ في الذِّهنِ، فإذَا استحضَرَ المُتكلِّمُ الحقيقةَ ليَحكمَ عليهَا حضَر معَها ذلكَ الوَصفُ الغَالبُ لأنَّه مِنْ لوازمِها؛ فإذَا حضَر في ذهنِه نطق بِه»(١٣)، ولا يخفى في مسألتِنا أنَّ غالبَ التَّفرُّدِ إنَّما يقع خلف الصُّفوفِ لا في أثنائها أو قبلها، بل أوَّلُ ما يتبادرُ إلى الذِّهنِ عند ذِكرِ الانفراد في صلاةِ الجماعة هو الانفرادُ خلف الصَّفِّ.

وزعم: أنَّ العِلَّةَ المنصوصةَ توجب الإلحاقَ بطريق القياس؛ كما هو مذهبُ جماهير أهل العلم، وإلحاقها بطريق اللَّفظ والعمومِ هو مذهبُ النَّظَّام المعتزليِّ. كما زعم ـ أيضًا ـ: أنَّ هذا يُعتبَر مِنَ التَّخيُّر بين الأقوال؛ فالمعترِضُ [يقصد: الشيخ] لا ينفي القياس؛ لكنَّه لمَّا جاء إلى مسألة الصَّلاة بالتباعد زمنَ الوباء؛ سلَكَ مسلكَ النظَّام المعتزليِّ في نَفْي القياس، والإلحاقِ بطريق اللَّفظ والعموم! (ص ٢٩ ـ ٣٧).

الجواب:

واصلَ المُعترِضُ تفريعاتِهِ الفارغةَ المَبنيَّةَ على مقدِّمتهِ الفاسدة والَّتي هي: التَّعويل على الدِّلالة القياسيَّة والعدولُ بها عن أخذ الحكمِ مِنَ النَّصِّ العامِّ الوارد في حديثِ عليِّ بنِ شيبانَ رضي الله عنه، وحمَل النَّصَّ على أنَّهُ علَّةٌ منصوصٌ عليها، وهذا قد سبَقَ الجوابُ عليه في موضعه، والذي حمَلَه على هذا القولِ ـ فيما يظهر مِنْ أقواله واستقراءِ كتاباته ـ أمرانِ:

ـ الأوَّل: قلَّةُ علمِ المُعترِضِ بكيفيَّة التَّعاملِ مع النَّوازل الفِقهيَّة وطريقةِ الإفتاء فيها، ولا غرابةَ في ذلك إذ هو بعيدٌ عن رُتبةِ الاجتهاد بلا خلافٍ بين مَنْ يعرفه مِنْ أهل العلمِ والدِّيانة إلَّا مَنْ جازف في تزكِيَتِه أو تَسامحَ فيها، وهاهي مسيرتُه الدَّعويَّةُ تشهد له بذلك، إذ لا يُعرَف له اجتهادٌ مُعتبَرٌ في مسألةٍ مِنَ المسائلِ أو نازلةٍ مِنَ النَّوازلِ حرَّره بِلُغةِ العلمِ والدَّليل واتَّبَع في ذلك المنهجيَّةَ المسطَّرةَ في البحوث العلميَّة، إلَّا في مسألة التَّباعدِ حيث كان في بدايةِ المسألةِ مُقلِّدًا ثمَّ صار متَّبِعًا والآنَ أَصبحَ مجتهدًا ـ زعموا ـ بعدما فات وقتُ النَّازلة وزال ظرفُها!

ـ الثَّاني: غفلةُ المُعترِضِ عن علاقةِ النَّوازل بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ وهذا فرعٌ لازمٌ مِنَ الأمر الأوَّل؛ إِذْ ـ في نظر المعترض ـ إنَّه بعد زمنِ النُّبوَّةِ والتَّنزيل كُلُّ الأحكامِ المستجِدَّة على المسائل الحادثةِ لا تُؤخذُ إلَّا عن طريق القياسِ ولا مجالَ للنَّصِّ فيها، ولهذا تجده تَجاهلَ النَّصَّ العامَّ مع وضوحِ دلالته على الحكمِ وتكلَّفَ لنفسهِ القياسَ والعلَّةَ المركَّبةَ ـ بزعمه ـ، ولهذا راحَ يتَّهِمُ الشيخَ بمَسلك النَّظَّام المعتزليِّ المُنكِرِ للقياسِ ومَنْ وافقه على ذلك ـ عامله الله بعدله ـ؛ وجوابًا على هذا نقولُ وباللهِ التَّوفيقُ:

