Skip to Content
الإثنين 17 المحرم 1444 هـ الموافق لـ 15 أغسطس 2022 م

ردود وتعقيبات رقم: ٩

جواب إدارة الموقع البليغ
على منتقد فتوى الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ
 حفظه الله ـ في جماعة التبليغ

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِنْ شرورِ أَنْفُسِنا وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أَنْ لا إله إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أمَّا بعد:

فقَدْ تلقَّتْ إدارةُ الموقع مُراسَلةً مِنْ بعض الإخوة ينتقد فيها ما كَتَبه فضيلةُ الشيخ: أبو عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ بعنوان: «في حكم جماعة التبليغ ودعوتها»(١).

وهذا نصُّ الفتوى:

السؤال:

ما حكمُ جماعةِ الدعوةِ والتبليغِ في البلدان الإسلامية والبلدان الكافرة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

جماعةُ التبليغ أُسِّسَتْ على رُؤْيَا رآها شيخُهم محمَّد إلياس، وزَعَم أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّفه بهذه المَهَمَّةِ في المَنام، وهذه الجماعةُ تقوم على الأصول الستَّة، وهي مبنيَّةٌ على كلمةِ السرِّ، وهي: أنَّ كُلَّ شيءٍ يُسبِّب النُّفرةَ أو الفُرْقَةَ أو الاختلافَ بين اثنين ـ ولو كان حقًّا ـ فهو مبتورٌ ومقطوعٌ ومُلْغًى مِنْ منهج الجماعة.

وهذه الجماعةُ مُبايِنَةٌ للحقِّ، صوفيةُ المنهج والمَشْرَب، لها العديدُ مِنَ الأخطاء.

للمزيد مِنَ الاطِّلاع يمكن مراجَعةُ كتابِ: «القول البليغ في التحذير مِنْ جماعة التبليغ» للشيخ حمُّود بن عبد الله التويجري ـ رحمه الله ـ، وغيرِه ممَّنْ عُنِيَ بالبحث في الفِرَق الإسلامية المُعاصِرة.

واللهَ أسألُ أَنْ يبصِّرَنا بالحقِّ ويَهْدِيَنا سبيلَ الرشاد.

وهذا نصُّ الانتقاد:

«شدَّني فتوَى قرأتُها مِنَ الموقع، وتقتضي التبديعَ ـ أو «التصويف» إِنْ صحَّ التعبيرُ ـ لجماعة التبليغ، والحاصلُ في القول أنَّ الذي ليس له علمٌ دقيقٌ بهذه الجماعةِ لا يسوغ له أَنْ يتكلَّم بما سَمِعه مِنَ الذين لا عِلْمَ لهم أو الذين يتوهَّمون أنهم يعرفون شيئًا، أو بناءً على ما ظَهَرَ له مِنْ بعض المنتسِبين لهذه الحركة، وأطلب مِنَ الشيخ ـ حفظه الله ـ والقائمين على هذا الموقع ـ بارَك الله فيهم أجمعين ـ أَنْ يتحرَّوْا دقَّةَ الصوابِ في كلامهم حول هذه الحركةِ، أو الاتِّصالَ بمَنْ هو أهلٌ أَنْ يُمِدَّهم بما يُعرِّفهم بأحوال هذه الحركة؛ فالاتِّهامُ بالصوفية وأنه رُؤْيَا وما شابَهَ ذلك مِنَ الافتراءات يجب إعادةُ النظر فيه».

جواب الإدارة:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلقَدْ ساء إدارةَ الموقع ما جاء في انتقاد المعترِضِ على فتوَى شيخِنا أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ ليس ذلك فيما يتعلَّق بتبديع الشيخ لجماعة التبليغ ووصفِهم بالتصوُّف؛ فإنَّ كُلَّ واحدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قوله ويُرَدُّ إلَّا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما الذي ساءَنا هو لمزُ المنتقِدِ الشيخَ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ بأنه تَكلَّمَ في هذه الجماعةِ بغير علمٍ واطِّلاعٍ على حقيقةِ أمرِها، وإنما تَكلَّم فيها بما سَمِعه مِنَ الذين لا عِلْمَ لهم كما ذَكَره؛ فعملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَى[الأنعام: ١٥٢]، نقول بدون تحيُّزٍ ولا تعصُّبٍ: إنَّ المتتبِّع لكُتُبِ الشيخ أبي عبد المعزِّ ـ حفظه الله ـ وفتاويه بعين الإنصاف يُدْرِك أنَّ الشيخ مِنْ أشَدِّ الناسِ تحرِّيًا للدقَّة والصواب، كيف لا وهو يعلم أنه في مَنْصِبٍ خطيرٍ جدًّا، وأنَّ اللهَ سائِلُه ـ يومَ يقف بين يديه ـ عن كُلِّ ما يصدر منه، إمَّا قولًا أو كتابةً؟! ويعلم ـ أيضًا ـ أنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡ‍ُٔولٗا ٣٦[الإسراء]، فمثلُ هذه الافتراءاتِ قد أَلِفها شيخُنا ـ حفظه الله ـ ولا ولن تَثْنيَ ـ بإذن الله ـ مِنْ عزيمته، ولن تُوقِفَه عمَّا نَذَرَ نَفْسَه له في سبيل الدعوة إلى الله على منهج السلف الصالح.

وبخصوص الجواب عن الاعتراض فسيكون مِنْ جهتين:

الجهة الأولى: إلقاء الضوء على هذه الجماعةِ بما تَيسَّرَ مِنْ حيث تاريخُ نشأتها وأصولُهَا ودعوتُها وأهدافُها؛ حتَّى يستبين أمرُها حقًّا كان أم باطلًا؛ ليسهل الحكمُ عليها على وجه الإنصاف؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَ‍َٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨[المائدة].

