في حكم التداوي عند طبيبٍ نفسيٍّ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 18 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 24 يونيو 2024 م

الفتوى رقم: ١١٠٥

الصنف: فتاوى طبِّيَّة

في حكم التداوي عند طبيبٍ نفسيٍّ

السؤال:

هل يجوز استشارةُ طبيبٍ أو طبيبةٍ في علمِ النّفسِ عن بعضِ الأمورِ غيرِ العقديَّةِ وتكون استشارةً أو معالَجةً من بابِ الأخذِ بالأسبابِ، واللهُ هو الشافي؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالطبيبُ النّفسيُّ إن كان موثوقًا به، وأهلًا لممارَسةِ عملِه، ومأمونًا بحيث لا يستخدم ـ في علاجِه للأمراضِ النفسيَّةِ والاضطراباتِ العصبيَّةِ ـ الطُّرُقَ المحرَّمةَ شرعًا كالتنويمِ المغناطيسيِّ الممزوجِ بكثيرٍ من الدَّجَلِ، أو يلتجئ إلى ما وراءَ الأسبابِ العاديَّةِ لرفعِ الداءِ النفسيِّ، أو يستعمل الطريقةَ الفرويديَّةَ في المعالجةِ بإقناعِ المريضِ أنَّ سببَ عقدتِه النّفسيَّةِ واضطرابِه العصبيِّ يرجع إلى تقيُّدِه بالدينِ والأخلاقِ باعتبارِهما ـ على النظرةِ الفرويديَّةِ ـ حواجزَ وعوائقَ تقف أمامَ الإشباعِ الجنسيِّ؛ مما يُورِثُه عُقَدًا وأمراضًا، فيدعوه إلى التحرُّرِ مِن قيودِها، وغير ذلك ممَّا فيه إفسادٌ للدينِ والأخلاقِ وتلبيسٌ على المسلمين، فإنْ خَلَتْ مِهنتُه مِن هذه الهَنَاتِ والمعايبِ فلا مانِعَ من الرجوعِ إليه ـ استشارةً وعلاجًا ـ ببذلِ الأسبابِ المباحةِ لمداواةِ النفسِ المريضةِ، إذْ لا يختلف أمرُ البدنِ والنفسِ في تحقُّقِ المرضِ فيهما، وهما مشمولان بعمومِ الأمرِ بالتداوي في قولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لمَّا قَالَتِ الأَعْرَابُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَتَدَاوَى؟» قَالَ: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً ـ أو قال: دَوَاءً ـ إِلَّا دَاءً وَاحِدًا»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُوَ؟» قَالَ: «الهَرَمُ»(١)، وفي قولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً؛ فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»(٢).

والأصلُ أنَّ المرأةَ لا تعالِجُ إلَّا عند طبيبةٍ إن وُجِدَتْ، وكذلك الرَّجُلُ يتداوى عند طبيبٍ رجلٍ، فإن تعذَّر فيجوز التداوي مع اختلافِ الجنسين استثناءً مِن الأصلِ السابقِ، وذلك إن أُمِنَتِ الفتنةُ بالتزامِ الضوابطِ الشرعيَّةِ المبيَّنةِ في رسالتِي «نصيحة إلى طبيب مسلم»(٣)، منها: تجنُّبُ الخَلوةِ والمسِّ والمصافحةِ والنظرِ الممنوعِ، ونحو ذلك من الضوابطِ الشرعيَّةِ المتعلِّقةِ بشخصيَّةِ الطبيبِ وأخلاقيَّاتِه.

هذا، وجديرٌ بالتنبيهِ أن الرجوعَ إلى الطبيبِ النفسيِّ ـ استشارةً أو علاجًا ـ تسبقه مرحلةُ تشخيصِ المرضِ، فإن تأكَّد أنه مرضٌ من نوعِ المسِّ الشيطانيِّ أو السحرِ فإنه لا يصير إلى الطبيبِ النفسيِّ؛ لأنَّ هذا النوعَ من المرضِ لا يدخل ضِمْنَ الطبِّ النفسيِّ، وإنما يستشير راقيًا كفءًا ومؤهَّلًا أو يعالِج عنده لرفعِ المسِّ وحَلِّ السحرِ بالنُّشرةِ الشرعيَّةِ.