·  إنَّ النَّوازل هي: «الوقائع والمسائل المُستجِدَّة والحادثة الَّتي لم يَرِدْ فيها نصٌّ ولا سبَقَ فيها اجتهادٌ»(١٤)، والتي تحتاج إلى نظرِ المجتهدين فيها والإفتاءِ في حُكمها، والمرادُ بالنَّصِّ في التَّعريف إنَّما هو النَّصُّ الخاصُّ، إِذْ «ليسَ مِنْ شرطِ النَّازلةِ خُلُوُّها تمامًا مِنْ نُصُوصِ الكتابِ والسُّنَّة؛ بيانُ ذلكَ أنَّ المسألةَ النَّازلةَ إذَا وَقعَتْ، فإنَّ النَّصَّ الشَّرعيَّ ربَّما يدلُّ على حُكمها دلالةً واضحةً؛ إمَّا بعمومِه أو مفهومه أو مَعْقُولِه.

ومِنَ الأمثلةِ على ذلك: الحكمُ على الحيوانِ إذا زُهِقَتْ روحُه بالصَّعْقِ الكَهربائيِّ قَبل ذبحِه ونحرِه بأنَّه ميتَةٌ يَحْرُم أكلُه؛ لدخول ذلك تحتَ عُمومِ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ[المائدة: ٣].

بل قَد يدلُّ النَّصُّ على وقوعِ نَازلةٍ مِنَ النَّوازِلِ؛ كخلافةِ أبِي بكرٍ رضي الله عنه وأشرَاطِ السَّاعةِ، ودَلائلِ النُّبوةِ.

وقَضيَّةُ إرجاعِ النَّوازلِ إلى النُّصوصِ، ينبغي أَنْ نُوسِّعَ دائرةَ النَّصِّ، فالنَّصُّ قد يستفادُ الحكمُ مِنْ عمومِهِ، وأحيانًا مِنْ إشارتِه، وأحيانًا مِنَ الإلحاق، وهي ما تُسمَّى: دلالةَ المعقول»(١٥)، بل قالَ الشَّافعيُّ ـ رحمه الله ـ: «فَليسَتْ تَنزِلُ بأحَدٍ مِنْ أهلِ دِين اللهِ نازلةٌ إلَّا وفي كتابِ الله الدَّليلُ على سبِيل الهُدَى فيها»(١٦).

·  أمَّا عن اتِّهام الشَّيخ ـ حفظه الله ـ باتِّباعه لمِسَلكِ النَّظَّام المعتزليِّ الذي يردُّ القياسَ ويقول بالإلحاق عن طريق اللَّفظ لا القياس، فقد كفانا المعترضُ الرَّدَّ عليها بنفسه، حيث نقل عن الإمام الغزَّاليِّ ـ رحمه الله ـ قولَه: «إنَّ نُفاةَ القياسِ ثلاثُ فِرَقٍ، وهذا لا يَستقيمُ مِنْ فريقينِ، وإنَّما يستقيمُ مِنَ الفريق الثَّالثِ، إذ مِنهُم مَنْ قالَ: التَّنصيصُ على العِلَّة كذِكرِ اللَّفظِ العامِّ، فإنَّهُ لا فَرْقَ بَيْن قوله: «حرَّمْتُ الخمرَ لشِدَّتِها»، وبين قوله: «حرَّمْتُ كُلَّ مُشتدٍّ»، في أنَّ كُلَّ واحدٍ يُوجبُ تحريمَ النَّبِيذِ لكِنْ بِطريق اللَّفظِ لَا بطريقِ القياسِ، بل فائدةُ قولِه: «لِشِدَّتها» إقامَةُ الشِّدَّةِ مَقامَ الاسمِ العامِّ، فقَدْ أَقرَّ هذا القائِلُ بالإلحاقِ، إنَّما أَنكرَ تسمِيَتَه قِياسًا»(١٧)، وهذا الكلامُ ـ في حقيقةِ الأمرِ ـ إنَّما هو دليلٌ على المعترض لا له، حيث إنَّ الغزَّاليَّ ـ رحمه الله ـ ذمَّ الفريقَ الثَّالثَ الذينَ يُنزلونَ التَّنصيص على العلَّةِ منزلة اللَّفظِ العامِّ، لينتقلوا مِنَ الدِّلالة القياسيَّةِ إلى الدِّلالةِ اللَّفظيَّة لأنَّهم ينفونَ القياسَ ولا يعدُّونه مِنَ الأدلَّةِ الشَّرعيَّة، ولا يخفى عليك أخي القارئ توجُّهُ هذا الذَّمِّ إلى مَنْ حمَلَ التَّنصيصَ على العلَّة وقال: إنَّها لفظٌ عامٌّ لا العكس، ومفهوم ذلك: أنَّه إذا ورَدَ لفظٌ عامٌّ ينُصُّ على الحكم الشرعيِّ فإنَّه يُترَكُ على عمومه وعلى ذلك حديثُ عليِّ بنِ شيبانَ رضي الله عنه: «فإِنَّهُ لا صلاةَ لفردٍ خَلفَ الصَّفِّ» وهذا ما فعَلَه الشيخُ ـ حفظه الله ـ فما أَنزلَ هذا مكانةَ ذاك ولا ذاك مكانةَ هذا.