والثانية: بيان أقوال أهل العلم في هذه الجماعة ردًّا على مَنْ ينشر ويُروِّج تزكيتَهم لها، وأنَّ الشيخ أبا عبد المعزِّ ـ حفظه الله ـ لم يأتِ ببِدْعٍ مِنْ القول في فتواه المُبيِّنة لمخالَفاتِ جماعة التبليغ.

وعليه نوضِّح: أنَّ جماعة الدعوة والتبليغ ليسَتْ وليدةَ اليوم، وإنما ظهرَتْ في أوساط أُمَّتنا منذ ما يُقارِبُ مائةَ عامٍ هجريٍّ، أسَّسها محمَّد إلياس الكاندهلوي المولود سنة: (١٣٠٣ﻫ)، والمتوفَّى سنة: (١٣٦٤ﻫ)، وكان ينتمي إلى المدرسة الديوبندية(٢)، التي كانَتْ تقوم بتدريسِ مذهب الأحناف، أخَذَ إلياسُ البيعةَ الصوفية على يدِ شيخه أحمد الكنكوهي، وبعد وفاته أخَذ البيعةَ على يد شيخه أحمد السهارنفوري، وهذا الأخيرُ أجازَهُ على مبايَعةِ غيرِه على المنهج الصوفيِّ، وقد كان محمَّد إلياس يجلس في الخلوة للتعبُّد عند قبر نور محمَّد البدايوني، وعند قبر قدوس الكنكوهي(٣) الذي كان يدعم فكرةَ وحدة الوجود ويُناصِرُها.

وللعلم فإنَّ هذا الرجلَ مدفونٌ هو وابنُه محمَّد يوسف وغيرُهما مِنْ رجال الجماعة وشيوخِ التصوُّف في المَقَرِّ الرئيس للجماعة في دلهي، وهذا المَقَرُّ هو المسجد الرئيس لهم، فيقوم المصلُّون بالصلاة إلى القبور عندهم تبرُّكًا بهم، مع منافاة صنيعهم لكمال التوحيد.

وأمَّا أصول جماعة التبليغ التي تنبني عليها عقيدتُهم، فهي بمَثابةِ المنهج الحياتيِّ للجماعة، والخطِّ الذي عليه تسير، وهي ـ للناظر لأوَّلِ وهلةٍ ـ جميلةُ المبنى طيِّبةُ المعنى، ولكنَّ المُستبصِرَ بحقيقة تفسيرهم لكلمة التوحيد والأصولِ التي بنَوْا عليها معتقَدَهم يلمس فرقًا واسعًا وبَوْنًا شاسعًا مع تفسير أهل السُّنَّة والجماعة لها.

ومِنْ أصول جماعة التبليغ ما يلي:

الأصل الأوَّل: الكلمة الطيِّبة: «لا إله إلَّا الله»: التي يفسِّرها التبليغيون بأنه لا خالِقَ ولا رازق ولا مُدبِّر إلَّا الله، وفي هذا قصورٌ بلا شكٍّ؛ إذ إنهم حملوا معناها على توحيد الربوبية ـ وَحْدَه ـ دون توحيد الألوهية والعبادة، ولو كان هذا صحيحًا لَكان مشركو قريشٍ مِنْ عموم المؤمنين، وعصموا دماءَهم وأموالهم وصاروا بذلك موحِّدين.

الأصل الثاني: الصلاة ذات الخشوع والخضوع: ويعنون به: صِفةَ الصلاة ـ على ما تُفْصِح به كُتُبُهم ـ: أنَّ الصلاة لا يتمُّ الخشوعُ فيها على وجه الكمال ولا يتحقَّق الخضوعُ فيها إلَّا عند قبرٍ مِنْ قبور الصالحين؛ فقَدْ نَقَلَ محمَّد أسلم الباكستاني عن مؤسِّس هذه الحركة محمَّد إلياس أنه كان يصلِّي بالناس عند قبر نور البدايوني.

الأصل الثالث: العلم مع الذِّكْر: والقوم يقسِّمون العلم إلى: علمِ مسائل، وعلمِ فضائل.

فعلمُ المسائل هو: العلم بالأدلَّة الشرعية وبمذاهب العلماء ومآخِذِ الاستدلال؛ فإنهم ينفِّرون منه ويُسَمُّون ذلك: جدلًا وشغبًا وخصامًا، ويُسمُّونها ـ أيضًا ـ: القيلَ والقال المنهيَّ عنه المبطِّئ عن العمل، ويزعمون أنَّ عِلْمَ إبليس ـ عليه اللعنةُ ـ كان مِنْ هذا القبيل(٤).

وعلمُ الفضائل هو: علمُهم المشتمِلُ على فضائل الأعمال كالخروج للدعوة والتبليغ، مع تفضيلهم له على علمِ المسائل، الذي يَعُدُّون الاشتغالَ به تضييعًا للوقت ولا طائِلَ تحته ـ زعموا ـ(٥).

الأصل الرابع: إكرام المسلمين: ويَعْنون به تخصيصَ إكرام المسلمين بمَنْ تَبِعهم في الخروج والسياحة وغيرِهما مِنَ الأصول، ومَنْ تَنزَّهَ عن ذلك مِنَ المسلمين أبغضوه أشَدَّ البغض(٦).