أمَّا إن كان المرضُ المشخَّصُ من نوعِ الوساوسِ الشيطانيَّةِ(٤) التي تُورِثُ في نفسِ المريضِ الشكَّ والقلقَ والاضطرابَ وما ينْجَرُّ عنها من الهمِّ والغمِّ والأسى؛ فإنَّ هذه الحالاتِ النفسيَّةَ قد يعود سببُها إلى مقارفةِ المريضِ للذنوبِ وارتكابِه للمعاصي، والواجبُ على المريضِ ـ والحالُ هذه ـ الإنابةُ إلى اللهِ بالتوبةِ النَّصوحِ، والتوكُّلُ عليه والإكثارُ من الاستغفارِ، والمحافظةُ على عمومِ الأذكارِ في الصباحِ والمساءِ، ومِن أهمِّها: قراءةُ القرآنِ وفاتحةِ الكتابِ وآيةِ الكرسيِّ والمعوِّذاتِ: «الإخلاص» و«الفلق» و«الناس»، وغيرِها ممَّا يحفظ من أمرِ اللهِ، والسعيُ إلى طلب العلم الشرعي الذي يرفع عنه الشكوك والوساوس ويدفع عنه الشبهات، كما عليه اختيارُ الرُّفْقَةِ الصالحةِ التي تؤازره، ومَلْءُ الفراغِ بما يُفيده في معاشِه ومعادِه، فإنَّ الوَحْدَةَ والعُزلةَ والفراغ للمصابِ بالوسواسِ من أسبابِ زيادةِ الكبتِ والإحباطِ النفسيِّ، وهذه الحالةُ لا يُرَاجِعُ فيها الطبيبَ النفسيَّ، بل يتصدَّى لها المصابُ شخصيًّا بالصمودِ ضدَّ وساوسِ الشيطانِ ويعصيه فيما يوحيه إليه من شكوكٍ ووساوسَ، ويستعين باللهِ عليه ويتضرَّع إلى اللهِ بالدعاءِ في أوقاتِ الاستجابةِ وفي جوفِ الليلِ أو ثلثِه الأخيرِ، ويدعوه بأنْ يحفظَه من الشيطانِ ويخلِّصَه من وساوسِه وشَرَكِه ومكايدِه، فإن التزم هذه الطريقةَ الشرعيَّةَ بإخلاصٍ وصدقٍ فإنَّ اللهَ تعالى يُبْعد عنه ما يخشاه ويحقِّقُ له ما يرجوه ويتمنَّاه من الخيرِ، فيسكن قلبُه وتطمئنُّ نفسُه، ذلك لأنَّ اللهَ تعالى سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعَوَاتِ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ جمادى الثانية ١٤٣٢ﻫ
المـوافق ﻟ: ١٩ مــــاي ٢٠١١م

 



(١) أخرجه أبو داود في «الطبّ» باب في الرجل يتداوى (٣٨٥٥)، والترمذي ـ واللفظ له ـ في «الطبّ» بابُ ما جاء في الدواء والحثِّ عليه (٢٠٣٨)، مِنْ حديثِ أسامةَ بنِ شريكٍ رضي الله عنه، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٩٣٠).

(٢) أخرجه أبو داود في «الطِّبِّ» بابٌ في الأدوية المكروهة (٣٨٧٤) مِنْ حديثِ أبي الدَّرداء رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الأرناؤوط في تحقيقه ﻟ «جامع الأصول» (٧/ ٥١٢)، وانظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» للألباني (٤/ ١٧٤) رقم: (١٦٣٣).

(٣) انظر الكلمة الشهرية رقم: (18) الموسومة ﺑ: «نصيحة إلى طبيب مسلم» على الموقع الرسميِّ (ص ٣١ ـ ٣٤).

(٤) انظر: الفتوى رقم: (498) الموسومة ﺑ: «في دفع الوسواس والخطرات الشيطانية» في الموقع الرسمي.