ويجدر التَّنبيه إلى أنَّ نُفاةَ القياسِ ـ بغضِّ الطَّرف عن سوء صنيعهم وقبيحِ فعلهم ـ إلَّا أنَّ قصدهم مِنْ وراءِ ذلك تقويَةُ الحُجَّةِ بالانتقال مِنَ القياس إلى نصِّ الوحيينِ، وأمَّا المعترضُ فعمَدَ إلى اللَّفظِ العامِّ وأنزله منزلةَ التَّنصيص على العلَّة ليُضعِف بذلك دلالةَ النَّص وحُجِّيَّتَه طمعًا بعد ذلكَ في النَّيل مِنْ فتوى الشيخِ ـ حفظه الله ـ، والحطِّ مِنْ شأنها وقيمتها العلميَّة فتأمَّل!

   ثالثًا: خاتمة:

إنَّ اختيارَ هذا الظَّرفِ الزَّمنيِّ لإخراجِ كتابةٍ مُتعلِّقةٍ بحكم مسألةِ التَّباعد في الصَّلاة، وقد أَصبحَ النَّاسُ في غنًى عنها، وكتمانَ الحكمِ حين كان المُكلَّفون محتاجين إليها في وقتها له عِدَّةُ تفسيراتٍ منها:

١ ـ الكتابةُ مِنْ أجلِ أَنْ يُقال: إنَّ لفلان ردًّا على الشَّيخ، فيُستعمَل رَدُّه الهزيلُ سلاحًا يُشهَر في وجهِ كُلِّ مَنْ يقف على أخطائه العلميَّةِ وضحالةِ المستوى الذي كان مخفيًّا عن الطَّلبة بُرهةً مِنَ الزَّمن غيرَ يسيرةٍ.

٢ ـ محاولةٌ بائسةٌ لصرفِ أنظار القُرَّاء والمتابعين عن جوهر الخلاف الواقع في السَّاحة الدَّعوية، وكَرَّةٌ فاشلةٌ للتَّغطية على ما بات متواترًا ومكشوفًا للجميع مِنَ الانحرافات المنهجيَّة والانزلاقات الخطيرة في المسيرة الدعويَّة، حيث يتمُّ إشغالُهُم بمسألةٍ فرعيَّةٍ فات وقتُها ومضى زمانُها.

٣ ـ تنويمُ الذين لازالوا في غفلةٍ عن حقيقة القوم، وإعطاؤهم جرعةً تخديريةً مِنْ شأنها أَنْ تُطيل نومَهم وسكرتَهم عن الوجه العلميِّ الحقيقيِّ والمعدن المُزيَّف للكاتب، فيملؤون مواقعَ التواصل الاجتماعيِّ والقنواتِ المستأجَرةَ بالإطراء والمدح المبالَغِ فيه إلى حدِّ أَنْ تزهوَ نفسُ الكاتبِ بالألقاب المزيَّفة ﻛ: «شيخ الإسلام» و«العلَّامة» و«المجاهد» و«الأصوليِّ».