الأصل الخامس: تصحيح النيَّة وإخلاصُها: فهُمْ لا يرَوْن تحقيقَ هذه الصفةِ في الخَلْق إلَّا عن طريق التصوُّف مع التشفُّع والاستمداد مِنْ أهل القبور، قال الشيخ التويجري ـ رحمه الله ـ: «وإذا كانَتِ الأعمالُ تابعةً للنيَّات فإنَّ الشركَ بالله والمرابَطةَ على القبور لانتظار الكشف والكرامات والفيوض الروحية مِنْ أهل القبور لا تكون النيَّةُ فيه صالحةً وخالصةً لوجه الله، وإنما تكون خالصةً لمَنْ تعلَّقَتِ القلوبُ بهم مِنَ الموتى وغيرِهم في رجاء جَلْبِ النفع أو دفعِ الضرِّ، وهكذا سائرُ الأقوالِ والأعمال الفاسدة عند التبليغيين؛ فإنها تابعةٌ لفساد النيَّات عندهم»(٧).

الأصل السادس: الخروج في سبيل الله: وهو أحَدُ أخطرِ الأصول الملبَّسة على الناس بِشُبهٍ مِنَ الكتاب على مشروعية الخروج ـ يحسبونها أَدِلَّةً ـ حتَّى صدَّقهم الناسُ وانتشر الخروجُ بينهم، مثل قوله تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ[آل عمران: ١١٠]، وقولِه تعالى  ـ أيضًا ـ: ﴿وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦[التوبة]، وغيرها مِنَ الآيات، ففَهِمَ التبليغيون مِنَ الآية الأولى أنَّ الله وَهَبَ هذه الأُمَّةَ الخيريةَ بسبب الفعل: ﴿أُخۡرِجَتۡ﴾ حيث يفسِّرونه بمعنى الخروج، وهو تفسيرٌ مُبايِنٌ لفهمِ السلف الصالح، وفي هذه الآيةِ يقول الحافظ ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: «يخبر تعالى عن هذه الأمَّة المحمَّدية بأنهم خيرُ الأُمَم فقال: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ[آل عمران: ١١٠]. قال البخاريُّ: حدَّثنا محمَّد بنُ يوسف، عن سفيان، عن مَيْسَرة، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ﴾قال: «خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلَامِ»(٨)، وهكذا قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وعطيَّةُ العوفيُّ وعكرمةُ وعطاءٌ والربيع بنُ أنسٍ: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ﴾ يعني: خيرَ الناسِ للناس، والمعنى: أنهم خيرُ الأُمَمِ وأنفعُ الناسِ للناس؛ ولهذا قال: ﴿تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ[آل عمران: ١١٠]»(٩). قال العلَّامة السعديُّ ـ رحمه الله ـ: «هذا تفضيلٌ مِنَ الله لهذه الأُمَّةِ بهذه الأسبابِ التي تَميَّزوا بها، وفاقوا بها سائِرَ الأمم، وأنهم خيرُ الناسِ للناس نصحًا ومحبَّةً للخير، ودعوةً وتعليمًا وإرشادًا، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المُنْكَر، وجمعًا بين تكميل الخَلْق والسعيِ في مَنافِعِهم بحسَبِ الإمكان وبين تكميل النفس بالإيمان بالله والقيام بحقوق الإيمان...»(١٠)، فاجتمعَتِ التفاسيرُ على شيءٍ مشترَكٍ في المعنى، وهو أنَّ خيريةَ هذه الأمَّةِ تكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المُنْكَر والإيمانِ بالله عزَّ وجلَّ؛ فمَنِ اتَّصف بهذه الصفاتِ دَخَلَ في هذا المدحِ والثناء القرآنيِّ، ومَنْ لم يَتَّصِفْ بذلك أَشْبَهَ أهلَ الكتابِ الذين ذَمَّهم اللهُ بقوله: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩[المائدة]؛ ولهذا لمَّا مَدَحَ اللهُ تعالى هذه الأمَّةَ على هذه الصفاتِ شَرَعَ في ذمِّ أهل الكتاب وتأنيبهم فقال: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠[آل عمران: ١١٠]، أي: قليلٌ منهم مَنْ يؤمن بالله وما أُنْزِلَ إليكم وما أُنْزِلَ إليهم، وأكثرُهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان، ومعلومٌ أنَّ جماعة التبليغ تتحاشى القيامَ بهذا الأصلِ العظيم وهو النهيُ عن المُنْكَرِ باعترافهم، بحجَّةِ أنه ينفِّر الناسَ عن دعوتهم؛ إذ إنَّ هدفهم تجميعُ الناسِ حولهم على الرغم مِنِ اختلافِ عقائدهم، ومِنْ جهةٍ أخرى فليس في الآية ما يدلُّ على هذا الخروج؛ لأنَّ كلمةَ: ﴿أُخۡرِجَتۡ﴾ معناها: أُظْهِرَتْ، وليس معناها: خَرَجَت فُرادَى وزُرافاتٍ كما يزعمون.

وأمَّا استدلالهم بالآية الأخرى: ﴿وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ[التوبة: ٤٦] على مشروعية الخروج فباطلٌ؛ لأنَّ الخروج ـ في الآية ـ معناهُ: الخروجُ للغزو كما يتَّضح مِنْ سياق الآيات؛ لأنَّ المناسَبةَ كانَتْ في غزوة تبوك حين جاء الجَدُّ بنُ قيسٍ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تَفْتِنِّي، فواللهِ لقد عَرَف قومي: ما رجلٌ أشَدُّ عجبًا بالنساء منِّي، وإنِّي أخشى إِنْ رأيتُ نساءَ بني الأصفر ـ يعني: الروم ـ أَنْ لا أصبر عنهنَّ»، فأَعْرَضَ عنه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم(١١)؛ وعليه فلا يستقيم استدلالُهُم بالآية؛ لأنَّ جماعة التبليغ لا يخرجون للغزو، كما أنَّ المتخلِّف عن الخروج معهم لا يُعَدُّ مِنَ الذين كَرِهَ اللهُ انبعاثَهم وثبَّطهم؟ وإنما هي مغالَطاتٌ واتِّباعٌ للهوى في فهمِ النصوص، ومِنْ هنا نعلم أنَّ الخروج للدعوة ملبَّسُ الشرعية حيث لا يسنده دليلٌ شرعيٌّ، كما أنهم لم يُعِدُّوا لهذا الخروجِ للدعوة عُدَّتَه مِنَ العلم الشرعيِّ الصحيح الذي يمكِّنهم مِنَ الدعوة، فيغلب خطؤهم صوابَهم، وربُّنا عزَّ وجلَّ يقول: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي[يوسف: ١٠٨]؛ فالسبيلُ المُوصِلةُ إلى الله تعالى وإلى دار كرامته يتضمَّن العلمَ بالحقِّ والعملَ به وإيثارَه وإخلاصَ الدِّين لله وَحْدَه لا شريكَ له؛ فشرطُ الدعوةِ إلى الله: العلمُ واليقين مِنْ غير شكٍّ ولا افتراءٍ ولا مِرْيةٍ، وكُلُّ مَنِ اتَّبعه يدعو إلى ما دَعَا إليه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على بصيرةٍ وبرهانٍ عقليٍّ وشرعيٍّ.

أمَّا عن فكرة إنشاء جماعة التبليغ، وأنها مبنيَّةٌ على رُؤْيَا رآها مؤسِّسُها محمَّد إلياس فليسَتِ افتراءً كما ذَكَره المنتقِدُ؛ فإنَّ محمَّد إلياس نَفْسَه بيَّن ذلك حيث قال: «انكشفَتْ عليَّ هذه الطريقةُ، وأُلقي في رُوعي في المَنام تفسيرُ الآية: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّه[آل عمران: ١١٠]: إنك أُخْرِجْتَ للناس مِثْلَ الأنبياء»، ويقول أبو الحسن الندوي في كتابه: «الشيخ محمَّد إلياس ودعوته الدينية»: «أقام بعد الحجِّ في المدينة المنوَّرة، فكان يقول للشيخ: إنِّي أُمِرْتُ ـ أثناءَ إقامتي في المدينة المنوَّرة ـ بالتبليغ، وقِيلَ: «نستخدمك»، فقضيتُ أيَّامًا في قلقٍ واضطرابٍ: كيف يقوم مثلي الضعيفُ بهذا العلم؟ فقصصتُ هذه القصَّةَ على عارفٍ فقال: «لماذا أنت في هذا القلق؟ فما قِيلَ لك أَنْ تقوم بهذا العمل، وإنما قِيلَ: نستخدمك، فمَنْ يُرِدْ أَنْ يستخدِمَك فلْيَسْتخدِمْ»»(١٢).

بل ذَهَبَ محمَّد إلياس إلى أشَدَّ مِنْ هذا، حيث كَتَبَ في خطابٍ عامٍّ أرسله إلى أعضاءِ جماعته: «إذا لم يُرِدِ اللهُ أَنْ يقوم أحَدٌ بعملٍ فلا يمكن حتَّى الأنبياء أَنْ يبذلوا جهودَهم فيقوموا بشيءٍ، وإذا أراد اللهُ شيئًا يَقُمْ أمثالُكم الضعفاءُ بالعمل الذي لم يستطع الأنبياءُ»(١٣).

وإنَّ في تلك القصَّةِ التي أسَّس عليها محمَّد إلياس جماعتَه مخالَفاتٍ شنيعةً، منها: ادِّعاءُ الخيرية فوق خيرية الأنبياء والمُرْسَلين، وادِّعاء الخيرية لصاحِبِ الجماعة ولأعضائها، والطامَّةُ الكبرى في هذه القصَّةِ هو أصلُها وأساسُها الذي بُنِيَتْ عليه، ألَا وهو الكذبُ على الله تعالى ويا لها مِنْ طامَّةٍ!! وهل يصحُّ أصلًا في دينِنا أَنْ نأخذ أحكامًا مِنَ الأحلام، فضلًا عن أَنْ نأخذ تفسيرًا وعقيدةً ومنهجًا؟ فأين عقولُ القوم؟ أليس فيهم رجلٌ رشيدٌ؟ فالحمدُ لله على نعمة الهداية والعقل.

وأمَّا وصفُهم بالتصوُّف فقَدِ اعترف القومُ أَنْفُسُهم بذلك، بل يفخرون به؛ فهذا أميرُهم «إنعام الحسن» يعترف بأنهم يُبايِعون على الطُّرُق: القادرية والنقشبندية والجشتية والسهروردية؛ إذ قال: «إنَّ البيعة في الطُّرُقِ الصوفيةِ رائجةٌ ومنتشِرةٌ في شبه القارَّة الهندية، والواقعُ أنَّنا إذا لم نُبايِعهم فإنهم حتمًا سيُبايِعون غيرَنا»(١٤).

بل إنَّ التبليغيِّين لهم شِركياتٌ رائجةٌ، يقول الشيخ حمُّود التويجري ـ رحمه الله ـ: «ومِنَ الشركيات الرائجة عند التبليغيِّين: تعليقُ التمائم والحروز والحُجُبِ التي تَشتمِلُ على الطلاسِم والأسماء الغريبة والمربَّعات والأرقام والرموز المُبْهَمة التي لا تخلو مِنَ الالتجاء لغير الله والاستعانةِ بغيره»(١٥).