هذا، وجديرٌ بالتنبيه: أنَّ تعرُّضَ الكاتبِ لمسألةٍ تُعَدُّ نازلةً تهمُّ المسلمين قاطبةً في ركنٍ هو أعظمُ أركان الإسلام العمليَّة، لم يَسبق وأَنْ نزَلَ بالمسلمين مثلُها ولم يَتعرَّضِ الفقهاءُ لعَينِ حُكمها في مؤلَّفاتِهم ومصنَّفاتهم يُوحي أنَّ الكاتبَ قد تبوَّأ مَنصِبَ مَنْ عُهِد إليه شرعًا بيانُ الحكم الشرعيِّ لها، وأنَّه مِنْ جملةِ مَنْ يَلحقه اللَّومُ والحَرَجُ عندَ تركِ التَّعرُّضِ لها فقهًا وحكمًا، وإنَّ هذا لَهُوَ مغالطةٌ مكشوفةٌ وتصدُّرٌ لمنصبٍ عِلميٍّ لم يَنَلْه إلَّا بسببٍ يمنع مِنَ الوصول إليه، إذ المعلومُ لدى العامَّة والخاصَّة أنَّ التَّأهُّل للفتوى لا يناله المرءُ بتزكيات المُغرَّر بهم الذين لا يفرِّقون بين مراتب المُنتسِبين إلى العلم ويحسبون كُلَّ تسويدٍ وتطويلٍ كتابةً عِلميَّةً رصينةً تدلُّ على التَّأصيلِ والقُوَّةِ العلميَّة.

فليس المفتي مَنْ يُنصِّبُهُ العوامُّ والجُهَّال، وإنَّما المفتي مَنْ يَشهد له أهلُ العلمِ الأَكْفاءُ بقُدرته على الفتوى، ذلك لأنَّ مَنصِبَ الفتوى أمرُها عند الله عظيمٌ، اعتنى العلماءُ بالتَّصنيف في شروطها وآدابها وصِفَاتِ أهلِها، وفوارقِها مع غيرها، ومِنْ جُملة الفوارق بينها وبين منصب العالِم: أنَّه يُشترَط في المفتي العدالةُ لِيَستأمِنَه المستفتون على دِينهم، قال ابنُ القيم ـ رحمه الله ـ: «ولَمَّا كان التَّبليغ عن الله سبحانه يعتمد العِلمَ بما يبلِّغ والصِّدقَ فيه، لم تصلح مرتبةُ التَّبليغ بالرِّواية والفُتيا إلَّا لِمَنِ اتَّصفَ بالعِلم والصِّدق؛ فيكون عالِمًا بما يُبلِّغ صادقًا فيه، ويكون مع ذلك حَسَنَ الطَّريقة، مَرْضيَّ السِّيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابهَ السِّرِّ والعلانِيَةِ في مَدخله ومخرجِهِ وأحوالِهِ؛ وإذا كان مَنصِبُ التَّوقيع عن الملوك بالمَحلِّ الذي لَا يُنْكَرُ فَضْلُهُ وَلَا يُجْهَلُ قَدْرُهُ، وهو مِنْ أعلى المَراتب السَّنِيَّاتِ، فكيف بمنصب التَّوقيع عن ربِّ الأرض والسَّموات؟!»(١٨).

فمَنْ لم يستطع حِفظَ مالٍ وكَبْحَ شهوةِ ثروةٍ فأنَّى له أَنْ يضبط قَلمَهُ العِلميَّ أمامَ شهوةِ الهوى والانتصارِ للنَّفس والانتقامِ مِنَ النَّاصحين المُشفِقين عليه وعلى المخدوعين به.

وحقيقةُ الأمرِ التي تجلو الوجهَ الحقيقيَّ للخلاف أنَّ الكاتب مِنْ جملةِ الذين شغلوا العلمَ وأهلَه بالتَّعقيب عليهم، وصرفُوا جهودَهم وأوقاتَهم الثَّمينةَ إلى إبطالِ مزاعمهم، ورَحِمَ اللهُ ابنَ القيِّم إذ قال: «وقد أقامَ الله سبحانه لِكُلِّ عالمٍ ورئيسٍ وفاضلٍ مَنْ يُظهِر مماثلتَهُ، ويرى الجهَّالُ ـ وهم الأكثرون ـ مساجلتَه ومشاكلتَه، وأنَّه يجري معه في الميدانِ، وأنَّهما عند المسابقة كفَرَسَيْ رِهانٍ، ولا سيَّما إذا طَوَّل الأردانَ وأَرْخَى الذَّوائبَ الطَّويلةَ وراءَهُ كذَنَبِ الأتانِ، وهدر باللِّسان، وخلا له الميدانُ الطَّويلُ مِنَ الفرسانِ ...