ويقول شيخُهم «عبد الرحمن الدهلوي»: «إنَّ أكابِرَ أهل التبليغ يرابطون على القبور، وينتظرون الكشفَ والكراماتِ والفيوضَ الروحية مِنْ أهل القبور»(١٦).

ومِنْ تصوُّفهم ـ أيضًا ـ أنهم يُمارِسون الأورادَ الصوفية، فمثلًا يردِّدون: «لا إله إلَّا الله» مائتَيْ مرَّةٍ في الليل، مع تحريك الرأس مِنَ اليمين إلى أعلى، ثمَّ خفضِها حتَّى تقع في القلب، «الله الله» ستَّمائة مرَّةٍ يوميًّا في أيِّ وقتٍ.

والذي يقرأ كتابَهم ـ الذي هو عمدتُهم ـ: «تبليغي نصاب» ويعني بالعربية: «منهاجَ التبليغيِّين» لمحمَّد زكريَّا الكاندهلوي؛ يَجِدْ أنَّ هذا الكتابَ مليءٌ بالبِدَعِ والشركيات والمخالَفاتِ العقائدية الصارخة: كوحدة الوجود، وأنَّ النبيَّ والأولياء يحيَوْن حياةً دنيويةً لا برزخيةً، وأنَّ النبيَّ الكريم يتحدَّث مِنْ داخلِ القبر مع شيوخ جماعة التبليغ وشيوخ الصوفية، وكقولهم عن ربِّنا ـ تَبارَك وتعالى عمَّا قالوا عُلُوًّا كبيرًا ـ: «إنه لَطَمَ أحَدَهم على قَفَاهُ بسببِ أنه نَظَرَ لامرأةٍ في البيت الحرام»، وكقولِ أحَدِهم: «إنه تَمَنَّى أَنْ يقبِّل يدَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فألقى بيتين مِنَ الشعر عند القبر الشريف فأخرج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يدَه مِنَ القبر للرجل حتَّى يُقبِّلها»، وهذه الخرافاتُ مذكورةٌ في كُتُبِهم؛ فخُذْ ـ على سبيلِ المثال ـ قولَهُم بوحدة الوجود فيما كَتَبه رشيد أحمد الكنكوهي قال: «أنا عذابٌ، وما أنا بشيءٍ، ليس هناك إلَّا ظلُّك ووجودُك، وما أنا بشيءٍ، إنما أنا أنت، وأنا وأنت شركٌ في شركٍ»، هذا في كتابهم: «تبليغي نصاب».

أمَّا كتابُ: «حياة الصحابة» لمحمَّد يوسف الكاندهلوي فهو الآخَرُ تقترن به البِدَعُ والخرافات والإسرائيليات، وفيه أحاديثُ ضعيفةٌ وموضوعةٌ ومكذوبةٌ. والعجيبُ أنه لمَّا حقَّق بعضُ أهل العلم هذا الكتابَ فحذفوا منه ما لا يصحُّ، وبَقِيَتِ النسخةُ المحقَّقةُ ما فيها إلَّا الصحيحُ؛ ثار أمراءُ الجماعة على هذا، وغضبوا أشَدَّ الغضبِ مِنْ هذا الفعل، وادَّعوا أنَّ هذا تَعَدٍّ على مسيرة الدعوة إلى الله، حتَّى حذَّر أحَدُ أمرائهم مِنْ هذه النُّسَخِ المحقَّقة، وقال: «إنها محاربةٌ للدعوة».

الجهة الثانية: وأمَّا بالنسبة لكلام أهل العلم عن جماعة التبليغ، فسنُورِدُ بعضًا مِنْ أقوال أهل العلم العارفين بالجماعة وانحرافهم:

١ ـ استطاع مَشايِخُ التبليغِ في بادئ الأمر أَنْ يلبِّسوا على الشيخ محمَّد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ، المفتي السابق للمملكة العربية السعودية، حتَّى أصدر فتوَى تدعو إلى فتحِ المساجد لحركة التبليغ والدعوةِ وتشجيعِها، وكان هذا سنة: (١٣٧٣ﻫ)، لكِنْ بمجرَّدِ أَنِ انكشف أمرُهم أصدر ـ رحمه الله ـ فتوَى متأخِّرةً ومُلْغِيةً للأولى بعدها بتسع سنواتٍ وبالتحديد في سنة: (١٣٨٢ﻫ)، حيث صرَّح لرئيس الديوان المَلَكيِّ بخطابٍ مكتوبٍ جاء فيه: «وأَعْرِضُ لسُمُوِّكم أنَّ هذه ـ أي: الجمعية المسمَّاة: كُلِّيَّة الدعوة والتبليغ الإسلامية ـ جمعيةٌ لا خيرَ فيها؛ فإنها جمعيةُ بدعةٍ وضلالةٍ، وبقراءةِ الكُتَيِّبات المُرْفَقة بخطابهم وجَدْناها تشتمل على الضلال والبدعة، والدعوةِ إلى عبادة القبور والشرك»(١٧).

٢ ـ ومِثْلُه ما حَصَل للشيخ عبد العزيز بنِ باز ـ رحمه الله ـ حيث قال ـ ابتداءً ـ كلامًا عامًّا، وهو ـ في الحقيقة ـ عليهم لا لهم، جاء فيه: «ولا شكَّ أنَّ الناس في حاجةٍ شديدةٍ إلى مِثْلِ هذه اللقاءات الطيِّبة المجموعةِ على التذكير بالله، والدعوةِ إلى التمسُّك بالإسلام وتطبيقِ تعاليمه، وتجريدِ التوحيد مِنَ البِدَعِ والخرافات»(١٨)، فليس فيما صرَّح به الشيخ ابنُ بازٍ ـ رحمه الله ـ ثناءٌ على جماعة التبليغ، وإنما جاء توجيهُه نصيحةً موافِقةً لمقتضى قولِه تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي...﴾ الآية [يوسف: ١٠٨]، ومع ذلك فحين بُيِّنَتْ له حقيقةُ جماعة التبليغ أعلن إنكارَه لها صراحةً في فتواهُ الأخيرةِ بتاريخ: ٦/ ١٢/ ١٤١٦ﻫ، حيث قال: «كُلُّ مَنْ دَعَا إلى الله فهو مبلِّغٌ؛ «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»(١٩)، لكنَّ جماعةَ التبليغِ المعروفةَ الهندية عندهم خرافاتٌ، عندهم بعضُ البِدَعِ والشركيات؛ فلا يجوز الخروجُ معهم إلَّا إنسان عنده علمٌ: يخرج ليُنْكِرَ عليهم المُنْكَرَ ويعلِّمهم، أمَّا إذا خَرَج يُتابِعهم فلا؛ لأنَّ عندهم خرافاتٍ، وعندهم غلطٌ، عندهم نقصٌ في العلم، لكِنْ إذا كان جماعةُ تبليغٍ غيرُهم أهلُ بصيرةٍ وأهلُ علمٍ؛ يخرج معهم للتبصير والإنكار والتوجيه إلى الخير وتعليمِهم؛ حتَّى يتركوا المذهبَ الباطل ويعتنقوا مذهبَ أهلِ السنَّة والجماعة»(٢٠)، ولعلَّ جماعة التبليغ ومَنْ يتعاطف معهم يستفيدون ويعملون بهذه الفتوى المبيِّنةِ لواقعِهم وعقائدِهم ومنهجِهم، والناصحةِ بسلوكِ مذهبِ أهل السنَّة والجماعة.

٣ ـ سُئِل الشيخ ناصر الدِّين الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ:

ما رأيكم في جماعة التبليغ: هل يجوز لطالب العلم أو غيرِه أَنْ يخرج معهم بدعوى الدعوة إلى الله؟

فأجاب: «جماعة التبليغ لا تقوم على منهجِ كتابِ الله وسنَّةِ رسوله عليه السلام وما كان عليه سلفُنا الصالح.

وإذا كان الأمرُ كذلك فلا يجوز الخروجُ معهم؛ لأنه يُنافي منهجَنا في تبليغنا لمنهج السلف الصالح.

ففي سبيل الدعوة إلى الله يخرج العالِم، أمَّا الذين يخرجون معهم فهؤلاء واجبُهم أَنْ يَلْزَموا بلادَهم وأَنْ يتدارسوا العلمَ في مَساجِدِهم، حتَّى يتخرَّج منهم علماءُ يقومون بدورهم في الدعوة إلى الله.

وما دام الأمرُ كذلك فعلى طالبِ العلم ـ إذن ـ أَنْ يدعوَ هؤلاء ـ في عُقْرِ دارهم ـ إلى تعلُّم الكتاب والسنَّة ودعوةِ الناس إليها.

وهُمْ ـ أي: جماعة التبليغ ـ لا يُعْنَوْن بالدعوة إلى الكتاب والسنَّة كمبدإٍ عامٍ؛ بل إنهم يعتبرون هذه الدعوةَ مفرِّقةً؛ ولذلك فهُمْ أشبهُ ما يكونون بجماعة الإخوان المسلمين؛ فهُمْ يقولون: إنَّ دعوتهم قائمةٌ على الكتاب والسنَّة، ولكونِ هذا مجرَّدَ كلامٍ فهُمْ لا عقيدةَ تجمعهم: فهذا ماتريديٌّ، وهذا أشعريٌّ، وهذا صوفيٌّ، وهذا لا مذهبَ له؛ ذلك لأنَّ دعوتهم قائمةٌ على مبدإِ: «كتِّلْ، جمِّعْ، ثمَّ ثقِّفْ»، والحقيقةُ أنه لا ثقافةَ عندهم؛ فقَدْ مرَّ عليهم أكثرُ مِنْ نصفِ قرنٍ مِنَ الزمان ما نَبَغَ فيهم عالمٌ.

وأمَّا نحن فنقول: ثقِّفْ ثمَّ جمِّعْ، حتَّى يكون التجميعُ على أساسِ مبدإٍ لا خلافَ فيه.

فدعوةُ جماعةِ التبليغ صوفيةٌ عصريةٌ، تدعو إلى الأخلاق، أمَّا إصلاحُ عقائدِ المجتمع فهُمْ لا يحرِّكون ساكنًا؛ لأنَّ هذا ـ بزعمهم ـ يُفرِّق.

وقد جَرَتْ بين الأخ سعد الحصين وبين رئيسِ جماعة التبليغ في الهند أو في باكستان مراسَلاتٌ، تَبيَّنَ منها أنهم يُقِرُّون التوسُّلَ والاستغاثة وأشياءَ كثيرةً مِنْ هذا القبيل، ويطلبون مِنْ أفرادهم أَنْ يُبايِعوا على أربعِ طُرُقٍ، منها: الطريقة النقشبندية؛ فكُلُّ تبليغيٍّ ينبغي أَنْ يُبايِع على هذا الأساس.

وقد يقول قائلٌ: إنَّ هذه الجماعةَ عاد ـ بسببِ جهودِ أفرادها ـ الكثيرُ مِنَ الناسِ إلى الله، بل وربَّما أَسْلَمَ على أيديهم أناسٌ مِنْ غير المسلمين؛ أفليس هذا كافيًا في جواز الخروج معهم والمشارَكةِ فيما يَدْعون إليه؟

فنقول: إنَّ هذه الكلماتِ نعرفها ونسمعها كثيرًا ونعرفها مِنَ الصوفية!!.