وهذا الضَّربُ إنَّما يُستفتَوْن بالشَّكل لا بالفضلِ، وبالمناصبِ لا بالأهليَّةِ، قد غرَّهم عكوفُ مَنْ لا عِلمَ عندَه عليهم، ومسارعةُ أجهلَ منهم إليهم، تعجُّ منهم الحقوقُ إلى الله تعالى عجيجًا، وتضجُّ منهم الأحكامُ إلى مَنْ أَنزلَهَا ضجيجًا، فمَنْ أَقدمَ بالجرأة على ما ليس له مِنْ فُتيَا أو قضاءٍ أو تدريسٍ استحقَ اسْمَ الذَّمِّ، ولم يَحِلَّ قَبولُ فُتياهُ ولا قضائِه، هذا حُكمُ دِينِ الإسلام.

وإِنْ رَغِمَتْ أنوفٌ مِنْ أُناسٍ    فقُلْ: يا ربِّ لا تُرغِمْ سِواهَا»(١٩).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

إدارة الموقع
الجزائر في: ٢٣ ربيع الأوَّل ١٤٤٤هـ
الموافق ﻟ: ١٩ أكتوبر ٢٠٢٢م



(١) «درء تعارض العقل والنقل» (٩/ ٢٠٧).

(٢) انظر: «التعالم» لبكر أبو زيد (٥٨).

(٣) «البداية والنهاية» (١٧/ ٢٢٤).

(٤) «آداب البحث والمناظرة» (٩٣).

(٥) «تفسير سورة آل عمران» (١/ ٤٧).

(٦) أخرجه أحمد (١٦٢٩٧) مِنْ حديثِ عليِّ بنِ شَيْبانَ اليماميِّ الحنفيِّ السُّحَيْميِّ رضي الله عنه، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٢/ ٣٢٩) عند الحديث رقم: (٥٤١) وهو حديثُ وابصةَ رضي الله عنه اللَّاحق.

(٧) أخرجه أحمد (١٨٠٠٥، ١٨٠٠٧)، والطبرانيُّ في «المُعجَم الكبير» (٢٢/ ١٤٠)، وغيرُهما؛ قال عبد الله بنُ أحمد: «وكان أبي يقول بهذا الحديث»، وصحَّحه محقِّقو طبعةِ الرسالة مِنْ «مسند أحمد»، واستشهد به الألبانيُّ في بعضِ أجوبته.

(٨) «تفسير ابنِ كثير» (٤/ ١٤٨).

(٩) انظر: «الفصول في الأصول» للجصَّاص (١/ ٢٩٦)، «الواضح في الأصول» للظفري (٣/ ٢٨١)، «الإحكام» للآمديِّ (٣/ ٨٦).

(١٠) «مسائل الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل» بروايةِ ابنِ هانئٍ (١١٦)؛ بل لا تصحُّ صلاة المنفردِ خلف الإمامِ ـ على الصَّحيح ـ حيث قال البُهوتيُّ ـ رحمه الله ـ: «ولا تصحُّ صلاةُ الفذِّ ـ أي: الفردِ ـ خَلْفَهُ ـ أي: خلفَ الإمامِ ـ أو خلفَ الصَّفِّ إِنْ صلَّى ركعةً فأَكثرَ عامدًا أو ناسيًا، عالمًا أو جاهلًا؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» ... إلَّا أَنْ يكونَ الفذُّ خَلفَ الإمامِ أو الصَّفِّ: امرأةً خلفَ رجلٍ، فَتصِحُّ صَلاتُهَا لحديثِ أنسٍ رضي الله عنه» [«الروض المُربِع شرح زاد المستقنع» (١٣٦) بتصرُّف].

(١١) انظر: «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٣/ ٨٧).

(١٢) انظر: «الفروق» للقرافي (١/ ١١٥).

(١٣) المصدر نفسه (٢/ ٣٨).

(١٤) انظر: «فقه النوازل» لبكر أبي زيدٍ (١/ ٩).

(١٥) «منهجُ السَّلفِ في التَّعاملِ مع النَّوازِلِ» لمحمد بن حسين الجيزاني (٣١).

(١٦) «الرِّسالة» للإمام الشافعي (٢٠).

(١٧) «المستصفى» للغزَّالي (٢/ ٢٨٠).

(١٨) «إعلام الموقِّعين» (١/ ٨).

(١٩) المصدر السابق (٤/ ٢٠٨).