فمثلًا يكون هناك شيخٌ عقيدتُه فاسدةٌ ولا يعرف شيئًا مِنَ السنَّة، بل ويأكل أموالَ الناس بالباطل ...، ومع ذلك فكثيرٌ مِنَ الفُسَّاق يتوبون على يديه...!

فكُلُّ جماعةٍ تدعو إلى خيرٍ لا بُدَّ أَنْ يكون لهم تبعٌ، ولكِنْ نحن ننظر إلى الصميم، إلى ماذا يَدْعون؟ هل يَدْعون إلى اتِّباعِ كتاب الله وحديثِ الرسول عليه السلام، وعقيدةِ السلف الصالح، وعدمِ التعصُّب للمذاهب، واتِّباعِ السنَّة حيثما كانَتْ ومع مَنْ كانت؟!

فجماعة التبليغ ليس لهم منهجٌ علميٌّ، وإنما منهجُهم حَسَبَ المكان الذي يُوجَدون فيه؛ فهُمْ يتلوَّنون بكُلِّ لونٍ»(٢١).

٤ ـ وفي كلام العلَّامة ابنِ عثيمين ـ رحمه الله ـ ما يُدِينُ جماعةَ التبليغ حيث قال: «بَلَغني عن زُعَماءِ هؤلاء الجماعةِ في الأقطار الإسلامية خارِجَ بلادِنا أنهم على انحرافٍ في العقيدة، فإذا صحَّ هذا فإنَّ الواجبَ الحذرُ منهم»(٢٢)، فقَدْ صَدَقَ ـ رحمه الله ـ وقد صحَّ انحرافُهم بشهادةِ الثِّقَاتِ مِنَ العلماء وغيرِهم، وبالنقل مِنْ كُتُبِهم كما سَبَقَ بيانُه.

٥ ـ سُئِل الشيخ عبد الرزَّاق عفيفي ـ رحمه الله ـ عن خروج جماعة التبليغ لتذكير الناس بعظمة الله؟ فقال: «الواقع أنهم مُبتدِعةٌ محرِّفون وأصحابُ طُرُقٍ: قادريةٍ وغيرهم، وخروجُهم ليس في سبيل الله، ولكنَّه في سبيل إلياس، وهُمْ لا يَدْعون إلى الكتاب ولا السنَّة، ولكِنْ يَدْعون إلى إلياس شيخِهم في بنغلاديش، أمَّا الخروجُ بقصد الدعوة إلى الله فهو خروجٌ في سبيل الله، وليس هذا هو خروجَ جماعة التبليغ، وأنا أعرف التبليغَ مِنْ زمانٍ قديمٍ، وهُمْ المُبتدِعةُ في أيِّ مكانٍ كانوا، هم ـ في مصر وإسرائيل(٢٣) وأمريكا والسعودية ـ كُلُّهم مُرتبِطون بشيخهم إلياس»(٢٤).

٦ ـ سُئِل الشيخ صالح بنُ فوزان الفوزان ـ حفظه الله ـ عن الذين يخرجون للدعوة، وهُمْ لم يطلبوا العلمَ أبدًا؟ فأجاب بقوله: «الخروجُ في سبيل الله هو الخروجُ للغزو، أمَّا ما يُسمُّونه ـ الآنَ ـ بالخروج فهذا بدعةٌ لم يَرِدْ عن السلف، وخروجُ الإنسان يدعو إلى الله غيرُ متقيِّدٍ في أيَّامٍ معيَّنةٍ، بل يدعو إلى الله حَسَبَ إمكانياته ومقدرته، بدونِ أَنْ يتقيَّد بجماعةٍ أو يتقيَّد بأربعين يومًا أو أقلَّ أو أكثر، وكذلك ممَّا يجب على الداعية: أَنْ يكون ذا علمٍ، لا يجوز للإنسان أَنْ يدعوَ إلى الله وهو جاهلٌ، قال تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي[يوسف: ١٠٨]، أي: على علمٍ؛ لأنَّ الداعية لا بُدَّ أَنْ يعرف ما يدعو إليه مِنْ واجبٍ ومُستحَبٍ ومحرَّمٍ ومكروهٍ، ويعرف: ما هو الشركُ والمعصية والكفر والفسوق والعصيان؟ يعرف درجات الإنكار وكيفيته، والخروجُ الذي يشغل عن طلبِ العلم أمرٌ باطلٌ؛ لأنَّ طلب العلمِ فريضةٌ، وهو لا يحصل إلَّا بالتعلُّم، لا يحصل بالإلهام(٢٥)، هذا مِنْ خرافات الصوفية الضالَّة؛ لأنَّ العمل بدون علمٍ ضلالٌ، والطمعَ بحصول العلم بدون تعلُّمٍ وهمٌ خاطئٌ»(٢٦).

٧ ـ ونختم هذا التوضيحَ بكلام الشيخ حمُّود التويجري ـ رحمه الله ـ المتضمِّن نصيحةً وتحذيرًا مِنَ الانضمام إلى جماعة التبليغ حيث قال: «إنِّي أنصح السائلَ وأنصح غيرَه مِنَ الذين يحرصون على سلامةِ دِينِهم مِنْ أدناس الشرك والغُلُوِّ والبِدَع والخرافات: ألَّا ينضمُّوا إلى التبليغيِّين ولا يخرجوا معهم أبدًا، وسواءٌ كان ذلك في البلاد السعودية أو في خارِجِها؛ لأنَّ أهونَ ما يقال في التبليغيين: أنهم أهلُ بدعةٍ وضلالةٍ وجهالةٍ في عقائدهم وفي سلوكِهم، ومَنْ كانوا بهذه الصفة الذميمةِ فلا شك أنَّ السلامة في مجانَبتِهم والبعدِ عنهم»(٢٧).

فاللهم اهْدِ قومَنا، ورُدَّهم إلى الإسلام المصفَّى ردَّا جميلًا، ونسأله سبحانَه أَنْ يَهْديَنا وإيَّاهم سواءَ السبيل، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصَلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 


(١) انظر الفتوى رقم: (٢١٠) على الموقع الرسميِّ لفضيلة الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ.

(٢) الديوبندية: تُنْسَبُ إلى جامعة ديوبند ـ دار العلوم ـ في الهند، وهي مدرسةٌ تتَّخِذُ مِنْ مذهب الإمام أبي حنيفة مذهبًا فقهيًّا في الفروع، وفي الاعتقاد والأصول مذهبَ أبي منصورٍ الماتريديِّ، وفي جانبِ السلوك تتبنَّى سلاسلَ الطُّرُقِ الصوفية الأربع وهي: الجشتيَّة، والسهروردية، والقادرية، والنقشبندية.

ومِنْ أعلام المدرسة الديوبندية المعاصرين: الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي: رئيس جامعة ندوة العلماء في «لكنهو» ورئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، والشيخ المحدِّث حبيب الرحمن الأعظمي وغيرُهما.

انظر: «سوانح قاسمي» لمناظر أحسن كيلاني ـ مكتبة رحمانية لاهور، «المهند على المفند» لأحمد سهارنفوري ـ مكتبة المدينة ـ لاهور، «كرامات إمدادية» لأشرف علي تهانوي، «الديوبندية» لسيِّد طالب الرحمن ـ باكستان، «دعوة الإمام محمَّد بن عبد الوهَّاب في شبه القارَّة الهندية بين مؤيِّديها ومُعانِديها» لأبو أكرم بن عبد الجليل ـ مكتبة دار السلام ـ الرياض.

(٣) انظر: «السراج المنير في تنبيه جماعة التبليغ على أخطائهم» لمحمَّد تقيِّ الدِّين الهلالي (٤٣).

(٤) انظر: «القطبية» للحربي (١٢).

(٥) انظر: «مفهوم تقسيم العلم إلى: مسائل وفضائل» عند التبليغيِّين في رسالة: «تنبيه المستبصرين بمفهوم التقسيم الاصطلاحيِّ للدِّين، نماذجُ وآثارٌ ضِمْنَ رؤيةٍ نقدية» للشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ (ص ٤٢).

(٦) انظر: «السراج المنير» للهلالي (١٥).

(٧) «القول البليغ» للتويجري (٢١٣).

(٨) أخرجه البخاريُّ (٤٥٥٧).

(٩) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ٣٩١).

(١٠) «تيسير الكريم الرحمن» للسعدي (١٢٨).

(١١) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٢/ ٣٦١).

(١٢) «الشيخ محمَّد إلياس ودعوته الدينية» للشيخ أبي الحسن الندوي.

(١٣) انظر: «القول البليغ في التحذير مِنْ جماعة التبليغ» للتويجري (٢١٧).

(١٤) انظر: المصدر السابق (٧ ـ ٨).

(١٥) المصدر السابق (١٣).

(١٦) انظر: المصدر السابق (١٢).

(١٧) «فتاوى الشيخ محمَّد بن إبراهيم» (١/ ٢٦٧ ـ ٢٦٨)، وانظر: «القول البليغ» للتويجري (٢٨٩).

(١٨) انظر فتواه برقم: (١٠٠٧)، بتاريخ: ١٧/ ٠٨/ ١٤٠٧ﻫ، والتي يقوم بنشرها الآنَ جماعةُ التبليغ.

(١٩) أخرجه البخاريُّ (٣٤٦١) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما.

(٢٠) انظر: «كشف الستار» للشيخ محمَّد العريني (١١٦)، وهي آخِرُ فتاوى الشيخ ابنِ باز، وكانَتْ قبل وفاته بسنتين تقريبًا في السادس مِنْ ذي الحجَّة ١٤١٦ﻫ.

(٢١) «الفتاوى الإماراتية» للألباني س (٧٣) ص (٣٨).

(٢٢) انظر: «جماعة التبليغ في شبه القارَّة الهندية» للشيخ سيِّد طالب الرحمن (١٣٩).

(٢٣) تجدر الإشارةُ إلى أنَّ تسمية دولة اليهود بإسرائيل غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ القوم ليسوا أتباعَ نبيِّ الله يعقوبَ وهو إسرائيلُ عليه السلام، بل هم اليهودُ دِينًا كما سمَّاهم اللهُ في كتابه ونبيُّه في سنَّته، وإنما هم بنو إسرائيل نسبًا، كما أنَّ معنى إسرائيل بلُغَتهم: عبد الله، وقد يَتطاوَلُ بعضُ الناسِ لبُغضهم لليهود فينتقص هذا الاسْمَ المحمودَ معناهُ ومسمَّاهُ الذي هو نبيُّ الله يعقوب عليه السلام بسبب هذه التسميةِ الخاطئة.

(٢٤) انظر: «فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزَّاق عفيفي» (١٢/ ١٧٤).

(٢٥) كما يردِّد التبليغيون ويدَّعون أنَّ مَنْ يخرج في سبيل الله للدعوة سيُلْهِمُه اللهُ.

(٢٦) «ثلاث محاضَراتٍ في العلم والدعوة».

(٢٧) مِنْ كتاب: «القول البليغ في التحذير مِنْ جماعة التبليغ» لحمُّود التويجري (٣٠).